التكافل الفلسطيني يشل الحصار
بروفيسور عبد الستار قاسمالتكافل الفلسطيني يشل الحصارماذا يمكن أن يحصل علي الساحة الفلسطينية فيما إذا تشكلت حكومة فلسطينية وفق الشروط الأمريكية، وسمي الفلسطينيون هذه الحكومة حكومة وحدة وطنية؟ هناك من يظن أن الأمر سينتهي عند فتح حنفية المال الغربي علي الشعب الفلسطيني ويعود الشعب إلي سابق عهده من الاعتياش علي ما يقدمه الغير. لا حنفية بلا مقابل، ولا يوجد إحسان علي الساحة الدولية بدون شروط مفروضة، وخاب في النهاية من وضع لقمة خبزه بيد عدوه، أو بيد غيره. لم يفتح الغرب الحنفية إلا بعد أن قبلت منظمة التحرير الفلسطينية الشروط الغربية، ولضمان حسن سلوك الفلسطينيين، ربط الغرب الضفة والقطاع بالنظام المالي العالمي، وسيطر علي تدفق الأموال العربية إلي فلسطين.إذا كان للشعب الفلسطيني أن يقبل الآن الشروط الأمريكية مقابل فك الحصار المالي، فإنه يكون بذلك قد دخل منطقة المحرمات التي تتم فيها مقايضة الإرادة السياسية بالمال. حكومة قائمة علي تلبيات المتطلبات الأجنبية تعني ربط إرادة الناخب الفلسطيني مستقبلا بإرادة الممول، وأن أي انتخابات فلسطينية قادمة لن يكون لها أي معني ديمقراطي؛ وهي تعني أيضا أن الغير سيتعامل مع الشعب علي أنه قابل للانهيار أو الركوع أمام الضغط المالي. هذا سيكون تطورا خطيرا من حيث أن الشعب الفلسطيني لم يركع أمام الضغط العسكري والأمني لكنه فعل ذلك أمام الضغط المالي مما سيؤثر بالمزيد علي تناغم النسيجين الاجتماعي والأخلاقي للشعب.إذن ما الحل؟ أنوه أولا إلي أن المستوي المعيشي-الاستهلاكي للشعب الفلسطيني لا يتناسب مع ظروف الاحتلال. من المتوقع، في ظل الاحتلال، أن يكون التقشف وتوظيف الأموال بهدف التحرير عنوانين أساسيين في ترتيب السلوك الاستهلاكي، وأن تكون فكرة الاعتماد علي الذات ومن ثم علي الأصدقاء أساس البناء الاقتصادي. ومن المتوقع أيضا أن تنمو تحت الاحتلال ثقافة التكافل والتضامن بخاصة إذا كان المجتمع مسلما.وعليه أري أنه من المهم اتخاذ الخطوات التالية إذا كان للفلسطينيين أن يحرصوا علي إرادتهم السياسية:أولا: لا بد من إعادة تأهيل السلوك الاستهلاكي في فلسطين، وأن يكون هناك تقدير للطعام الناتج عن عرق الجبين. هناك من كان معنيا بتحويل الشعب إلي متسولين معتمدين علي الغير، وأعتقد أنه كان ينتظر اليوم الذي تؤتي فيها هذه السياسة أكلها فيتخلي الناس عن إرادتهم. الشعب الفلسطيني الآن يستهلك أكثر مما ينتج، وتم تعطيل الكثير من ورشه ومزارعه ومعامله، وأخذ حجم الاستيراد يتغذي علي حجم الإنتاج. هذه مسألة تربوية تحتاج إلي وقت طويل، ولا تشكل إسعافا أوليا.ثانيا: كإسعاف أولي، لا بد أن ينتهج الشعب منهجا تكافليا فيحمل الفلسطيني الفلسطيني في صبر ومثابرة ودأب وإصرار. في هذا السبيل، يتخلي كل فلسطيني يقبض راتبا الآن عن 20% من راتبه لصالح الميزانية العامة. هناك فلسطينيون يتقاضون راتبا مثل أساتذة الجامعات وموظفي المصارف والمؤسسات الخاصة والمنظمات غير الحكومية. ويقبل كل موظف حكومي الآن بـ 80% من الراتب.ثالثا: هناك أموال تجمعها وزارة المالية من الضرائب والرسوم المختلفة تصل شهريا إلي حوالي 35 مليون دولار، وهناك أموال يدفعها الاتحاد الأوروبي لوزارة الصحة. فإذا تجمعت هذه الأموال مع ما يتم جنيه من البند الثاني، فإنه بالإمكان دفع عجلة الحياة اليومية إلي الأمام.رابعا: أمام الحكومة الفلسطينية أن تنشط الإنتاج الفلسطيني علي حساب الاستيراد وذلك من خلال استهلاك السلعة المحلية، ومن المتوقع أن يقبل الفلسطيني وهو في ظل الاحتلال بسلعة أقل جودة. هناك معامل ومزارع تعطلت في عهد السلطة، ومن الممكن أن تستوعب آلاف العاطلين عن العمل إذا قرر الشعب شراء السلعة الفلسطينية علي حساب السلعة الإسرائيلية أو الأجنبية. بهذا ترتفع قيمة الضرائب التي تجنيها الحكومة.خامسا: تقوم الحكومة بجمع السيارات الرسمية والتي يبلغ عددها 8500، وتبيعها في المزاد العلني لأن الشعب الذي يبحث عن الحرية يقبل بالسير علي الأقدام. الوزير والمدير ليسا وجيهين في ظل الاحتلال، وإنما قدوة للناس في التضحية والفداء. وتقوم الحكومة بالتخلي عن المباني المستأجرة حاليا لتستأجر مباني متواضعة تكلف القليل من المال. تلك المكاتب الفخمة والفاخرة والشقق السكنية الحكومية المرفهة تكلف الشعب الفلسطيني المال الكثير، وتكلفه كرامته وهو يتسول.من السهل جدا أن يقف متفذلك ليقول إن هذه النقاط مثالية ولا يمكن تطبيقها. لا، هذه نقاط عملية، وإذا نفذ الشعب الفلسطيني جزءا منها فإنه يكون قد سطر ملحمة بطولية في مواجهة الحصار الدولي، وسيجبر هذا المجتمع علي التراجع. أليس قادة فلسطين هم الذين طالما قالوا بأنهم يموتون ولا يركعون؟ وألم يقولوا للشعب نموت واقفين ولن نركع ؟ وألسنا نحن العرب الذين دائما نقول بأن الرسول صلي الله عليه وسلم فضل أكل العشب في الشعب علي التخلي عما كان يدعو إليه؟ هل نتذكر الله والرسول فقط في متسع الوقت، ونهرب عند الامتحان؟من الملاحظ أن الذين يدعون الشعب الفلسطيني إلي قبول الشروط الغربية والاعتراف بإسرائيل لا يعرفون معني الجوع والعطش. هم يتلقون الأموال والمساعدات، ويكفي ما يكرره الرئيس الأمريكي ووزيرة خارجيته من أن أمريكا ستستمر في دعم فلسطينيين. ويبدو أن الدعوة إلي التخلي عن الإرادة السياسية والاعتراف بإسرائيل هي ثمن الحرص علي المصالح الشخصية.ہ كاتب من فلسطين8