مواطنات يمنيات في الحملة الانتخابية.. نساء بلا وجوه يرفعن الصوت
سهام بن سدرينمواطنات يمنيات في الحملة الانتخابية.. نساء بلا وجوه يرفعن الصوت يوم 27 ايلول/ سبتمبر 2006 أعلن عن نتائج الانتخابات اليمنية وكانت نتائج كارثية بالنسبة إلي النساء لـ1587 مقعدا في البلديات ترشحت 130 سيدة فازت منهن 27 ولم تلق المترشحات الدعم لا من الحزب الحاكم ولا من أحزاب المعارضة. أزهار ورشيدة وأخريات خضن المعركة بشراسة من أجل الظفر بمكان في الحياة العامة في هذا المجتمع الذي لا يدخر جهدا لإقصائهنّ… إنّهنّ ذكري من حيوية كانت في مجتمع لم يقم في الماضي علي الرجال وحدهم.أزهار عمرها 25 سنة وهي اسم علي مسمّي: قامة أنيقة ممشوقة تتبدي خلف عباءة ونقاب أسودين يكسوانها من قمة رأسها إلي أخمص قدميها. لقد عسر عليّ لأوّل وهلة أن أتبين ملامحها لأنّ هذه الكتل السوداء القاتمة ذات الملامح الإنسانية المتزاحمة أمام مكاتب الاقتراع المخصصة للنساء في الدائرة 15 للمنطقة (د) من مدينة صنعاء.بالأمس كانت قد اقتربت مني في المركز الإعلامي للّجنة الانتخابية العليا وألحّت عليّ حتي أزور الدائرة التي ترشحَت فيها: إنّهم يتكلمون عن مشاركة المرأة وفي الواقع لا يدّخرون جهدا لصدّ النساء… تعالَي وعايني المضايقات الجمّة التي نتعرض إليها .نظرتان حادتان تلمعان خلف نظارات تظهرها بمظهر المثقّفة وصوت فتيّ وواضح.. ذلك هو كلّ ما يمكن تبيّنه من هذه الشابة التي تشعّ منها طاقة وعزم. أشعر بشيء من الغبن! لماذا هذا الذوبان في المجهول لماذا أحرم من رؤية وجه هذه المرأة ولا يتاح لي النفاذ إلي شخصيتها؟علي الجدران الخشنة لبناية بصدد الإنجاز تستضيف مكتب الاقتراع، علّقت صور بالألوان للرجال المتنافسين في هذه الانتخابات البلدية المتزامنة مع الانتخابات الرئاسية ولا أثر لصورة واحدة للمرأة المترشحة.تجيب أزهار علي سؤالي: كيف السبيل لتبيّن وجه ما خلف النقاب، نحن من لا وجوه لهنّ . علي الناشط الحقوقي يتجرأ أكثر ويضع النقاط علي الحروف: إنّ من يتجاسرن علي كشف وجوههنّ وجدن تعاليق تضاف علي صورهنّ من نوع عاهر وما شاكل ذلك من العبارات غير الودودة وهذا ما يتسبّب لهؤلاء السيدات بمصاعب كبيرة داخل أسرهن التي تنتقد انخراطهنّ في الشأن العام . أزهار عضو في الحزب الحاكم (المؤتمر الشعبي العام) منذ 9 سنوات وقد رفض حزبها ترشيحها فاضطرّت إلي الترشح بصفة مستقلة وهي المرأة الأولي والوحيدة المرشحة للانتخابات في هذه الدائرة.لجنة المساندة النسائية التي تمكنت أزهار من تشكيلها وقع التحرش بها والاعتداء جسديا علي أفرادها من طرف عصابة منحرفين أمّا الاجتماع الانتخابي الذي حاولت تنظيمه قبل يومين من موعد الاقتراع فقد تحوّل إلي حلبة صراع عنيف علي أيدي هذه العصابات التي روّعت الحضور وهشّمت كلّ ما هو قابل للتهشيم.خفّضت أزهار صوتها وأشارت إليّ بما معناه أنّنا محاطتان بالآذان المتنصتة علينا.هناك وكما هو معهود في جميع الأنظمة البوليسية الوفيّة لطبيعتها، قوّات الأمن حاضرة في كل مكان وقد خاطبني رجال بلهجة مليئة بالعنجهية: لماذا لا تستجوبين إلاّ هذه المترشحة؟ أقدم إليك المرشح الرسمي لحزب المؤتمر ويمكنك استجوابه ينبغي أن نكون عادلين! العدل؟ إنّها فعلا الكلمة اللائقة بهذا الموقف.ليست أزهار المرأة الوحيدة في هذا الوضع بل في هذا الوضع سيدات كثيرات يجهدن من أجل الظفر بموقع في الحياة العامة ولا يجدن الدعم لا من الحزب الحاكم ولا من الأحزاب المعارضة.لقد كوّن هؤلاء السيدات حلفا لخوض هذه الانتخابات (الحلف الوطني من أجل مشاركة المرأة في الانتخابات)، قبل يومين من موعد الاقتراع أطلقت المرشحات صرخة فزع توجّهن بها إلي القوي السياسية لإعلامها بالانتهاكات الكثيرة التي لحقتهنّ وللمطالبة باحترام القانون.