بعض الأسئلة العربية حول: التباسات الأدوار الإيرانية بين العراق ولبنان

حجم الخط
0

بعض الأسئلة العربية حول: التباسات الأدوار الإيرانية بين العراق ولبنان

مطاع صفديبعض الأسئلة العربية حول: التباسات الأدوار الإيرانية بين العراق ولبنانبقدر ما يمكن القول إن المقاومة في لبنان استطاعت أن توظف الدعم الإيراني لها وفق أفضل الشروط الممكنة لاستثماره في صالح أدائه العسكري الذي هزم مخطط الاجتياح الصهيو-أمريكي، بدءاً من التمويل الي التنظيم والتسليح والتغطية السياسية، إلا أن الاحتلال الأمريكي للعراق، قد استثمر التدخل الإيراني ونفوذه الشعبي المذهبي، لهدف تدمير الدولة، وتفكيك مكونات مجتمعها، والشروع المتمادي في التقسيم البنيوي، وجعله كما لو كان هو الحل المحتوم لمستنقع التذابح المذهبي، رغم كون هذا الحل هو بمثابة الكارثة العظمي علي القطرين معاً العراق وإيران، وسوف يزعزع ولا شك من خارطة العالمين العربي والاسلامي، من عمق المشرق إلي أقصي المغرب.إنه ذلك التقسيم الذي لن يولد دويلات مستقرة داخلياً، أو متصالحة فيما بينها، بقدر ما سوف ينقل كل أسباب الصراعات والحروب من يد الخارج الأجنبي، مريحاً إياه من افتعالها بمؤامراته أو جيوشه، ليسلمها الي شبكية الكيانات الصغيرة والهشة، التي ستتوالد كالفطر في أصقاع هذه الجغرافية المنكوبة. ستغدو فتن التذابح المتبادل هي القانون الأعلي المتحكم في بقية العلاقات الدولية المشوهة بين هذه الكيانات.ما كان عائداً إلي تاريخ الحروب الاستعمارية عبر مراحلها القديمة والمستحدثة، سيصير إلي مسلسلات من المجازر الإقليمية الناجمة عن أسبابها الذاتية، حتي بدون التدخلات المعتادة من قوي الغرب، وآخرها أمريكا وإسرائيل. حتي انه يمكن أن يتصور المرء أن جلاء الاحتلال الأمريكي عن العراق، سيكون مرتهناً بفرض حقائق التفتيت المستحدث علي أرض الواقع، والاطمئنان إلي أن مستقبل العراق سيكون أسوأ بعد الاحتلال بألف مرة مما كان في أيامه، ولن يكون ـ هذا المستقبل ـ مقتصراً عليه وحده. سيشمل أوسع محيط حوله. ذلك أن قصور (النهضة) المغدورة بيد أبنائها أولاً، مبنية من القش أو منتهية إليه، فهي إذن بانتظار الشرارة التي ستأكلها عن بكرة أبيها.النقاش مستمر في دوائر السياسة والفكر حول الالتباسات الإيرانية. فإذا ما تراجعت نسبياً تلك الحوارات الشاقة حول التعارض الأيديولوجي ما بين الطبيعة الفوقية والمحافظة التقليدية للدين، وما يُفهم من (تقدمية) الثورة ومحاربة الاستعمار عادة، إلا أن الممارسة السياسية للنظام الإيراني ما بين العراق ولبنان، في وجهيها المتنافرين، كما تبدو معالمها للمواطن العربي العادي، تجعله لا يدري كيف يوفق بين تحبيذه لواقع الدعم الإيراني للمقاومة اللبنانية، الذي ساهم في صمودها ضد العدوان الأخير، والمزدوج لكل من واشنطن وتل أبيب، و بين استنكاره في الوقت عينه لهذا النوع المستهجن من إصرار بعض القادة المذهبيين الموالين علناً لإيران، في النجف وبغداد، علي شرعنة الفدرالية في دستور الحكم الحالي للعراق، والدفع اليومي نحو انفصالية ثلثي العراق، وتجسيدها علي الأرض، وفرضها علي الأكثرية الصامتة، المعارضة من دون أدني شك لشرذمة البلد، بما في هذه الأكثرية من مختلف الطوائف والمذاهب. خاصة وأن هذا التمزيق العضوي غير المسبوق حتي في أظلم حقب التاريخ العربي والاسلامي، إنما يتناول الأكثرية العربية نفسها المؤسسة للكيان العراقي والحارسة له منذ مئات السنين.