التصوف والسلطة بالمغرب الموحدي: مساهمة في دراسة ثنائية الحكم والدين في النسق المغربي الوسيط (3 ــ 3)
الموحدون والمتصوفة كانوا في فترة الدعوة التومرتية حلفاء مرحليين ضد الخصم المشترك: الفقهاء والمرابطيندولة الموحدين في مرحلة تصدعها ابتليت بثورات ذات مرجعية مهدوية استخدمت ترسبات عبيدية وشيعية قديمةالتصوف والسلطة بالمغرب الموحدي: مساهمة في دراسة ثنائية الحكم والدين في النسق المغربي الوسيط (3 ــ 3)محمد الشريفيتضح من القرائن المصدرية، ومن مختلف الدراسات القطاعية الحديثة المتصلة بتاريخ الغرب الإسلامي، أن التصوف شكل أحد أبرز الحساسات الدينية داخل مجتمعاته، وأحد مقوماتها الدينية والروحية والثقافية والاجتماعية، بل وحتي السياسية والاقتصادية. فهو أحد أبرز عناصر التراث الإسلامي التي كان لها تأثير عميق في مجري الحياة اليومية لمغاربة العصر الوسيط.ولئن كانت بدايات التصوف المغربي ـ مثلها مثل بدايات التصوف المشرقي والأندلسي متواضعة، متمثلة في الممارسات الزهدية التي كان يحياها بعض النساك والمتعبدين، كما تخبرنا بذلك مختلف كتب التراجم المغربية والأندلسية، فإن التصوف سرعان ما اكتسح النسيج المغربي بمركبيْه القروي والحضري، وأخذ يتسلل حتي إلي أوساط عامة المثقفين وخاصتهم، وأصبح قوة اجتماعية وسياسية فاعلة. بل استطاع المتصوفة -لأسباب متعددة- أن يفرضوا وجودهم علي الدولة المغربية منذ نهاية القرن السادس للهجرة/ الثاني عشر للميلاد. فقد بلغوا من القوة شأوا، بحيث أصبح ثقلهم الاجتماعي والسياسي أمرا يستوقف الباحث. ويكفي أن نتصفح بعض المؤلفات المناقبية، مثل كتاب المستفاد لمحمد التميمي، أو السر المصون لطاهر الصدفي، أو التشوف لابن الزيات التادلي، أو المقصد الشريف لعبد الحق البادسي، لنقف علي حقيقة تغلغل التصوف ورجاله في النسيج المجتمعي المغربي، وانتشار رجاله عبر مجموع المجال المغربي، شمالا وجنوباً، بادية وحاضرة، وكذا علي مختلف الأدوار والوظائف التي أنيطت بهم في سياق التفاعل الاجتماعي خلال تلك الأعصار.ولا يتسع المجال، في هذا التقديم المقتضب، للوقوف عند الأسباب التي مهدت لذلك الاكتساح وواكبته، ولا لضبط خلفيات الإقبال الشعبي الواسع علي التصوف الزهدي. لكن لا مندوحة من الإشارة إلي قضية أساسية في تقديرنا : إن تغلغل هذه القوة الاجتماعية الدينية في المجتمع، وانتشار المريدين، وتوزع الأولياء وشيوخ التصوف، أصحاب الزمان ، بحسب بعض التسميات، كان من شأنه أن يفرز سلطة رمزية ، قادرة علي أن تنازع أصحاب السلطة الفعلية علي النفوذ السياسي، أو علي الأقل، علي السيطرة علي قسم أو علي فئة من العامة. فقد جسد الوليّ بسلوكه المميَّز، وبتأطيره لفئات عريضة من المجتمع، ومن خلال الوظائف والأدوار التي اضطلع بها داخل مجتمعه، وبالخصوص وقوفه إلي جانب الرعية ضد تجاوزات الحُكام وأعوانهم، نوعا من الحَـكـَم – البديـل للسلطة القائمة. ألمْ تصبح الطرق الصوفية في فترة لاحقة، شريكة في بعض الأحيان للنظام السياسي الفاعل علي أرض الواقع؟ واللافت للانتباه هو أن المعارضة الدينية- السياسية ضد الموحدين، والمذهب الموحدي، قد اصطبغت طيلة القرنين السادس والسابع الهجريين/ الثاني عشر والثالث عشر للميلاد بهذا اللون الصوفي، فتزعمها أفراد ليسوا فقهاء محترفين وإنما هم زهاد وعُـبّاد ومتصوفة قضوا معظم حياتهم العملية بالأرياف والجبال والرباطات النائية، أو حمل لواءها بعض المتنبئين الطامحين إلي الحكم، معتمدين في ذلك علي استثمار الموجة الصوفية أو ادعاء المهدوية.الخليفة أبو يوسف يعقوب المنصور:سياسة استقطاب المتصوفة، ومحاولة ترسيم الممارسة الصوفيةمع وصول أبي يوسف يعقوب المنصور إلي الحكم (580 ـ 595 هـ 1184 ـ 1199م) تبدأ مرحلة جديدة يطبعها ذلك التحول الإيجابي الهام الذي طرأ علي تعامل السلطة الموحدية مع المتصوفة، خاصة وأن سياسة العنف والمواجهة المباشرة التي نهجها أبوه وجده لم تنجح في كسر شوكة تيار التصوف الزهدي السني، أو الحد من نفوذ رجال التصوف الاجتماعي والروحي.