تقرير: سلام أسمرا السوداني.. تقارب سوداني ـ اريتري لمواجهة أمريكا وحضور عربي بارز

حجم الخط
0

تقرير: سلام أسمرا السوداني.. تقارب سوداني ـ اريتري لمواجهة أمريكا وحضور عربي بارز

تقرير: سلام أسمرا السوداني.. تقارب سوداني ـ اريتري لمواجهة أمريكا وحضور عربي بارز الخرطوم ـ يو بي آي: لم يكن الحفل البسيط والأنيق في آن معا الذي شهدته حدائق القصر الرئاسي في أسمرا السبت الماضي مجرد مناسبة للاحتفال بالتوقيع علي اتفاقية السلام في شرق السودان فحسب، ولكنها كانت كذلك مناسبة قصد الرئيس الارتري أسياس أفورقي أن يبعث من خلالها رسالة مفادها أنه لاعب اقليمي مهم في المنطقة لا يمكن تجاوزه. ولئن عرفت ادارته باثارة المشاكل لجيرانها وتحديهم وحتي الدخول في حروب معهم في السنوات العشر الماضية فهي قادرة أيضا أن تكون رسول سلام وعامل استقرار ولكن بشروطها وليس بشروط الآخرين.لقد عانت اريتريا من عزلة دولية خانقة تعاظمت في الآونة الأخيرة علي خلفية نزاعها الدامي مع اثيوبيا علي الزعامة في منطقة القرن الافريقي، وكانت صدمتها كبيرة حين انحاز المجتمع الدولي وفي مقدمه الولايات المتحدة الي جانب اثيوبيا علي الرغم من أن نتيجة التحكيم الدولي في النزاع حول منطقة بادمي الحدودية جاء لصالحها. ولكن ذلك لم يكن كافيا لتمكينها من بسط سيادتها علي المنطقة موضع النزاع لأن أديس أبابا لم ترغب في ذلك مستندة الي أنها تتمتع بوزن اقليمي أكبر لن يغامر الأمريكيون بفقدانه، ولذلك عندما تعين علي واشنطن أن تختار بين عاصمتي الهضبة الحبشية لم يكن عسيرا معرفة أن الكفة ستميل لصالح اثيوبيا لعوامل تاريخية وسياسية وديمغرافية معلومة.ولقد حرم تراجع الدور الارتري في الأجندة الأمريكية أسمرا من الاستفادة من أهم الأوراق التي كانت تمسك بها في لعبة التوازنات الاقليمية، فعندما تهيأت الأجواء الدولية والمحلية لتسوية قضية جنوب السودان جرت عملية التسوية بعيدا عن أسمرا التي كانت أكثر جيران السودان جرأة في دعم الحركة الشعبية سياسيا وعسكريا علانية عبر تمكينها من توسيع قواعدها ومسارح عملياتها، ومساعدتها في نقل الحرب من صراع جغرافي محدود الي صراع وطني بعدما أصبح الشمال هدفا لعملياتها مستفيدة من العمق الذي وفرته لها أسمرا.وكانت اريتريا تطمع في أن يكون وجود الحركة الشعبية ورقتها الرابحة في ضمان أكبر قدر من المكاسب لها حين تتم عملية تسوية مسألة الجنوب ولكن ما حدث هو أنها خرجت خالية الوفاض تماما من تسوية نيفاشا، التي جرت بعيدا عن أي دور لها لأن واشنطن، راعية تلك المفاوضات، لم تكن حريصة علي أن تنال حليفتها السابقة أي مكسب.ولذلك لجأت اريتريا المحبطة بعد خسارتها لاستثمارها الكبير في الحركة الشعبية الذي كانت تعول عليه، الي تعويض ذلك بالانخراط في أزمة دارفور، ولتعيد بدرجة أكثر حذرا تجربتها مع الحركة الشعبية. فجنوب السودان بعيد جغرافيا عن اريتريا ولكن ذلك لم يمنعها من استخدام ورقة قضية الجنوب، وكذلك دارفور بعيدة عنها جغرافيا ولكن ذلك لم يمنعها أن تستفيد من أزمتها في اعادة التوازن لدورها في المنطقة ولتسوية ملفاتها العالقة مع الخرطوم. هذا فضلا عن أن أسمرا ممسكة أصلا بملف المعارضة المسلحة في الشرق، ذي الفاعلية والتأثير الأضعف، من دون أن يعني ذلك بالضرورة أنه أقل أهمية.ولقد وجد الرئيس أفورقي نفسه مضطرا الي مراجعة حساباته السياسية واعادة ترتيب أوراقه حيث كلف التوتر الذي طرأ علي علاقته مع الولايات المتحدة علي خلفية النزاع مع اثيوبيا بلاده شططا، فاريتريا المحدودة الموارد، والمتورطة في حروب ونزاعات اقليمية مكلفة عطلت عملية التعمير والتنمية الاقتصادية والسياسية، تجد نفسها تحت أجواء حصار ضاغط فاقم من تأثيراته السلبية الأداء الضعيف لاقتصادها في وقت ارتفعت فيه أسعار النفط، وهو ما تذمر منه الرئيس أفورقي علنا في خطابه بمناسبة ذكري الاستقلال في أيار (مايو) الماضي وصب جام غضبه علي الولايات المتحدة ووجه اليها انتقادا قاسيا اضطر معها السفير الأمريكي لدي أسمرا للانسحاب من ساحة الاحتفال.