موريتانيا مرة أخري: الغضب من الحقيقة هو سر التخلف الحضاري في كل بلدان العرب
هويدا طهموريتانيا مرة أخري: الغضب من الحقيقة هو سر التخلف الحضاري في كل بلدان العرب لم يكن متوقعا أن أكتب مرة أخري عن موريتانيا بعد مقالي الأول في هذه الصفحة من جريدة القدس العربي عن زيارتي الأولي لها.. لولا هذا السيل من الرسائل والتعليقات في الجريدة أو عن طريق بريدي الإلكتروني أو عبر النقاش المباشر مع أصدقاء موريتانيين أو حتي في جرائد محلية موريتانية.. جاءني منها مقالات ترد علي مقالي المذكور، مواقف لا تملك أمامها إلا الدهشة أو الاندهاش من هذا القدر من (الغيبوبة) التي تعيشها الشعوب العربية علي اختلافها من مشرقها إلي مغربها.. حتي لكأنك تتساءل: هل أحلامنا لأنفسنا كشعوب هي أحلام عادلة حقا؟ أم أننا نستحق ما نحن فيه؟! كنت في مقالي الأول قد وصفت ( غياب الخدمات العصرية من مدينة نواكشوط) وتعرضت لما دار بيني وبين أصدقاء موريتانيين من نقاش حول مفاهيم عديدة.. مثل التنمية والاستعمار والاستقلال وبداوة الفكر وفكر البداوة والانقلابات العسكرية وفساد الحكام الوطنيين إلي آخره من قضايا تعيشها شعوبنا.. ولكن النقاش كان يركز علي موريتانيا بالطبع، غضب (أعمي) ذلك الذي رد به الموريتانيون علي ما رصدته كمواطنة عربية تزور عاصمة عربية الزيارة الأولي (وبعد ما رأيته قلت في مقالي إنها الزيارة الأولي والأخيرة!).. غضب وصل إلي السب (الظريف أحيانا!) ومن الغريب أن في كل هذا السيل لم ينكر واحد منهم .. واحد فقط حتي.. ما وصفته! فقط غضبوا ( لأنني وصفته) وسقطوا في فخ المقارنة الظريفة حقا بين ( قطار موريتانيا الذي لم يقتل أحدا منذ تدشينه وما وصفوه بالقول (قطارات بلدك التي تقتل ركابها!) وقال أحدهم إنه يفخر بالانقلابات لأنها في بلدٍ شعبه ليس (ذليلا خاضعا كشعب بلدك مصر) وبعضهم وصف حكام موريتانيا بأنهم عظماء! وليسوا فاسدين كحكام (بلدك مصر) إلي آخره من مقارنات (الغضب الذي يقيل العقل إقالة ساحقة ماحقة).. ويوقع الطرفين وكلاهما مكلوم في بلده في فخ (أنا وأنت)، بل والأغرب ليس فقط أنهم غضبوا مما وصفته من (غياب الروح العصرية من مدينة نواكشوط التي لا يوجد بها أسفلت) ـ رغم أنهم لم ينكروه أبدا ـ وإنما لم ينتبهوا (لأن هذا هو حال العقل المستقيل.. بتعبير المفكر المغربي محمد عابد الجابري) لم ينتبهوا لما ذكرته من (مزايا في موريتانيا نحلم بأن تتحقق لنا في مشرق ومغرب ووسط العالم العربي) ونناضل عبثا من أجلها.. مثل (عدم اختراق الآخرين للمجال الفردي للمواطن الموريتاني).. أي الحرية الفردية الملحوظة بدرجة كبيرة.. وهي الملاحظة التي قال عنها صديقي الموريتاني الذي رافقني في رحلتي ببلده بأنها (حرية فردية فطرية بدوية لم نجهد لانتزاعها لذلك لا نعرف قيمتها) ولم ينتبهوا لما قلته بأن المرأة الموريتانية (لا تري في عينيها نظرة انكسار كتلك التي تراها في عيني المصرية والمغربية والمشرقية في العالم العربي) ولم ينتبهوا لوصف الثروات الطبيعية لدي موريتانيا وحرمان