بالمقابل، وعلي الصعيد الأشمل، لا يمكن لعاقل أن يرفض هذا التحالف الموضوعي لكلا الممانعتين العربية والإيرانية ضد الهجمة الأمريكية الاسرائيلية علي كامل المنطقة. بل ثمة طموح حقيقي لدي الرأي العام العربي لترجمة ذلك التحالف إلي انفتاح ذاتي واع وإرادي، بين العرب وقارتهم الاسلامية من حولهم، وبدءاً من أقرب الأقطار إليهم، إيران وتركيا. فإنه فضلاً عن التاريخ المديد الذي جمع بين هذه الشعوب في ظل الحضارة المشتركة بين مكوناتها العرقية المختلفة، والاسم العربي الاسلامي الذي شملها جميعاً بين العالمين، فضلاً عن ذلك كله تتضافر عوامل جيوسياسية علي جانب عظيم من الأهمية في هذه الحقبة الراهنة والمفروضة بفعل منطق (صراع الحضارات) الذي تمارسه الأمركة الصهيونية، بأشرس وسائل الإبادة المادية الموجهة ضد مجرد وجود الشعوب نفسها، أو لثقافاتها، أو لأبسط معاني استقلالاتها الوطنية.فما ينتظره المثقفون العرب من هذه السجالات هو تغليب ثقافة الممانعة الوطنية المنفتحة علي بعضها بين مختلف أقطار المشرق، علي نشر وباء التفرقة العنصرية تحت غطاء كثيف من إيديولوجيا لا تكاد تخفي انبعاثاً لعقد الشعوبية التاريخية التي فتكت ببنية الوحدة السياسية والثقافية للحضارة الاسلامية وهي في أوج تألقها وازدهارها إبان العصر العباسي. فلا شيء اليوم أخطر من سيادة المنطق المذهبي ودعمه بتفتيت (مشرعن) لكيان واحدة من أكبر دول الحاضر العربي وماضيه، وأهمها تأثراً وتأثيراً بتحولات المصير العام لكل دول المنطقة.إن مَذْهَبة الصراع السياسي، واختلاف محاور التحشيد النفسي والإعلامي علي أساس ذلك الافتراض البغيض، كما لو كان التمذهب أمسي واقعاً شعبياً، وأنه بالتالي لا مفر من إعادة تشكيل خارطة العراق، وبعده كل المنطقة من حوله بحسب مقتضياته، هذه المَذْهَبة ولا شك هي ذروة الحكم الأمريكي الصهيوني، في تجذير التفتيت وجعله كما لو كان فعالية ذاتية لواقع الحراك الاجتماعي وليس مجرد مخطط خبيث لقوي خارجية قاهرة. وهنا مركز الخطورة الكبري في هذا الالتباس بين نهج التحريض المذهبي الفئوي، وبين ضرورات التوحيد المجتمعي وتحشيد قواه علي اختلافها وراء أهداف استعادة الاستقلال، بتعزيز اللحمة الطبيعية بين المواطنين جميعاً. وبالأمس فقط كان لافتاً في خطاب خامنئي مرشد الثورة الإيرانية أنه كان موجهاً، وباللغة العربية، إلي الملأ العربي والاسلامي الأوسع، من منطق التنديد بمخطط الفتن المذهبية والقومية التي يقودها الثنائي الأمريكي ـ الإسرائيلي وحلفاؤه الإقليميون. لكنه كان لافتاً كذلك أنه في الوقت الذي عبر الخطاب بوضوح جلي عن رفضه لتجزئة العراق، فإنه لم يشر من قريب أو بعيد إلي كون مخطط الفدرالية قد شرعن تطبيقه المجلسُ النيابي بأصوات أحزاب الائتلاف الشيعي ما عدا بعضها، المحسوبة بقياداتها وتوجهاتها وممارساتها منذ وقوع الغزو الأمريكي، علي الجانب الإيراني، فالتقسيم أمسي قيد التنفيذ المشرعن، وأصحابه الرئيسيون هم رجال إيران أنفسهم في العراق المنكوب.