ومن نافلة القول أن السلطة الموحدية لم تكن لتجهل الخطر الذي يمكن أن تشكله قوي التصوف علي الجهاز الموحدي كبنية وسلطة. فتقرب المنصور ـ وخلفائه من بعده ـ من المتصوفة كان نابعا من قناعته بحقيقة اكتساح رجال التصوف للنسيج المجتمعي المغربي بمركبيه القروي والحضري و تقدمه الحثيث بمعزل عن العقيدة التومرتية الرسمية الحاكمة وعلي حسابها . وبهذا الصدد نشير إلي أن تأليف كتاب المستفاد نفسه، ليشير إلي حقيقة وجود تيار صوفي بفاس ونواحيها له أهمية كافية ليفرد له تأليف خاص.والواقع أن استفحال التمايز الاجتماعي وفرض العقيدة التومرتية بنزعتها العقلية الجافة، قد فتح المجال أمام تنامي النزعة الصوفية وإعطاء الفرصة للتيار الصوفي ليشغل حيزاً كبيراً داخل المجتمع المغربي، حيث أفرز ذلك التيار تطوراً علي مستوي السلوك والممارسة، تمثل في اتساع مجال اتصاله بالعامة والبسطاء، وكذا في مراعاته لمتطلبات المجتمع وتكييفه مع بنياته وحاجاته. فنموذج الولي وسلوكه كان علي طرفي نقيض من سلوك الحاكم الموحدي الذي وسمه أحد الباحثين النبهاء بـ المتعصب ، و المتغطرس إزاء كل من لا ينتسب لعقيدة المهدي.بالنسبة للمتصوفة، كانت طاقتها في طريقها لتصبح قوة اجتماعية يحسب حسابها، بعد أن تجاوزت إطار التصوف الفردي إلي تصوف جماعي منظم، وهو الأمر الذي كان سيمنحها بعدها الاجتماعي، وبالتالي السياسي. أما بالنسبة للحكم الموحدي، فإنه كان يري في هذا التيار أو الحساسية الدينية مادة للاستقطاب والاحتواء، ولو فقط في أفق تزكية عملية الجهاد، أو المساندة في صراعه ضد الخصم المشترك الذي كان يمثله تيار الفقهاء المالكية المحتضر علي مستوي الحضور السياسي. لكن قوي التصوف كانت قابلة لأن تنقلب، في أي لحظة، ضد الحكم. ومن هنا نفهم ذلك التقارب الظاهري بين السلطة الموحدية والمتصوفة و الاحتضان المعتدل الرزين المتبادل بينهما، والذي نجد له أكثر من شهادة في مصادرنا التاريخية، ونفهم في نفس الوقت كذلك، تلك الرقابة المشددة علي نشاط المتصوفة، والحراسة المستمرة المسلطة عليهم. إن ابن عبد الملك المراكشي قد أورد لنا شهادة حية عن هذه السياسة الموحدية تجاه المتصوفة حينما كتب معلقاً علي اهتمام المنصور الموحدي باستقدام أحد هؤلاء المتصوفة إليه. يقول: وكان دأب عبد المؤمن وبينه التنقير عمن هذه حاله والكشف عن باطن أمره متخوفين من ثورته وخروجه عليهم . أما الأمر بالإشخاص إلي مراكش لهؤلاء المتصوفة، فنبرة متواترة في كتب المناقب كالتشوف وغيره.والواقع أن شهادة عبد الواحد المراكشي حول علاقة المنصور بالأولياء والمتصوفة غنية عن كل تعليق. يقول: وانتشر في أيامه للصالحين والمتبتلين وأهل علم الحديث صيت، وقامت لهم سوق، وعظمت مكانتهم منه ومن الناس، ولم يزل يستدعي الصالحين من البلاد ويكتب إليهم يسألهم الدعاء، ويصل من يقبل صلته منهم بالصلات الجزيلة . وتؤكد مضمون هذه النصوص الموحدية، نصوص أخري مرينية. فصاحب البيان المغرب يقول عن يعقوب المنصور أنه كان يحب الصالحين ويدني مجالسهم ويستدنيهم من أقاصي طاعته . ومؤلف روض القرطاس يؤكد أنه: كان يشهد جنائز الفقهاء والصلحاء ويزورهم ويتبرك بهم و أكرم الفقهاء وراعي الصلحاء والفضلاء، وأجري علي أكثرهم الإنفاق من بيت المال .ويمكننا ضبط سياسة يعقوب المنصور تجاه المتصوفة إن نحن أخذنا بعين الاعتبار ثلاثة عناصر أساسية هي: ہ البعد الاجتماعي والأخلاقي في إصلاحاتهہ البعد الجهادي في سياسته الأندلسيةہ سياسة ترسيم التعليم الصوفي وتنظيم التيار الصوفي في طوائف1 / افتتح أبو يوسف يعقوب المنصور حكمه بمجموعة من المبادرات الإصلاحية تهدف، حسب ابن عذاري، قطع المناكر وبسط العدل ومباشرة الأحكام لتحقيق شرائع الاسلام . أي أنها مست الحقل الأخلاقي ـ الاجتماعي والعدلي، وهي ميادين تحرك المتصوفة بامتياز. يقول ابن عذاري: لما رأي (المنصور) التساوي في الانهماك والاغترارـ وسمع المجاهرة بالاستهتار، والتنافس في الشهوات، ونفاق سوق الغانيات الملهيات، تنكر وغضب في الله لذلك المنكر […] فأمر بإراقة المسكرات وقطعها، والتحذير بعقاب الموت علي استعمالها، وأنفذ المخاطبات بذلك إلي كافة ولاته بالأمصار […] وضمنت الكتب النافذة بذلك فصولا في بسط العدل والتأكيد علي العمال والولاة بتأنيس الرعية وتوخي رضاهم في اقتضاء حقوقهم وكف أيدي الظالمين عنهم . ويضيف صاحب البيان المغرب في مكان آخر : ثم أمر بقطع لباس الغالي من الحرير، والاجتزاء منه بالرسم الرقيق الصغير، ومنع النساء من الطرز الحفيل، وأمر بالاكتفاء منه بالساذج القليل […] ثم أمر أصحاب الشرطة بقطع الملهين والقبض علي من شهر من المغنين، فثقف من وجد منهم بكل مكان .ومن المؤكد أن مثل هذه الإجراءات التي كرست صورة الحاكم العادل للخليفة المنصور، قد قابلها المتصوفة مبدئيا بموقف ايجابي.2/ ساهمت الانتصارات التي حققها الموحدون في الأندلس خاصة علي عهد يعقوب المنصور الموحدي، إلي حد كبير في تحديد نظرة المتصوفة لهم. فعملية الجهاد بأرض الأندلس قد عملت علي استقطاب عامة الناس علي اختلاف انتماءاتهم. ويشير صاحب المعجب إلي استصحاب يعقوب المنصور للأولياء في مشروعاته الجهادية، واعتبارهم جنده الحقيقيين. وفي نفس السياق، يخبرنا صاحب روض القرطاس بأن المنصور حينما اتجه إلي الأندلس لمعركة الأرك سنة 591 هـ/1195م كان معه فقهاء المغرب وصلحاؤه . بينما يصف لنا ابن عذاري أصداء هذه المعركة في الأوساط الشعبية قائلا : جاءت هذه الوقعة هنيئة الموقع، عامة المسرة كأكلة جائع وشربة عاطش، فأنست كل فتح بالأندلس تقدمها وبقي بأفواه المسلمين إلي الممات ذكرها . وهذه الرؤية تتوافق مع شهادات كتب المناقب التي تنص علي اهتمام الأولياء والمتصوفة بالجهاد بالأندلس، وتجييش الحماس الديني عند العامة، وتعبئتها للانخراط فيه، وتتبع أخباره، وابتهاجهم بالنصر والتنبؤ به. ويمكن افتراض أن المتصوفة الذين شاركوا في المشروعات الجهادية للدولة الموحدية قد جعلوها قضية مشتركة.3/ من المعلوم أن أولي المحاولات لترسيم التعليم وجعله إطاراً لتوجيه الاختيارات الثقافية والعلمية للحكم الموحدي كانت من عمل الخليفة يعقوب المنصور. ومن بين الإجراءات التي تبناها هذا الخليفة نجد إقامة المدارس وتخصيص ميزانيات من الخزينة العمومية لتغطية تكاليفها ومتطلباتها التربوية والتنظيمية.ولكن ما يبدو دالاً بخصوص موضوعنا، هو أن إحدي المدارس الرسمية قد تم تخصيصها بالذات لأحد أقطاب التصوف في العهد الموحدي، ألا وهو الولي الشهير أبو العباس السبتي (ت. 601 هـ). فقد قرر الخليفة المنصور إدخاله إلي مراكش، وحبس عليه مدرسة للعلم والتدريس، وزاوية للفقراء والذكر والعبادة، وداراً للسكني . ويمكن تأويل هذا القرار للوهلة الأولي،كعربون تقدير من الخليفة المنصور تجاه أبي العباس، واعترافا بمكانته الدينية، وتقديراً من الدولة التي وضعت رهن إشارته مدرسة رسمية لتسهل مهمته في التدريس ونشر معارفه. إلا أن وضع القضية في الإطار العام لسياسة الاستقطاب للمتصوفة التي تبنتها السلطة الموحدية خلال هذه الفترة تجعلنا نرجح أن يكون وراء إسكان أبي العباس بالعاصمة، والسماح له بإلقاء تعاليم مذهبه في مدرسة رسمية، نية أخري للخليفة الموحدي، وهي المتمثلة في تقييد الحرية النسبية التي كان يتمتع بها في جبل ايجليز، ومن ثم وضع نشاطه العمومي تحت المراقبة، للوقوف عن كثب علي آلياته. إن دخوله مراكش واتخاذها مجالا لنشاطه لم يكن برغبة منه، وإنما بقرار مخزني موحدي.وفي نفس السياق، لدينا مثال آخر يسمح بتوضيح هذه الاستراتيجية الموحدية لـ ترسيم التعاليم المقدمة من طرف بعض شيوخ التصوف ـ أو لهم صلة بهذا المذهب ـ ومراقبتها، يمكن أن نستشفه من حالة عيسي بن عبد العزيز يلبخت القزولي (ت. 607 هـ/1210 م). فهذا الشيخ الذي يصفه ابن عبد الملك المراكشي بـ الورع والزهد والصلاح والانقباض عن مخالطة الناس ومداخلة أبناء الدنيا ، كان يدرس بإحدي مساجد مراكش. وكان مجلسه من بين المجالس العامرة، وانتشر صيته إلي درجة كبيرة بين سكان العاصمة الموحدية. ولما شاع ذكر أبي موسي واشتهر أمره وعرف قدره، تكاثر طلبة العلم عليه وانثالوا من كل حدب إليه، حتي ضاق عنهم ذلك المسجد الذي كان يدرس فيه، فانتقل إلي مسجد ابن الأبكم الأكثر اتساعا. وقد أثارت الشهرة الكبيرة التي لحقت بهذا الشيخ ريبة الخليفة، إذ لما نمي إلي المنصور من بني عبد المؤمن خبره، وقر عنده ما هو عليه من الدين والزهد والورع والتقشف والإعراض عن الدنيا والانقطاع إلي نشر العلم، والبعد عن التعرض لأهل الجاه من الأمراء والولاة ، أمر الخليفة باستدعائه للمثول بين يديه. ويبدو مما تورده المصادر أن ارتياب الخليفة لم يكن في تصوف عيسي بن عبد العزيز وحماسه لنشر العلم، وإنما ارتاب قبل كل شيء من إعراضه عن الولاة والأمراء . وبهذا الصدد يورد ابن عبد المالك المراكشي جملته الشهيرة حول السياسة التي اتبعها الخلفاء الموحدون تجاه المتصوفة، القاضية بـ التنقير عمن يتصف بهذه الصفات، و الكشف عن بواطن أمورهم، لتخوفهم من الخروج والثورة عليهم. والأكيد أن الخـليفة المنصور قرر كبح جماح النشاط العمومي لهذا المتصوف، ومن ثمّ أمر كبير وزرائه.. ونقيب طلبة العلم.. بالتوجه إليه وإحضاره بين يديه . وكون الخليفة قد أوعز لكبيري شخصيات دولته القيام بهذه المهمة، يدل علي الأهمية التي كان يوليها لهذه القضية وحساستها.ويصف لنا عبد الملك المراكشي الحظوة الكبيرة التي كانت للقزولي عند المنصور غداة إلحاقه بقصره، ولم يزل المنصور بعد ذلك شديد العناية بأبي موسي راعيا له مفيضا عوارفه عليه، متعهدا أحواله متبركا به وبرؤيته . إلا أن تلك الحظوة لم يكن لها انعكاسات كبيرة علي قناعة الشيخ الذي تصفه المصادر بالتقية. إذ لم يتلبس من الدنيا إلا بما يتظاهر به بين أبنائها تقية منه علي نفسه، فأما في باطن أمره وخفي حاله فإنه كان علي أرفع درجات الزهد والتقلل من الدنيا . ومن المؤكد أن هذا الاعتناء الكبير بالشيخ القزولي لم يكن من دون خلفيات. فبوضعه داخل إقامته لم يكن الخليفة المنصور يرمي، في نهاية المطاف، سوي الي مراقبة نشاط الصوفي العام، ووضعه تحت مراقبة رسمية، ذلك أنه في الفترة السابقة عندما كان في أحد مساجد مراكش، كانت لعيسي القزولي حرية نشر تعاليمه بحرية أكبر أمام سامعة كبيرة. ولا ندري إن كان قد تابع نشاطه كمدرس بعد لقائه بالخليفة المنصور. الأكيد أن المنصور قد قدمه إلي الخطبة في جامعه الأعظم المتصل بقصره حين أتم بناءه، فكان أول خطيب به . ومن دون شك، كان هذا التعيين قد سمح مباشرة بمراقبة تعاليمه خصوصا وأن الجامع كان متصلا بالقصر. ومن المؤكد أن هناك أمثلة أخري للرقابة الرسمية التي طبقتها السلطات الموحدية علي أنشطة الشيوخ المتصوفة المشهورين خلال القرن السادس الهجري /12م والتي كانت ترمي إلي تدجين تعليمهم وتعاليمهم وإخضاعهم لإرادة الحكام. ومما له مغزاه أن محاولة الموحدين لترسيم تعليم المذهب الصوفي كانت فاشلة علي المدي البعيد، إذ ما لبثت أن دفعت بعض المتعاطفين مع المتصوفة إلي إنشاء مدرسة خاصة أصبح التصوف علي رأس المواد التي تدرس بها. نحيل هنا مدرسة أبي الحسن علي الشاري السبتي (649 هـ/1251م) التي بناها بمدينة سبتة سنة 635 هـ/1238م. ولو أن أيا من مصادرنا لم ينعت الشاري بالمتصوف، فإن معارفه كانت واسعة في هذا الميدان، اكتسبها علي ما يبدو من صلاته وتتلمذه علي بعض الشخصيات الشهيرة في عالم التصوف، مثل أبي عبد الله الفندلاوي ابن الكتاني (ت. 597/1201)، والصوفي السبتي الكبير، أبي الحسين ابن الصائغ (ت. سنة 600/1204م)، وأبي الصبر أيوب الفهري (ت. 609/1212م). إن التأثير الذي مارسه هؤلاء المتصوفة علي الشاب الشاري، يمكن أن يفسر كيف أنه قرر ـ سنوات بعد ذلك ـ إنشاء مدرسته الخاصة، وإعطائه الأولية لتدريس المؤلفات الصوفية بها.والواقع أن الخليفة المنصور قد أبان عن ذكاء سياسي كبير عند إدخاله تغييرات محسوسة علي موقف الدولة الموحدية تجاه أتباع التصوف إلي حدود هذه الفترة. وبالإضافة إلي إضفائه الامتيازات علي بعض شيوخ التصوف، تبني هذا الخليفة بعض الإجراءات التي تم استقبالها بحفاوة من أصحاب التصوف. وبهذا الصدد يمكن الإشارة إلي الأثر الذي خلفه في الأوساط الصوفية منْع المنصور لبعض كتب علم الفروع، وإحراقه لعدد منها بعد تخليصها من الأحاديث والآيات القرآنية. ويجب ألا تغرب عن بالنا القيمة الرمزية التي يمكن أن تكون لعملية إحراق كتب الفروع في أوساط المتصوفة عند نهاية القرن السادس الهجري /12م، لأن هذا القرار الخليفي يشكل في نهاية المطاف هجوما مباشرا علي الفقهاء المالكيين الذين كانوا يرعون هذا التخصص. وبذلك يمكننا اعتبار أن المنصور قد فرض علي الفقهاء المالكيين وعلم فروعهم، نفس العقاب الذي فرضوه علي أتباع المذهب الغزالي و إحيائه في بداية هذا القرن.وبصفة عامة، يظهر أن هذه السياسة قد نجحت إلي حد كبير في استقطاب عدد مهم من المتصوفة أو تحييدهم علي الأقل. فبالإضافة إلي كثرة توافدهم علي عاصمة الموحدين مراكش، نتوفر علي مجموعة من الأمثلة الدالة علي نجاح سياسة الاستقطاب والاحتواء الناجحة للسلطة الموحدية تجاه المتصوفة، مستمدة من تراجم بعض أشهر متصوفة المغرب والأندلس علي عهد الموحدين. بل أصبح البعض منهم يضمنون الولاء للخليفة ويتولون كتابة بيعة مدنهم ويبعثون به لمراكش.والواقع ان هذه السياسة التقاربية التي انتهجها الخليفة المنصور مع التيار السني في التصوف هي التي تفسر ما ذهبت إليه بعض المصادر حينما تدعي انتماء الخليفة الموحدي للتيار الزهدي، خاصة وأنه كان يجتاز خلال فترة حكمه أزمة ضمير خانقة قادته إلي سلوك طريق التصوف.ومع ذلك، فنحن لا ننفي وجود نماذج ظلت علي مقاطعتها المبدئية للحكم، ولأعطياتهم، وتتحاشي لقاء رموزه، بل ولجأت إلي التطرف وانتقاد الموحدين علانية، الأمر الذي جعلهم موضوع متابعة وملاحقة وتم الزج ببعضهم في السجون. هذا هو حال أبي إبراهيم إسماعيل بن وجماتن الرجراجي (المتوفي سنة 595 هـ/1198م). فابن الزيات يخبرنا أنه بعد صلاة الجمعة في مسجد قرية أجوز من بلد رجراجة، قام هذا الولي يعظ الناس فتكلم بكلام سمعه العامل فسجنه، وأقام في السجن ثلاثة أيام . ومرة أخري قام يعظ الناس بحضور العامل مما أثار مخاوف الأهالي، فتكلم في حق العامل بكلام خاف منه الناس علي أنفسهم، فخرجوا من المسجد كلهم وخرج العامل من المسجد ، وما لبث أن تم اعتقاله، وحملوه إلي السجن وقيدوه وجعلوه في مطمورة عميقة […] وأمر الكاتب من يكتب فيه كتابا إلي حضرة مراكش . والواقع أنه رغم سياسة الانفتاح تجاه الأولياء التي سنها المنصور، فإن ذلك لا يعني أن السلطة الموحدية قد تغافلت عن خطر النشاط الصوفي، بمعني أن سياسة المراقبة والحذر قد استمرت علي عهد المنصور نفسه ولكن ليس بطريق العنف والمواجهة المباشرة التي سلكها من قبل أبو يعقوب يوسف وعبد المؤمن، وإنما سلك سياسة المهادنة والمحاباة والتودد كإجراء تكتيكي في إطار استراتيجية المراقبة التي كانت تفرضها الدولة الموحدية علي المد الصوفي. ولعل موقف الخليفة المنصور من الشيخ أبي مدين خير معبر عن هذه السياسة. فما زال هذا الأخير مستقرا بمدينة بجاية إلي أن وشي به بعض المنكرين لكرامات الأولياء من علماء الظاهر لخليفة زمانه في المغرب المنصور سنة 594 هـ، زاعمين أن له شبها بالإمام المهدي ، وأتباعه كثيرون، وأصحابه في كل بلد وإقليم. فما كان من المنصور إلا أن أمر بإشخاصه إلي حضرة مراكش لاستنطاقه، بعد أن طلب من واليه علي بجاية الاعتناء به وحمله خير محمل . ووافته المنية وهو متوجه إلي مراكش ودفن بالعباد خارج تلمسان. ومما له مغزاه أن ابنه وخليفته الناصر هو الذي أمر بتشييد ضريح لأبي مدين بالعباد، سيتحول إلي مركز هام يحج إليه المتصوفة من جميع بلاد المغرب.ولم يكن أبو مدين الوحيد الذي اتهم بالتشبه بالمهدي وانتحال الإمامة، بل إن المصادر التاريخية تشير إلي كثيرين ممن كانوا علي شاكلته، نذكر منهم الثائر عبد الرحيم بن إبراهيم الخزرجي، المشهور بـ ابن الفرس وبـ المهر . فقد اتخذ بدوره المهدوية سبيلا للوصول إلي السلطة، مثله مثل سابقيه ابن قسي وابن هود والجزيري. ومن المعلوم أن شعار المهدوية كان يحيل بالأساس علي أمل التغيير وإصلاح الأوضاع السائدة. ولئن كانت بعض المصادر تذهب إلي أن ابن الفرس غرناطي الأصل، وتؤكد أنه كان من طبقة العلماء بالأندلس ، فإنها تشير كذلك إلي دعم قبائل جزولة المغربية لحركته، مما يؤشر علي إمكانية أن يكون مغربي الأصل، أو انتسابه لتلك القبائل. والجدير بالذكر أن ابن الفرس كان فقيها عالما، أتاحت له ثقافته الواسعة حضور مجلس الخليفة المنصور الموحدي، إلا أنه تكلم في بعض الأيام، حتي خشي عاقبته في عقده، وخرج من المجلس فاختفي مدة . ثم بعد مهلك المنصور ظهر في بلاد كزولة بجنوب المغرب معلنا ثورته سنة 597 هـ، منتحلا الإمامة، ومدعيا أنه القحطاني الذي سـ يقود الناس بعصاه ليملأ الأرض عدلا كما مُلئت جورا . ولقيت دعوته استجابة كبيرة ببلاد السوس (خاصة بجزولة ولمطة ودرعة)، فتبعه الجمع الغفير، ودعوه بالخليفة، وحيوه بتحية الملك. ولم يكن أمام الموحدين إلا تدبير اغتياله، فقُطع رأسه، ورفع في عصا، وعلق علي باب مراكش، وذلك سنة 601 هـ /1205م، وهو ابن ست وثلاثين سنة.من الجلي إذن، أن دولة الموحدين قد ابتليت، حتي قبل بداية تصدعها، بثورات ذات مرجعية مهدوية؛ ولقد أشارت بعض الدراسات الحديثة إلي خطورة هذه الثورات التي تركزت بالجنوب وخاصة بمجال جزولة، علي الدولة الموحدية، خصوصا وأن بعضها استفادت من الرجة الهائلة التي أصابت كيان الدولة الموحدية بعد هزيمة العقاب سنة 609 هـ/1212م، كما لم يفت تلك الدراسات التنصيص علي البعد القبلي في هذه الثورات لأنها كانت تتحرك في إطار العصبية الصنهاجية، أو علي الأقل العصبيات المعادية للمصامدة. بل إن العصبية الصنهاجية ستتحرك مرة أخري مع ثائر آخر أثار آثارا قبيحة … واستفسد خلقا كثيرا . إلي أن تمكن من قتله سنة 618 هـ والي سجلماسة أبو محمد عبد العزيز بن الخليفة يوسف. علي أنه ما يجب التنصيص عليه بالنسبة لموضوعنا هو استناد هؤلاء الثوار إلي مرجعية مهدوية وادعائهم بأنهم عبيديون فاطميون، فلعلهم كانوا يرومون من وراء ذلك استغلال وجود ترسبات وبقايا تأثيرات شيعية قديمة بالمنطقة الجنوبية، واستعداد هذه المنطقة لتقبل ظهور آل البيت علي مسرح السلطة. ومن المعلوم أن صلة التصوف بالتشيع أصبحت الآن حقيقة تاريخية مؤكدة، كما تثبت ذلك الأبحاث الجادة.التصوف خلال مرحلة الانحلال الموحديهيكلة الطوائف الصوفيةشهد العقدان الثاني والثالث من القرن السابع الهجري/13 م الانحلال التدريجي للإمبراطورية الموحدية، ذلك أن التصدع الذي أحدثته هزيمة العقاب سنة 609 هـ/1212 م لم يقف عند حدود جهاز الدولة الموحدية المركزية، وإنما امتد إلي مجموع مجالها الذي أصبح عرضة للتفتت السياسي بانقسام الإمبراطورية إلي كيانات مستقلة. إلي هذه الأزمة السياسية تنضاف أزمة إيديولوجية ابتداء من سنة 626 هـ/1229م، حين أعلن الخليفة المأمون (626 ـ 630 هـ 1229 ـ /1232م) نبذه للعقيدة التومرتية، وأزال اسم المهدي من السكة ومن خطبة الجمعة ومن المراسلات الرسمية، واعتبر الإبقاء علي تلك الإجراءات ليس ضروريا للمحافظة علي الشرعية السياسية والدينية للموحدين. ولا نفهم جيدا هذه الصيرورة التي تؤشر علي انكسار الأسس الإيديولوجية للدولة الموحدية، وتؤشر علي فقدان النسق الموحدي لأهم خيوطه المميزة. ويبدو أن السياسة الرسمية تجاه التصوف خلال فترة الانحلال الموحدي المتأخرة، كان لها وجهان: من جهة حاولت السلطة بطرق مختلفة، إضعاف سلطة الطوائف الصوفية المنظمة، في محاولة يائسة لتجنب ميل هؤلاء للخصم المريني، ومن جهة أخري وللحد من تأثير التصوف المنظم في رباطات ، حاول الموحدون أن يحوزوا ثقة أشياخ التصوف غير المنتمين لإحدي هذه الطوائف التي كانت تعمل ببلاد المغرب خلال النصف الأول من القرن السابع الهجري /13م. وبنهجهم لهذه السياسة لم يكن خلفاء فترة الانهيار الموحدي يعملون إلا علي السير في نفس الطريق التي سار عليها أسلافهم، والمتمثلة في إضفاء الامتيازات علي بعض أشياخ التصوف ذوي الشهرة، أو تعيينهم في بعض الخطط الحكومية، بهدف الظهور بمظهر الخلفاء الورعين ، وإضفاء نوع من الشرعية علي سلطتهم المترنحة.وهناك مثال يسمح لنا بتوضيح ما سبق، وهو العلاقة التي ربطت الخليفة المأمون (626 ـ 630 هـ/1229 ـ 1232 م) بشيوخ رباط تيط. فخلال نزاعه مع يحيي المعتصم علي السلطة بعد وفاة الخليفة العادل الموحدي (624 هـ)، كتب المأمون لشيخ رباط تيط، طالبا منه تزكية بيعته. وقد ساند شيخ الرباط المأمون دون تردد، وطلب منه بأن يأخذ الحركة إلي مراكش ويستعين بالله، وإنا (يقول الشيخ) نتكفل لك علي ذمة الله تعالي أن يهب لك ملككم، ويجعلكم خليفة، لكونكم أهلا للخلافة، لأن لك عقلا وافرا ورأيا صالحا . كما أن علاقة المأمون بالشاعر المتصوف أبي عمر ميمون بن علي الصنهاجي الخطابي، المشهور بابن خبازة (ت. 637 هـ /1239 م) تؤشر بدورها علي طبيعة علاقة الخليفة المأمون برجال التصوف. فقد عينه الخليفة علي حسبة الســـوق. وعلي عكس نموذج الصوفي الرافض للتعامل مع السلطة، فإن ابن خبازة الذي كان لباسه عادة عبارة عن مرقعة ، لم يكتف بمدح الخليفة المأمون في أشعاره وإنما عندما قرر هذا الأخير نبذ العقيدة التومرتية، نظم قصيدة يبين فيها تأييده لقرار الخليفة ويذم فيها عقيدة المهدي. إن التسامح الظاهري للخليفة المأمون مع المتصوفة لا ينفي بالطبع أنه خلال فترة خلافته ظهرت خلافات بين بعض أتباع التصوف والسلطات الموحدية. للأسف لا توفر المصادر إلا القليل من المعلومات بهذا الخصوص. وهذا ما يبدو بخصوص حالة الشاعر الصوفي القرطبي أبي زيد عبد الرحمن بن محمد بن يخلفتن الفزازي (ت.627 هـ/1230 م)، فقد تتلمذ علي يد متصوفين كبيرين هما أبو الحسن ابن الصائغ، وأبو الصبر أيوب الفهري. وتشير المصادر بصفة خاصة إلي ميله للتصوف، ودفاعه المستميت عن المذهب. فقد اشتهر بـ المنافرة لأهل البدع ، وكان كثير الحب للصالحين والزيارة لهم . وقد ألف كذلك قصائد زهدية ومدائح نبوية، وله في الزهد أشعار سمعت منه وسارت عنه ومال إلي التصوف وشهر به مع الميل إلي علم التصوف وصحبة المريدين والسعي في مطالبتهم والتشدد علي أهل البدع . وقد شغل الفزازي ـ الذي كانت له حياة متنقلة ما بين ضفتي الزقاق ـ منصب كاتب لدي الخليفة المأمون، مع العلم أن أغلبية مترجميه يؤكدون أن تعيينه في هذا المنصب كان ضد إرادته. ومن المحتمل أن يكون هذا التحفظ سببا في الجفوة التي نالته من السلطان ، ولزوم داره، أو أنها نجمت عن موقف الفازازي من استعانة المأمون بالروم علي قتال المسلمين وموافقته علي شروطهم المهينة. واضطر في أخريات حياته (سنة 626 هـ) للقدوم إلي مراكش ـ ربما بين يدي المأمون ـ وتوفي هناك السنة الموالية.والواقع ان السياسة الموحدية لاحتواء الطوائف الصوفية قد منيت بالفشل، علي الرغم من الامتيازات التي أسبغوها علي شيوخ الطائفة الصوفية الصنهاجية التي أسسها بنو أمغار في رباط تيط الفطر. ومما يؤشر علي تأزم العلاقة بين الجانبين محاولة الخليفة الرشيد (630 ـ 640 هـ 1232 ـ /1242 م) ـ بإيعاز من بعض شيوخ صنهاجة ـ فرض ضريبة علي الجماعة الصوفية لرباط تيط الفطر، وإبطال الظهير الذي يعفي بني أمغار من أداء المغارم. ولو أن محاولة الخليفة لم يكن لها ـ علي ما يبدو ـ تأثير، فإنه كان لها انعكاسات كبري من الناحية السياسية؛ إذ اعتبرها بنو أمغار دليلا علي عداوة الخليفة الرشيد لهم، وتدشينا للقطيعة النهائية بين متصوفة رباط تيط الفطر والسلطة الموحدية، إذ بعد ذلك بقليل، وخلال خلافة المرتضي (646 ـ 665 هـ 1248 ـ /1266م) ثار الوالي الموحدي أبو فارس عزوز بن يبروك بن أمغار ضد الخليفة الموحدي المرتضي، والتجأ إلي حرم رباط تيط، واعترف بسيادة الأمير المريني يعقوب بن عبد الحق (656 ـ 685 هـ 1258 ـ 1286م). وقد عاقب المرتضي خيانته بإعطاء أمره لتهديم سور رباط تيط الفطر واقتحام حرمة الشيخ. إلا أن شيخ الرباط أظهر معارضة شديدة لقائد المرتضي، أبي القاسم الهنائي المكلف بتعقب الثائر ابن يبروك.وقد حاول الخليفة أبو دبوس (الذي خلف المرتضي) تأمين مساندة شيوخ رباط تيط بأن أصدر ظهيرا في ربيع الأول من عام 665 هـ (أي بعد ثلاثة اشهر فقط من الحكم) يحملهم فيه علي الكرمة والمبرة والرتبة الدائمة والحماية التي تقيهم ضروب الضيم والمضرة ، فضلا عن إعفائهم من الوظائف المخزنية، والكلف الناشئة، وجميع ما يلزم من المؤن والسخر ، طالبا منهم التصدق بأعشارهم وتفريقها علي المساكين، جريا علي عادتهم في الصلاح. إلا أن محاولته منيت بالفشل، لأن شيوخ تيط مالوا لجانب خصومه السياسيين، واعترفوا مبكرا بسلطة المرينيين الذين لم يترددوا من جانبهم في إقرار ما بظهير أبي دبوس لهم، بل أضافوا إليه امتيازات مادية، وبادروا إلي الاعتراف المبكر لهم بشرف نسبهم، بل قدموهم علي رأس الركب الرسمي للحج في سنة 703 هـ .يبقي توضيح الدور الذي يمكن أن يكون قد لعبه رباط آسفي في الصراعات التي واجهت الموحدين مع بني مرين. ولو أننا لا نتوفر علي أية إيضاحات تسمح لنا بالجزم بأن أتباع أبي محمد صالح قد مالوا لصالح المرينيين ـ كما حدث مع بني أمغار بتيط ـ فإننا نجد أن الأمير يعقوب بن عبد الحق المريني قد عين أصغر أبناء شيخ آسفي، وهو عيسي (ت. 698 هـ/1299م) لـ ولاية الإمارة ببلد آسفي . ومن المحتمل أن الأمير المريني حاول ـ بهذه المبادرة ـ أن يكافئ أحفاء أبي محمد صالح علي دعمهم له في صراعه مع الموحدين. وإلي جانب الدور السياسي الذي قد تكون لعبته الطوائف بالمغرب في انحلال السلطة الموحدية وفي الصراع الموحدي المريني خلال النصف الأول من القرن السابع /13م، فإننا نلمس تأثير المتصوفة السياسي كذلك في الثورات ضد الموحدين التي اندلعت خلال نفس الفترة بالأندلس، وخاصة في منطقة الشرق. ونشير بالخصوص إلي الثورة التي حمل لواءها أبو عبد الله محمد بن يوسف بن هود (ت. 635 هـ/1238 م) في منطقة مرسية سنة 625 هـ /1228م، أي بالضبط في فترة أوج التيار الصوفي في هذه المنطقة. وبتحليل أصل هذه الثورة وتطورها ضد الخليفة المأمون، تتبين بعض المؤشرات التي تسمح بافتراض وجود روابط بين ابن هود والجماعات الصوفية لمنطقة مرسية. ولو أنه يصعب معرفة مدي الدور الذي لعبه متصوفة المدينة خلال هذه الفترة، فإننا نتوفر علي معطيات مشتتة، تدفعنا إلي القول ان ابن هود كان يبحث عن دعم أتباع هذا المذهب، ليضفي شرعية علي حكمه. ومما له دلالة أكبر هو أن ابن هود ولَّي علي مرسية عبد العزيز بن عبد المالك بن خطاب (ت. 636 هـ /1238م)، وهو رجــــل تحمل مسؤوليات سياسية، ومال إلي التصوف والزهد. ومن المؤكد أن ثورة ابن هود، وخاصة حملاته لإيقاف الزحف المسيحي علي شرق الأندلس، قد أثارت حماس متصوفة باقي المناطق. فالشيخ الغرناطي أبو إسحاق بن عبيد يس النفزي (ت. 659 هـ/1261 م) يمدح ابن هود في أشعاره، ويحثه فيها لتــوظيف جهوده لصالح الجهاد.من جهة أخري، كان لتصوف مرسية، خلال هذه الفترة، بعد سياسي لا غبار عليه، ظهر واضحا في حالة محمد بن أحلي (ت .645 هـ /1247م) كما لاحظ ذلك بيير غيشار. فقد تزعم هذا الشيخ جماعة متطرفة من المتصوفة كانت تعمل في منطقة لورقة. وحسب ابن الزبير، كان لمذهب ابن أحلي نزوح عن سنن المسلمين …من ذلك قولهم بتحليل الخمر وتحليل إنكاح أكثر من أربعة، وأن المكلف إذا بلغ درجة العلماء سقطت عنه التكاليف الشرعية . وبدأ أتباعه في ممارسة الإذاية في الأموال والأبدان والتخويف الشديد لسكان المنطقة. وتحول ابن أحلي ما بين 637 ـ 645 هـ 1240 ـ /1245م إلي والٍ مستقل للورقة بدعم من أتباعه. وامتازت إدارته ـ حسب ابن عبد المالك المراكشي ـ بالعدل والمساواة. من هذه الزاوية يمكن اعتبار ابن أحلي ممثلاً نموذجياً للواجهة السياسية للتصوف في خط ابن قسي، مثله في ذلك مثل عزيز بن خطاب الذي ترك الحياة الصوفية لينصرف لهموم السياسة.خلاصة القول إن الموحدين والمتصوفة كانوا في فترة الدعوة التومرتية حلفاء مرحليين في صراعهم ضد الخصم المشترك الذي مثله الفقهاء والمرابطون. ولم يكن أمام خلفاء ابن تومرت سوي العمل علي تجنب المواجهة مع التيار الصوفي وعدم الاصطدام بزعمائه؛ بل العمل علي كسبهم إلي جانب الدعوة الموحدية، أو علي الأقل تحييدهم. فقد كان المتصوفة في أعين الخلفاء الموحدين يشكلون طاقة مناهضة يجب مراقبتها عن كثب، لئلا تتحول إلي قوة مناهضة للدولة، مهددة لاستقرارها ولاستمراريتها. إلا أن سياسة الموحدين تجاه المتصوفة لم تتبع ايقاعاً واحداً. فإذا كانت السياسة المرابطية تجاههم قد اتخذت خطا مستقيماً، وبدأت بالتوتر واستعمال الشدة وانتهت بـ محاولة احتوائهم ، خاصة بعد فشل السلطات في كسر شوكتهم، فإن تموجات سياسة الموحدين تجاههم كانت مختلفة الإيقاع، بحيث انها مرت بأطوار متباينة ومتداخلة في نفس الوقت، من التحالف المرحلي إلي المراقبة و التنقير والصراع المفتوح، مروراً بسياسة الانفتاح والاحتواء والاستقطاب و التدجين ، والإدماج فـــي الدوائر الرسمية … إلخ. 7