الشعب منها بسبب نهب النخب الحاكمة لها.. بل كان ردهم الغاضب علي قولي بأن فساد الحكام الوطنيين سبّب البؤس لهذا الشعب أن فساد الحكام هو السبب! هذا يحيلنا إلي القول المأثور (كمن فسر الماءَ بالماء!).. هكذا إذن! وكأني بكم أردتم من الزائر أن يعجب بما أنتم فيه ويزيد فيعجب برضاكم به! غضبتم لأنني وصفت شيئا لم تجرؤوا علي نكرانه ولكنكم (هجمتم هجوما مبيــنا بقلب واحد) لأن أحدا وصف حالكم مندهشا، ولم ينتبه أي ممن وصفوا الحالة المصرية بسخرية علي سبيل المقارنة وعلي طريقة (إللي بيته من زجاج ميحـــدفش الناس بالطوب، أو لا تعايرني وأعايرك الهـــم طايلني وطايلك!) الا أنني وعلي مدي سنوات ـ وضمن مئات الكتاب المصريين ـ قلنا في الحالة المصرية ما لم تقولوه من باب التشفي.. قلنا في وصف ما يعتري مصر من أمراض ما لم يقله مالك في خمره!.. فقط غضب أعمي بلا عقل بلا منطق بلا حجة بلا أي شيء سوي الصفة الأسوأ لأي جماعة بشرية وهي (الرضا بالتخلف إلي حد الدفاع عنه).. وفي هذا السياق أذكر هنا تحديدا ثلاثة تعليقات من مثقفين موريتانيين أحدهم الزميل العزيز الصحافي محمد فاضل الذي أرسل يقول بأنه يريد أن يشركني معه في (معركة دخلها مع صحافيي ومثقفي موريتانيا إثر صدور المقال) بحسب نص رسالته، وقال إنه (حاول أن يقنعهم بأن الأولي من الغضب علي الناقد أن نبذل الجهد للضغط علي حكامنا لتغيير أوضاعنا)، حاول دون جدوي! ثم الرسالة الثانية وهي من مثقف موريتاني (محمد مختار ولد الفقيه) قال في رسالته إنه نشر في موريتانيا مقالا يرد به علي حالة الغضب من مقالي التي اعترت مثقفي بلده.. وأرسل لي مشكورا نسخة من مقاله الذي نشره في جريدة الشعب بتاريخ 5/10/2006 تحت عنوان (سلبية الإنسان الموريتاني هي السبب) وقال فيه نصا موجها خطابه إلي شعبه: أمعنوا النظر رحمكم الله في مظاهر الحياة اليومية في بلد المليون شاعر، والمليون فقيه، والمليون شريف، والمليون تاجر، والمليون مقاول، والمليون صحافي، والمليون حزب، والمليون مستقل، والمليون سمسار، والمليون وزير، والمليون مشترك في خدمة الهاتف النقال… أمعنوا النظر وراقبوا هذه الملايين المتعددة المواهب والاختصاصات، راقبوا حركة سيرها في الشوارع فستخجلون من انتسابكم إليها، ستخجلون من أن تجمعكم قوائم الإحصاء ولوائح الانتخابات مع بشر يتحركون علي الشوارع بهذا المستوي من البدائية والفوضي واللامبالاة! ستدركون عبثية الانتخابات، ولا جدوي الإصلاحات، وهرطقة المفكرين وفقهاء الإذاعة والتلفزيون إذ يتحدثون جميعا ـ وبثقة لا تستند لواقع ـ عن أمة موريتانية وعن حضارة موريتانية لا ندري من أين نزلت ولا كيف اهتدي سادتُنا الأجلاء إلي مكمنها! إلي هنا انتهي الاقتباس من مقال ولد الفقيه، والحقيقة إن ما قاله عن تلك التي نصفها بأنها (غيبـــوبة) يعيشها مثقفو العرب هو وصف دقيق.. ينطــــبق ليس فقط علي الشعـــب الموريتاني وإنما علي كل الشعوب العربية التي لا تـــدري كيف ومن أين جاءت بهذيان انها (أمة خالدة.. صاحبة حـــضارة السبعة آلاف سنة.. خير أمة أخرجت للناس.. المفضـــلون لدي الله علي الأرض والأولي بشفاعة نبيه.. إلي آخـــره من هذيان تخلف لا تعيشونه أنتم فقط أيها الموريتانيون بل نعيشه جميعا.. في مصر وفي الخليج وفي المشرق وفي المغرب، والحقيقة أنني لم أصادف أحدا (إلا نادرا) يفكر ـ ولو لمجرد مطاردة اليقين ـ فيما يردده من ترهات يعتبرها (مسلمات)، فمثلا يروج الموريتانيون دائما لمقولة أن بلدهم هو بلد (المليون شاعر) والحقيقة المدهشة هي أن الشعب الموريتاني تعداده عن آخره ثلاثة ملايين! تضم النساء والأطفال والشيوخ والأميين والمتعلمين والمرضي والعجزة وغيرهم من فئات موجودة في كل شعوب العالم.. أي أن ترديد هذا الرقم بدون توقف أمامه ليس إلا ضربا من ضروب الهروب من واقع مرير، كما أنكم بالتأكيد لا تعتقدون بأن الشعب الموريتاني من دون شعوب الأرض هو شعب بأكمله مثقف بأكمله مبدع بأكمله متألق شاب رائع وعظيم حتي يكون ثلثه بالتمام والكمال شاعرا! من أي سماء يهبط مثل هكذا شعب؟! ولعل ما قاله الفقيه في مقاله تعليقا علي هذا الأمر هو الأقرب إلي محاولة يائسة لدفع الناس إلي مجرد التوقف عند ما يعتبرونه (مسلمات) فقد قال نصا: انظروا إلي المليون شاعر ثم جيئوا بشاعر موريتاني اخترق جدار المحلية، بشاعر واحد أحجم عن التمجيد والتطبيل والسير في ركاب أولياء النعمة مهما كانوا وفي أي زمان كانوا! ، ثم التعليق الثالث وقد نشرته جريدة القدس العربي وهو للأخ العزيز الذي وقع مقاله بصفة (مهندس وحقوقي موريتاني يقيم في فرنسا) وكذلك الذي وصف ما قلته في مقالي السابق بأنه (حقد)! يقول بأن الكاتبة تقترح علينا عودة المستعمر وتتحسر علي رحيله.. والحق أنني نقلت ما قاله بعض الموريتانيين في نقاشي معهم عن المستعمر بل وعلقت بالقول: يا إلهي! الاستقلال كان نكبة علي هذا البلد؟! لكنه عماء الغضب الذي لا يميز بين ما يقال وما ينسب لمن قالوه! وظل الأخ العزيز (المهندس والحقوقي الموريتاني المقيم بفرنسا مستعمره القديم) ظل مسكونا طوال مقاله بالمقارنة مع مصر التي تغرق فيها البواخر وتتهشم القطارات ويزاحم أحياؤها موتاهم في القبور وعاصمتها الأكثر تلوثا في العالم. و.. و.. (ما قاله بالمناسبة لا يصل إلي عُشر ما يكتبه كتاب مصر وأنا ضمنهم.. الذين ينتقدون أحوالها بأكثر مما يُلم الأخ العزيز) .. فما محصلة كل هذا الجدل؟! هناك نقطتان محصلتان لهذا الجدل.. أولاهما ما يتعلق بموريتانيا وثانيتهما ما يتعلق بمصر:ہہ بطبيعة الحال من تقدم للرد أو التعليق أو النشر بخصوص هذا (النقد الموجه لموريتانيا من الزائرة المصرية الحاقدة).. ومنهم من وصفه بأنه انتقاد وليس نقدا وهذا ما أغضبه! الفرق بين النقد والانتقاد! من تجشموا عناء الرد هم من النخبة المثقفة في هذا الشعب.. لكنهم بالتأكيد بما أبدوه من شوفينية علي غير أساس ليسوا هم المعبرون عن كل نخبة موريتانيا.. فالشعب الموريتاني ـ ككل الشعوب ـ لم يهبط من سماء عليا، ستجد من بين نخبته من تأخذهم ما وصفها ابن خلدون بالعُصبية القبلية.. وهي موجودة في كل الشعوب (بما فيها مصر بالمناسبة التي ما زال من بين نخبتها من يظن أن المصريين هم الأعظم بين البشر! دون أن يكلفوا أنفسهم عناء النظر إلي ما يعانيه معظم المصريين من مرض وتخلف وأمية وفقر مجرم وغياب عن التفاعل مع العالم) وبالتالي أحفظ لنفسي الحق في الاستمرار في صداقتي مع ذلك الجزء الضئيل من النخبة المثقفة الموريتانية.. التي تنظر بأسي لما يهيمن علي شعبها من بداوة الفكر وفكر البداوة واللاعقلانية.. ويحلمون لبلدهم ـ كما أحلم لبلدي ـ بالخروج من كهف التخلف المظلم الآسن.. ونعم أؤمن معهم كما يؤمنون (بعكس) المثل الذي يقول لا تعايرني ولا أعايرك الهم طايلني وطايلك.. فالحقيقة أننا نعم يجب أن نتعاير كلانا بما أوصلتنا إليه العُصبية العمياء من رضيً مشين بما نحن فيه.. بينما بلدان أخري شـــعوبها ليســـت خيــــر أمة تجاوزتنا.. وتركــــت وراءها ـ بلا رجعة ــ بداوة الفكر وفكر البداوة وتخلت بكامل وعيها عن الشوفينية البغيضة والتعلق بأهداب حضارة ميتة.. وأحلــــم معهم بأن يُبني بيتي وبيتهم بأساس عصري متين.. بدلا من زجاجه الواهي الذي يجب أن نهشمه بكل ما تصل إليه أيدينا من حجارة..ہہ أما النقطة المتعلقة بمصر فهي أنكم لم تكونوا أبدا في حاجة لتذكير كاتبة مصرية بقطارات بلدها التي تقتل ركابها أمام قطاركم الذي هو (أطول قطار في العالم ولا يقتل أحدا) ذلك أن تلك الكاتبة التي وصفتموها بالحاقدة والسخيفة والمجرمة إلي آخره (لأنها قالت إن شوارع نواكشوط ليس بها إنارة أو أسفلت!) هي واحدة من ضمن مئات الكتاب المصريين الذين ينتقدون بما هو أقسي بكثير من نقد (مدينة لا أسفلت فيها ولا إنارة وتكتفي راضية مرضية بهذا المليون من الشعراء!) ينتقدون أوضاع بلدهم مصر الذي تخلف حتي النخاع.. سياسيا واجتماعيا واقتصاديا وثقافيا وعلميا إلي آخره.. تحت وطأة نظام حاكم أكثر مهارة وحرفية في فساده من نظامكم الذي يبدو أمام نظامنا (مبتدئا) في مهارات الفساد! ذلك أننا نؤمن بأن (النقد سبيل التقدم) بل ونؤمن أن نقد حال مصر المزري لا ينبغي أن يكون فقط علي أيدي المصريين.. فمن ينتقد حال مصر من غير المصريين هو جدير بالشكر بل والتشجيع.. فليس هذا دليلا إلا علي الاهتمام.. واهتمام الآخرين بنا حتي من باب النقد (أو الانتقاد حتي يستريح الموريتانيون الذين قالوا بأن وصف مدينة نواكشوط هو انتقاد وليس نقدا!) هو بالتأكيد جهد مشكور.. بل نحن نحث الآخرين علي تعرية التخلف وأسبابه في كل بلداننا.. بلدي وبلدكم.. فلا فرق.. كلنا جنوب.. جنوب متخلف معتصم بعناد يحسد عليه بحبل المكابرة.. وإذا كانت المكابرة قد هدمت حضارات شامخة عبر العصور.. فما بالك إذن بفعلها في مثل حالنا الهش؟!ہہ كلمة أخيرةأيها السادة الموريتانيون.. بلدكم متخلف علي كل صعيد.. ويحتاج منكم لا إلي مليون قصيدة ولا إلي الرضا بحالها إلي حد الفخر به ولا إلي الغضب ممن ينقد/ينتقد مصيبته.. بل يحتاج إلي الفعل الساحر الذي ثبت سحره عند كل الأمم.. (فعل التمرد)، وبالمناسبة بقي.. كذلك بلدي! ہ كاتبة من مصر[email protected]