هل هذا يعني أن هناك أجنحة متعارضة في قمة الحكم والمؤسسة المذهبية. وإذا لم يكن الأمر كذلك فهل تبرئ سلطةُ المرشد الأعلي دولتها إيران من مسؤولية هذه النكبة التي يُدفع إليها العراق دفعاً، و(بفضل) هذه القوي نفسها الممثلة للنفوذ الإيراني. فإذا ما تحقق هذا الحلم الأمريكي الصهيوني، وتم الإعلان (الدستوري)، عن انفصالية المساحة العربية الشيعية عن بقية الجسد العراقي، كيف يمكن لإيران التنصل من مسؤولية هذه النكبة الثانية، بعد نكبة زرع إسرائيل، وربما ستكون هي الأخطر، إذ سوف يتفكك كيان المشرق بكامله. ولن تنجو حتي إيران، وتركيا كذلك، من هذا المصير الأسود: إسرائيل سجلت ضياع فلسطين مرة. وتمزيق العراق سوف يسجل ضياع المشرق بكامله. فهل هذا حقاً هو ما تريده إيران. أم أنها ستحاول أن تعيد قراءة رموز المنطقة علي ضوء معاني الإنجاز اللبناني، الذي فهمه واستوعبه الشارع العربي والاسلامي من أقصاه إلي أقصاه. فتدرك بكل بساطة أن هذا الشارع إنما (تشيّع) لقيم التحرر والصمود التي حققها (حزب الله) في دفاعه البطولي عن لبنان وأمته، ولم يتشيع لأية مذهبية أو فئوية، أو أية (شعوبية) مستحدثة. فإذا كانت إيران تتطلع فعلاً إلي عالم عربي متضامن معها، وخاصة في صراعها الراهن ضد الهجمة الأمريكية عليها بحجة السلاح النووي، فإن عليها أن تقدم البرهان الذي تقدر عليه وحدها، فتعمل علي إنقاذ وحدة العراق، بلجم حلفائها الانفصاليين والتوقف عن هذا الانسياق الهمجي في تنفيذ التقسيم، الذي هو صلب المشروع الأمريكي وأعلي ثمرات غزوه . فالجبهة العراقية لا تقل حساسية وتأثيراً مصيرياً علي الجميع، عن جبهة الصراع في لبنان وعليه. لن ينجو لبنان، ولا سورية معه أو بعده، من خطر التمزيق العضوي الذي كافحه طيلة خمسة عشر عاماً من كل أشكال الحروب الأهلية، إذا ما وقع يوماً ما تمزيق العراق.إيران تملك المبادرة الإسترايتجية، والمحكّ يبدأ من تصحيح دورها المركزي في العراق. إنه المفصل الوحيد نحو ترسيخ أسس المصالحة الأهلية مع محيطها العربي وبما يؤسس لأفضل مناعة بنيوية ذاتية ضد أية اختراقات يعدّها المشروع الشرق الأوسطي؛ إنها المصالحة الأهلية التي ستبطل أية ركيزة موضوعية لقيام سياسة المحاور الدولية، المعوّل عليها أمريكياً إسرائيلياً كمقدمة لكل الفتن الفئوية القادمة.ذلك هو أحد أعمق الدروس المستفادة عربياً إسلامياً من الإنجاز اللبناني المقاوم. ولعل المرشد خامنئي يخط طريق الرشاد الحقيقي لدولته انطلاقاً من بدهيات هذا الإنجاز الاستراتيجي الفريد، ومن دوره الحاسم علي مجريات الحدث العراقي والعربي عامة.9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية