أمثولة غاتسبي
خيري منصورأمثولة غاتسبيعندما ترجم الراحل نجيب المانع رواية غاتسبي العظيم لأول مرة حفظ عدد من الأدباء العرب ومنهم عراقيون صفحات منها عن ظهر قلب، وحين سألته ذات ظهيرة بغدادية عن سر هذا الافتتان بالرواية أجاب بأن هناك سرا لا يتعلق بالحدث أو بأسلوب الترجمة، انه دغدغة عواطف الأدباء الفقراء الذين يشاركون سكوت فيتزغرالد أحلامه بالثراء وبالعالم الذي صوره علي نحو مثير في رواية غاتسبي، وهذه مناسبة لاستذكار الصديق نجيب الذي لم يكن مانعا علي الاطلاق بل كان مانحا بامتياز فقد تدربت في منزله في حي القضاة في بغداد علي الإصغاء لأوبرا فاغنر إلتي كان شغوفا بسماعها وكان سيغفريد بالنسبة إليه كيانا نورانيا، أما آلة التسجيل التي اشتراها علي حساب حاجات أساسية فهي كما قال لي تتيح له أن يسمع الدقات الثلاث، لحظة الغسق الفاغنري وحين غروب الآلهة.بعد ذلك بعقدين من الزمن شاهدت فيلم غاتسبي العظيم الذي ضاعف من قناعتي بسر انجذاب بعض الأدباء العرب الأشد فقرا بالرواية.بيت عال يعج بالثريات وحدائق تتدلي منها عناقيد الكرستال، وتلمع تحتها أسنان شديدة البياض لنساء ذوات حفيف حريري وروائح تضمخ الهواء بعبق آسر، وحقيقة الأمر ان اهتمامي بسكوت فيتزغرالد كان مبكرا وقبل أن أقرأ له كلمة واحدة من غاتسبي العظيم أو ذلك الجان من الفردوس، كان كولن ويلسون مفتاحنا الذهبي الذي نديره في كل الأقفال ومنها ما يصر ومنها ما يبقي موصدا.قدم ويلسون فيتزغرالد كظل وصدي لهمنغواي لكنه ألح علي جانب واحد، هو شغف فيتزغرالد بالمال وعالم الأثرياء وبريق النجوم لهذا ما إن حصل علي مبلغ من المال بعد انتشار روايته غاتسبي حتي أصيب هو وصديقته زيلدا بفقدان الرشد وهرعا معا الي الشوارع يستوقفان المارة ويرقصان علي الأرصفة وأحيانا أمام شارات المرور.لقد أهدي فيتزغرالد روايته الأولي الي زيلدا وفي الرواية الثانية الأقل نجاحا كتب إهداء بسيطا هو الي زيلدا مرة أخري.وكانت تلك الوقائع المتناثرة عن حياة هذا الكاتب قد أسالت لعاب جيل علي قراءة أعماله، فقرأها بالانكليزية من كان يعرف هذه اللغة وانتظر ترجمتها الي العربية آخرون!اعترف درءا لأي التباس ذي صلة بهذا العنوان بأن هدفي ليس تقديم قراءة نقدية لمشروع فيتزغرالد الروائي، وما أهدف اليه بالتحديد هو الصدمة التي تشل وعي الكاتب إذا اعتقد بأنه حقق أحلامه، خصوصا إذا كان من هذا العالم العربي الذي يعاني أكثرية كتابه من البؤس وقد يدفعهم فائض الشقاء الي ابتكار فراديس من طراز فردوس فيتزغرالد، لأنهم عندما يحصلون علي بطاقات انتساب الي النادي الذي حلموا به طويلا، ويرون عن كثب كيف يعيش الأثرياء والزيف الذي يدفع علاقاتهم وسطحية تفكيرهم التي برع سارتر في وصفها في رواية الغثيان عندما تحدث عن بورجوازيي مدينة بوفيل يصابون حتما بالصدمة غير المنتظرة علي الاطلاق والتي قد تسبب فقدان الصواب واختلال التوازن!واليوتوبيا التي ينسجها المحرومون عن عالم الرفاهية والموسرين، سرعان ما تنقلب الي ديستوبيا أي مدينة راذلة لأنهم كما يقول مثل عربي شعبي يدركون أن الباشا رجل مثلهم وليس باشا كالذي نسجه خيالهم، ولو كانوا أصغر سنا لكانت قصة أندرسون الشهيرة عن ضبط الامبراطور متلبسا بعريه تليق بهم!والسؤال الذي لا بد ان يقاطعنا في هذه التداعيات هو ما الذي تخيله وحلم به سكوت فيتزغرالد قبل أن يظفر بالمال والشهرة؟بالتأكيد كان يري في هذا العالم المحتجب خلف الأفق كل ما ينقصه، وقد يكون اضاف الخلود الي تلك الكائنات الفــــانية لأنها تمـــــلك، وترفل في نعيــــم يجهله، ومن الناحية السايكـــــولوجية علي الأقل فإن الشهرة لها أعراض جانبية تساوي الداء ذاته، بشروطها الصعبة وحاجة من يظفر بها أو بقدر منها الي إدامة امتلاكها.والكتاب الصادر قبل عامين في الولايات المتحدة عن اقتصاديات الشهرة يفتح بابا كان موصدا في هذه القلعة الوهمية، ان كل انسان مفطور منذ الولادة علي السعي الدؤوب نحو تحقيق الذات، فإن ولد من أسرة شهيرة وذات مال ونفوذ كفاه الله شر القتال، وتوهم بأن ذاته متحققة منذ الولادة.نذكر علي سبيل المثال عندما كنا تلاميذ في الابتدائية كيف كان المعلم يتيح لأحدنا تحقيق الذات في مستوي أولي عندما يناديه باسمه.وما كان هواجس بدائية وفجة ونحن صغار تجلي في صور أخري عندما كبرنا، ولا أظن أن هناك شاعرا أو كاتبا لم يتلذذ برؤية اسمه مطبوعا في جريدة علي الأقل في صباه وقبل أن يكتشف الحقيقة ويضبط أباطرة النشر عراة!هناك اعتراف آخر لا بأس أن اجهر به في هذا السياق ولعله ساهم في تحريضي علي إعادة قراءة فيتزغرالد ومشاهدة غاتسبي فالفيديو.كنت خارجا للتو من احدي دور السينما في القاهرة بعد مشاهدة فيلم يعقوبيان الذي مثل فيه عادل إمام دور زكي دسوقي أو الباشا الذي تحول الي أطلال.وسمعت من أحد الأصدقاء تعليقا مثيرا حول دور عادل إمام، قال انه لا يتقن دور الارستقراطي لأن طريقة حمله للسيجار وتدخينه ليست أصيلة، وبالطبع لم يكن هذا الصديق ابن باشا أو مدخن سيجار علي طريقة تشرتشل أو حتي فؤاد سراج الدين، لكن الصورة التي رسمها في مخيلته للارستقراطي تقترب من صورته لدي فيتزغرالد، فهي قد تكون ذات جذر واقعي، لكن الريش الذي ينبت عليها اضعاف ريش الطاووس!وقد تكون وقائع صغري كهذه عابرة بمقياس آخر غير تأملي، وغير خاضع للمعاينة المجهرية التي تحيل الي ظواهر، لكنها الواحد بالألف الذي تتجاوز قيمته الألف كما قال لوركا عندما يتعلق الأمر بالاستقراء المعمق والاستبطان وبالتالي البحث عن الدلالات.وقد تكون هذه مناسبة لتذكير القارئ بالحكايات شبه الاسطورية التي ينسجها الفقراء عن الأغنياء خصوصا عندما يكون هؤلاء الفقراء من الكتاب الذين يعتقدون بأن الحظ أخطأهم أو أنهم بانتظار جيل قادم ينفض عنهم غبار الزمن ولا مبالاة معاصريهم ان ابتكار صور ومشاهد غاتسبية كتلك التي تلألأت في حدائق القصر الباذخ أمر يتولاه اثنان.أحدهما حالم بالثراء دون أن يملك مقومات الحصول عليه عمليا، والثاني يتقمص حالات يحلم بها، ثم يصدق نفسه، لكنه حين لا يجد من يشاركه اعتقاده الخاطئ ينتهي الي مصح نفسي!والكاتب ليس بالضرورة أحد هذين النموذجين، لكنه أحيانا وفي حالات خاصة يكونهما معا، بسبب إساءة التقدير والالتباس الناشئ عن الخلط بين الجاه الاجتماعي والابداع وهناك تفسير يتداخل فيه الاجتماعي والنفسي لهذه الظاهرة القابلة للتحول الي أمثولة، فهناك تيارات ثقافية أساءت فهم الفلسفات المنادية بالعدل والمساواة وظنت أن المقصود بذلك هو تعميم الفقر ومنهجه الشقاء وتحويلهما الي مطلب يومي، وبدلا من أن ينصرف الذهن الي أسئلة أخري، يتورط في ارتكاسات نفسية، فلو كان الكاتب العربي يجد في نطاقه الثقافي والقومي خمسين ألف قارئ لكان الحال غير الحال، لكن الربع مليار عربي لا يقرأون إلا لماما، وأشهر كتابهم يوزع خمسة آلاف نسخة ان الانزلاق نحو أمثولة غاتسبي سببه الحول، ان لم يكن العمي عن المشهد الواقعي، والكتابة بالنسبة لمن راهنوا عليها خيارا وجوديا وتحقيقا جوهريا للذات لا تستهدف الانتساب الي النوادي علي اختلاف اشكالها، بدءا من نوادي النقابات والاتحادات التي تحذف الفارق بين كاتب الأدب وكاتب المحكمة حتي نادي الأثرياء الذي حلم به غاتسبي وتحطم تحت ثرياته اللامعة، التي لم تستطع ان تهزم الليل في داخله.ان التعويل المبالـــغ به علي أي هدف في مهنة الكتابة نهايته المحتمة هي الأمثولة الغاسبية أو أحد مرادفاتها.0