سبع سيدات علي الأقلّ وقع الاعتداء عليهنّ وترهيبهنّ من طرف قوّات الأمن وعصابات مسلّحة حاولت دفعهنّ إلي الانسحاب من السباق: في صنعاء فاطمة عبدو من الدائرة 219 ونبيلة العمري عن الدائرة الثانية ونسرين الحبشي عن الدائرة 18 وأفراح الصلالي عن الدائرة 13، أمّا الحاجة عائشة ثوّاب فقد زجّ بأحد أنصارها في السجن. وفي حمدان رفض الحزب الحاكم مساندة ترشّح رشيدة الحمداني برغم أنّها تشرف من وقت طويل علي حظوظ اللجنة النسائية الوطنية (رسمية) فاضطرت إلي الترشح بصفة مستقلة. هذه السيدة هي الوحيدة التي كشفت عن وجهها في صورة المعلقة الانتخابية واكتفت بغطاء الرأس التقليدي.وفي مقاطعة حمدان مسقط رأسها القريبة من الموقع الأثري دار حجار تحظي رشيدة ببعض القبول من طرف زملائها وقد علقت صورتها علي حيطان محلات بيع الغلال ولكن ليست علي نفس علوّ صور زملائها (ولكلّ درجته) فصورتها معلقة أسفل الصناديق المعدنية التي تحمل سلال الإجاص بينما علقت صور زملائها الرجال علي الجدران… أمّا صور علي عبد الله صالح فتتربع فوق قمم أشجار السرو العملاقة! في شهر آب (اغسطس) المنقضي قادت هذه السيدة مظاهرة نحو القصر الرئاسي للمطالبة بمشاركة نسائية أكبر في الانتخابات ولكن ذلك أعاق انتخابها فيما يبدو. لقد وعد الرئيس صالح بسحب مرشحي حزبه من الدوائر التي تترشح فيها نساء مستقلات وكان هذا وعد آخر من وعود لا مستقبل لها.في يوم الاثنين السابق ليوم الاقتراع جد حادث عكر صفو الندوة الصحافية التقليدية التي لا طعم لها والتي انعقدت في مقر اللجنة الانتخابية العليا.في ذلك المحفل الذي يغلب عليه عنصر الرجال رفعت السيدة رشيدة فردة حذائها اليمني كما يرفع السلاح واقتلعت بذلك فرصة لأخذ الكلمة… حاولوا إسكاتها بقطع المصدح فصرخت بصوتها الغاضب وهيمنت علي صوت جهاز وزارة الإعلام. بهذه الحركة الموروثة عن الجدّات أحيت السيدة رشيدة تقليدا قديما من تقاليد احتجاج المرأة اليمنية التي كانت ترفع حذاءها لتحدي من يحاول النيل من كرامتها.رشيدة القيلي صحافية وأديبة وهي الناطقة الرسمية باسم حركة المستقلين من أجل التغيير وقد فشلت في الحصول علي التزكية البرلمانية لترشحها للرئاسة فالقوم لا يغفرون لها محاولتها اللعب في ملاعب الرجال.وقد أفحمت هذه السيدة المسؤول الإعلامي في اللجنة الانتخابية العليا فردّ عليها بأنّ كلامها دليل علي ديمقراطيتهم ثم انبري يذكر بلقيس وشجرة الدرّ والملكة أروي وذلك في محاولة منه لمراوغة رشيدة التي كانت تتحداه وهو في أوج اجتهاده للظهور بمظهر البطل في مسرحية الدبمقراطية هذه. أسرّت إليّ هذه السيدة ونحن خارج القاعة التي طردتها منها لجنة النظام مفتولة العضلات: نحن كنساء معارضات نقدّم حججا سياسية وهم يردّون علينا بالهجوم علي شخوصنا والنيل من أعراضنا . سألتها لماذا لا تشكو إلي القضاء فكان الجواب لمّا نُعت مجتمعنا بأنّه بيت للدعارة ولما وقع تمريغ سمعة زميلة رحمة والهجيري في الوحل علي أعمدة صحيفة من صحف الحزب الحاكم ظننّا أنّ القضاء سينصفنا ولكن جميع الشكاوي وقع تجميدها في النيابة العامة. لم أعد أثق في مؤسساتنا القضائية وسأظلّ أستعمل حذائي لأدافع عن شرفي وأخذ حقي كما كان جداتنا يفعلن .إنّ ضعف تمثيل المرأة في المسار الانتخابي اليمني يعكس بصورة واضحة وجامحة إقصاء المرأة. لقد كان عدد المترشحات لـ 20.587 مقعدا لا يتعدّي 130 (أي 0,6 %) وعدد الناخبات كان 3,9 مليون بينما بلغ عدد الناخبين الرجال 9.29 مليون وذلك من أصل عدد السكان البالغ 20 مليونا حسب الأرقام الرسمية.وفي المحصلة فإنّ 27 امرأة وقع انتخابهن ومنهنّ 24 علي قائمات الحزب الحاكم.إنّ الأمّية التي يقع التلويح بها (65% نساء و40% رجال) لا تكفي لتبرير كل شيء ولكن يبدو أنّ أمّية المرأة وحدها هي التي يوجه إليها إصبع الاتهام.أين تجد هؤلاء السيدات القوّة الكافية لخوض المعارك السياسية في مثل هذه الظروف!؟يجب أن نعود إلي الماضي القريب لندرك أنّ الأمور لم تكن بهذا السوء.إنّ رياح المحافظة التي تهبّ علي اليمن من العربية السعودية تتخذ أحجاما غير مسبوقة. وبرغم أنّ الفصل بين الرجال والنساء متجذر في المجتمع اليمني فإنّ النساء اليمنيات غير قابلات بالوضع الجديد حتي ولو أعطين الانطباع أحيانا بأنّهنّ قابلات بقواعد اللعبة المفروضة. رئيسة تحرير مجلة كلمة تونس 8