يمثل الاستبداد حافز سكون وركود في حياة المجتمعات الانسانية، وعائقاً أمام أي نشاط أو ابداع فرديا كان أو جماعيا، لأنه يعمل علي حجر العقول وسد مسامات التفكير المنفتح ليظل محنطاً كأصحاب الكهف والرقيم ويتشكل حسب أوعية تفكير النظام السياسي السائد.
فالاستبداد بجميع أشكالة وباءٌ قاتل يستل نور الحياة ويقتل كل بهجة ويقيد كل وثبة ارادية للنهوض والرقي بالأمم، ولذلك فاننا في الوطن العربي لم نحقق أي تقدم أو نهوض علي الرغم من تغير الأوضاع وتحقق بعض الاصلاحات في عدد من المجالات، لكن الاصلاح والتجديد والتغيير المطلوب والمنشود لا يزال حلما بعيد المنال بدليل أن موضوع الاصلاح والتجديد لا يزال محل بحث ونقاش وتقام لأجل معالجته العديد من الندوات والمؤتمرات. ويظل السؤال عالقاً في أذهان الباحثين والدارسين، لماذا فشلت هذه المشاريع التجديدية في النهوض بالأمة من كبوتها هذه التي طال أمدها، وقد اختلفت وجهات نظرهم عن الأسباب والعوائق فمنهم من عزا ذلك الي رسوخ قيم التقليد والانغلاق والجمود الفكري ومنهم من من حمّل الاستبداد السياسي المسؤولية ومنهم من ذهب الي ترجيح العوامل الخارجية كالاستعمار بكافة أشكاله، وهكذا نحن العرب والمسلمون نُلقي بخيبات فشلنا علي الآخرين كنوع من التبرير في مواجهة الذات التي تعتبر مكمن الخلل، وبيت القصيد في عملية النهوض.
الاّ أن الأغلبية الساحقة من الباحثين والدارسين والمفكرين في الوطن العربي يعتبرون الاستبداد السياسي روماتيز التغيير والاصلاح لأنه يستشري في كافة مفاصل الحياة العامة ويستفحل فيها ويحد من فاعلية الأفراد والمجتمعات، فغياب الحرية بمفهومها العام هو الذي أدي الي فشل هذه المشاريع اذ لا يمكن فصل الحرية عن الارادة والتفكير والابداع والتجديد والتعدد والاختلاف، لأن هذه المفردات هي المقومات الأساسية لمفهوم وجوهر الحرية وبالتالي النهوض والتقدم لذلك عندما تتعرض حرية الأفراد والشعوب للكبت والمضايقة فانها تؤدي الي أزمة حقيقية في تجلي هذه المفردات ومفاهيمها علي الواقع فيحل الظلام والجهل والاستبداد والتخلف.
واذا نظرنا الي المجتمعات التي تحتل مكانة متقدمة ومتفوقة، نلاحظ أنها تتفوق تماماً في المحافظة علي الحريات والاحترام الكامل لحقوق مواطنيها وتغيب فيها الوصاية الفكرية والسياسية والأيديولوجية والثقافية.
ان غياب الديمقراطية بمفهومها الصحيح والمستقر والمنظم أدي الي ضعف المشاركة الجماهيرية وسوء الحاكمية وبطء عمليات الاصلاح بل والالتفاف علي الاصلاح والتهرب من استحقاقاته تحت دعاويٍ فارغة تكرس الاستبداد وتشيع (أفيون) التسليم والتصديق ومسكنات الاذعان والاستسلام فيتوقف العقل عن التفكير وتنعدم انتاجية المجتمع وحيويته.
رداد السلاميصحافي يمني6