ويتفق المراقبون في تحليلهم أن السرعة والسهولة النسبية التي تمت بها تسوية ملف قضية الشرق تعكس في واقع الأمر درجة حرارة العلاقات السودانية والارترية، فضلا عن حاجة أسمرا الملحة لتحقيق مكاسب من وراء هذه التسوية.واريتريا تدرك أن الخرطوم المثخنة بالجراح بفعل أزمة دافور وتداعياتها وتبعاتها المحتملة في ظل التطورات الدولية المتسارعة المحيطة بهذا الملف في حاجة الي تحقيق انجاز سياسي يقلل من بؤر التوتر في البلاد ويسهم في تعضيد الصف الوطني، وهو انجاز بالطبع لن يكون من دون مقابل اقتصادي خصوصا أن السودان مدرج في خانة المستفيدين من ارتفاع أسعار النفط ويتمتع بميزات اقتصادية تفضيلية في عدد من الموارد التي تحتاجها اريتريا.بيد أن الفائدة السياسية الأكبر التي تجنيها أسمرا من تسويتها لملف الشرق هو تمكينها من كسر عزلتها وتعزيز دورها الاقليمي في القرن الافريقي ومنطقة جوارها وهو دور برزت ارهاصاته في احتفال السبت. فلقد كان الرئيس أفورقي واضحا في كلمته في الاحتفال باتفاق سلام الشرق وهو يقول انه من الواجب النظر اليه من منظار الأوضاع الاقليمية والدولية السائدة .ولم تكن مفاجأة الاحتفال في الغياب شبه التام للتمثيل الدولي الرفيع عموما، والغربي بشكل خاص، والافريقي بشكل أخص، وهي مسألة علي أية حالة متوقعة في ظل العلاقات الارترية المتوترة مع هذه الأطراف ورفض أسمرا اشراك أي منها في المفاوضات مع جبهة الشرق علي غرار ما حدث في نيفاشا وأبوجا.لقد كانت مفاجأة احتفال أسمرا بحق في الحضور العربي المتميز الذي مثلته دول الخليج العربي ومصر واليمن والجامعة العربية وليبيا وجيبوتي، ولقد كان التمثيل الخليجي غير المسبوق لافتا ومثيرا للاهتمام، وما يلفت النظر أن توتر علاقات أسمرا مع واشنطن لم يمنع دول الخليج الحليفة لأمريكا من التواصل مع اريتريا.ولا يبدو أن اريتريا تريد الاكتفاء بما حققته من انجاز بتسوية ملف شرق السودان، فهي الآن تتطلع الي لعب دور لم تتضح معالمه بعد في قضية دارفور الآخذة في التعقيد بعد القرار 1706.ويلاحظ أن الرئيس أفورقي في كلمته تجاهل الاشارة الي اتفاق أبوجا وتعامل معه وكأنه لم يتم في حين نوه باتفاقي نيفاشا وأسمرا وعدهما من كتل بناء السلام في السودان معتبرا أن هناك كتلا أخري يجب ارساؤها.وتبدو اريتريا الآن مؤهلة أكثر من أي وقت مضي للعب دور فعال في ملف دارفور، علي الرغم من أن ذلك كان مستنكرا في وقت سابق. فاتفاق أبوجا فشل في اظهار قدرته علي النفاذ الي عمق الأزمة ليس فقط بفعل معارضيه من الجماعات المسلحة في الاقليم، ولكن لأن رعاته الدوليين يتخذون مواقف تحد في كل يوم من قدرته علي الصمود، وفي مثل هذه الأجواء تجد أسمرا ثغرة يمكنها النفاذ من خلالها، خصوصاً أنها صاحبة يد ودين علي قادة هذه الحركات ولا تزال تمسك بأوراقهم بما يعينها علي توظيفهم في مسعاها للتسوية، فضلا عن أن الخرطوم لا تجد الآن غضاضة في أن تلعب أسمرا دورا في تسوية قضية دارفور بعد خيبة أملها الكبيرة في اتفاق أبوجا ورعاته.ويعتقد مراقبون أن الخريطة السياسية في منطقة القرن الافريقي باتت برسم تحولات مهمة ترشحها لاقامة تحالفات جديدة، فالضغوط الكثيفة التي يواجهها حكما الرئيسين البشير وأفورقي من قبل الولايات المتحدة تدفعهما لدرجة أكبر من التفاهم والتعاون المشترك، علي الرغم من مرارات الخلافات بين البلدين في السنوات العشر الماضية.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية