استفتاء الداخل الفلسطيني هو المخرج

حجم الخط
0

استفتاء الداخل الفلسطيني هو المخرج

حمدان حمداناستفتاء الداخل الفلسطيني هو المخرجان ما يقال بأن النزاع القائم بين فتح وحماس، انما ينبثق في الاساس، عن مشروعين متناقضين، احدهما يقع في مشروع التسوية (فتح) والآخر في مشروع المقاومة (حماس)، انما هو قول لا يتصالح مع الحقائق التاريخية، خاصة اذا فهم بأن العمل الفدائي الفلسطيني، كان بريادة فتحاوية، وان الرصاصات الاولي التي انطلقت تجاه اسرائيل، كانت من بنادق فتحاوية، وهو تاريخ تقرره وقائعه، باكثر مما هو مباهاة استعراضية للتفضيل، في زمن اصطفافي ـ احترابي يثير التشاؤم، وهو يغطي مرحلة غير مسبوقة في تاريخ الكفاح الفلسطيني.ما نريد قوله، ان منظمة التحرير بقيادة فتح، لم تنشأ من بذرة تسوية، والا اين نذهب بالشهداء، ولماذا السلاح بالاساس، وكيف يمكن لنا ان نستخف بربع قرن من زمن العمل الفدائي الفلسطيني الذي كان سببا حقيقيا وراء ايلول الاسود، كما وراء خروج منظمة التحرير من لبنان، بل وراء كل النزاعات الخفية مع انظمة رسمية، ارادت الاستيلاء علي الورقة الفلسطينية، دون فلسطين! وكيما يكتمل المشهد في الرواية التاريخية، فان سياسة المنظمة، وفتح علي رأسها، كانت تقول بمبدأ التسوية الي جانب المقاومة، حيث لا مفاوضة بغير مقاومة وراءها، فمفاوضات الشعوب المستعمرة في التاريخ، كانت تمضي بمعية المقاومة، بحيث كلما ازداد منسوب المقاومة، يتحسن المستوي التفاوضي من الجهة الاخري، كما ان العكس صحيح. في تاريخ المنظمة لم تكن الاشارات خافية علي احد، ففي خطاب القائد الشهيد ياسر عرفات امام الجمعية العمومية كانت الاشارة الي غصن الزيتون، صريحة في طلب السلام.لم تسقط فتح في انتخابات التشريعي، المكون في سلطة اوسلو، لانها كانت تهدف الي طلب تسوية عادلة، تنتهي الي دولة فلسطينية مستقلة، بعاصمتها القدس الشريف، مع ضمان حق العودة لللفلسطينيي الخارج، بل لان فتح اساءت ادارة السلطة التي ظلت حماس بعيدة عنها لاعتبارات شتي من صوفية العزلة، والترفع عن (دنس) السلطات عموما، فضلا عن كونها سلطة وليدة من اوسلو، وان اوسلو تعترف باسرائيل واقعيا، مع الوان من فساد استشري بعد صناعة اعلامه وتضخيمه، والمشكلة ان (تضخيم) الفساد الفلسطيني كان قد جاء من انظمة عربية لا تشكو الفساد في كامل مسيرتها السياسية، فاباطرة المليارات من وكلاء المسؤولين واقاربهم، لم يعودوا بحاجة الي تعريف.. علي ان ذلك لا يعني بالمقابل، بأن الفساد الفلسطيني لم يكن قد اخذ مجراه بعدوي الشيوع الجواري، بل وربما زاد عليه. لكن المتتبع لنشأة التضخيم في الفساد الفلسطيني، يلتقط أسبابا رسمية عربية تنطوي علي غايتين هما الابعد عن التماس الشفافية او الطهارة، فالغاية الاولي كانت ترمي الي ابعاد شبح الفساد الذي يدور بين ظهرانيها، خاصة اذا علم بأن الذين يتحدثون بالمليارات، هم اما ابناء المسؤولين او اولئك الذين تربطهم عصبية من نوع ما بالقائمين علي دست العرش وما هو في حكمه.. اما الغاية الثانية في النشر والتضخم فتذهب الي النية في قطع المعونات العربية عن شعب فلسطين، او التقتير في ارقامها، طالما ان النصيب الاوفي منها، يذهب الي جيوب الفاسدين في السلطة الفلسطينية. وعلي منطقية العلة ـ الذريعة، فان فتح وهي قائدة منظمة التحرير كانت قد سقطت لأسباب اخري، ففي منطقتنا فان الفساد لا يسقط نظاما او سلطة سياسية، لكن السنوات العجاف بعد اوسلو لم تثمر سوي المزيد من القتل وتقطيع الاوصال واعادة الاحتلال وتدمير المنازل وجرف المزروع من الاراضي.. مع كل ما يحلو للآلة الجهنمية الاسرائيلية ان تفعله بشعب اعزل. وهكذا سقطت أوسلو في الواقع، بعد ان تنبأ اخرون بسقوطها وهي علي الورق، وفي جميع الاحوال، فان الموقف من اوسلو كان ينطوي في جانب منه، علي موقف من مواقف الثوابت بين البحر والنهر، لكنه في جانب آخر، كان يمثل مواقف الضدية ـ السلفية من عرفات وما هو ماض اليه، ومن الواضح ان الموقف الاول (اي موقف الثوابت) كان يحمل دلالــــة لا واقعية، اذ ليــــس من المفهوم، كيف في مرحلة محددة، يستطيع شعب الضفة والقطــــاع تحرير كامل التراب التاريخي لفلسطــين، وقد تم التخلي عنه من انظمة عربية هي في هرولة التماس الصلح مع اسرائيل، او ما في حكمه، اما اذا كان التحرر الكامل املا مرتجي للمستقبل، فما الذي نفعله امام عدوانية اسرائيل الحاضرة، وقد باتت الامة من شعوب الغفوة والدعاء؟! في فوات مقيم.اننا لا نقول هذا، دفاعا عن فتح، او تعريضا بحماس، فحماس فصيل اسلامي مجاهد، له دوره التاريخي في الاقدام والجهاد والاستشهاد.. كذلك تاريخ فتح مع مسيرة الشهداء، وليس اكثر تنغيصا علي النفس، من ان يمحو فريق تاريخ فريق، فاذا ما وجدت اختراقات ما، فهي ليست قابلة للتعميم، وان الاختراقات لها ما يشابهها في تاريخ كل الشعوب، وعلي صعيد جميع المكونات والاحزاب دون استثناء. اليوم، تنزلق الاوضاع الفلسطينية نحو الاستهتار بالخط الاحمر، الذي ظل المتفائلون ينظرون اليه من نافذة العقل والحكمة، اي ان ما يجري، لا عقل خلفه ولا حكمة، وهو ما ينذر بأوخم العواقب وما يصيب القضية في كامل تاريخها، فتحديد المسؤوليات عن الانهيار، لا نفع منه الآن، خاصة وان مناشدة الرئيسين عباس وهنية، ذهبت وادراج الرياح، فكما انتقلت فتنة الجمل الي صفين، فانها تنتقل الآن من غزة الي الضفة، وبهذا المعني، فان التحزبات الغرائزية هي التي تحل محل العقل في تصريف الاوضاع نحو ما هو اشد سوءا في التاريخ الفلسطيني.ففي التعارضات السياسية، بين الاعتراف وعدمه، (اي معركة الاعتـــراف باسرائيل او المواثيق الدولية التي ســـبق للسلــــطة ان عقدتها)، لا يوجد ما هــــو في مقـــام الدم الفلسطيني المــــــراق، وفي التعارضات بين من يحكم ولا يحــكم، لا يوجد ما يستأهل اراقة دماء فلسطيني واحد، والمشكلة ان كلا من فتح وحماس تهرعان الي انظمة عربية مسؤولة، لاستلهام النصح والرشاد.. في الوقت الذي تنوء هذه الانظمة، بأحمال المسؤولين عما وصل اليه الوضع الفلسطيني لدرجة الضياع. اما المبادرة العربية فهي موضع لجلجة من حماس، وتكتيك احراج من فتح.. فلا سبيل الي العودة لحوار الداخل، فلئن اعترفت حماس باسرائيل ام لم تعترف، ولئن بقيت منظمة التحرير علي رأس السلطة، ام لم تبق، فان الدماء الفلسطينية ليست مشـــاعا لتفارق نوايا او زوايا نظر، خاضعة لظروف وشـــروط المرحــــلية، التي قد تنقلب تحت وطــــأة الامـــر الواقع، الي ضدها في المستقبل، ولعل اسوأ ما في الفتنة، هو اقتتالها عدة ؟، ففلســــطين من البـــحر الي النهر، خطاب جماهيري يحظي بكامل الشعبية، لكن وقــــائع المرحلة لا تعززه، وفتح قبل اربعين عاما كانت حماس اليوم، اما التهافت السلطوي، بجزع اليأس او اقتناص الغنيمة، فانه لا يخدم استرداد الدولة المستقلة وحق العــــودة، ولا يري الشعب الفلسطيني، ما بين شيوع المزايدة وصوت المناقصة، الا صـــوتا من اصـــوات الشطارات البينية، في طلب استحــواذ القرار السلطوي ليس اكثر، فالنضال القائم علي الوحدة الوطنية، هو الاساس، اما السلطة فقد نظر اليها الشعب كنواة لدولة محررة في المستقبل، فاذا كانت السلطة هي رافعة الشقاق، فان الشعب بغني عنها، سواء كانت حماسية ام فتحاوية، ففلسطين عاشت تاريخها الطويل، وهي ولاية من ولايات دولة عربية او اسلامية اكبر، ومن هنا الي يوم التحرير، فان الدولة تكون ناتج تحرير وليست سابقة عليه، اما دول المنافي لحركات التحرر، فلا مكان لها في دول الامة الواحدة، الا ما رحم ربك!هناك منزلة بين منزلتين، في اطار النزاع غير المعقول اليوم، ولا نخال شعب فلسطين جاهلا بها، فهي ببساطة الوحدة الوطنية حسب وثيقة الوفاق، اي انها، الحكومة التي تشارك فيها جميع الفصائل والكفاءات في ضوء المحددات السياسية التي اتفقت عليها حماس وفتح، فيما الاولي (حماس) تراجعت عنها، والثانية (فتح) لم تعد متحمسة لها، وهو ما يشي بالانحدار نحو تحازبات تريد الاحتكام للغرائز لا للعقل، وربما بايماءات خارجية عربية او غير عربية، ففي جدلية العلاقة بين القضية الفلسطينية وانظمة الحكم العربية، هناك ما يدعو للمماثلة مع خط تطور التاريخ، فصعود الامة كان من صعود القضية الفلسطينية، فيما تبقي العلاقة الراجعة بالنكوص، واحدة من اهم علامات ضياع المسيرة الفلسطينية، وهكذا ليرث شعب الداخل الفلسطيني وحده، منازلة اسرائيل النووية، فيما لا تجد امة ثلاثمئة مليون، اكثر من شقاء التفرج والدعاء! ففلسطين معلقة اليوم، في عنق شعب داخلي صغير واعزل، فلا حماس ولا فتح ولا الاعتراف او رفضه، ولا التشريعي ولا المنظمة.. قادرة ذاتيا علي تحقيق التحرير، دون العودة الي الربط، فالصراع العربي ـ الاسرائيلي تاريخيا، ظل يقوم بسبب فلسطين ومصير شعبها، اما تخفيض المستوي، من صراع عربي ـ اسرائيلي الي صراع فلسطيني ـ اسرائيلي فهو المؤامرة بذاتها، فمن جهة ارتاح النظام العربي من مهمة وبيلة، بل وافصح عن مهارات لغوية في التنمية وطلب الرفاهية، ومن جهة اخري، فان الفلسطينيين يقلعون اشواكهم بأيديهم.. وهذا هو مشهد السراب الذي يقتتل عليه الاخوة، دون امل من هدف قريب او بعيد. اما المقاومة، باستثناء المقاومة العراقية فقد انخفض ايقاعها الي ادني مستوي لها، فقد باتت علي ورق الخطاب، باكثر منها في الميادين الكفاحية.ومن يراجع العمليات الفعلية المؤثرة ضد اسرائيل، يلمس استشراف الموقف في الشعار، فحماس بصفتها حكومة، لم تعد تجرؤ علي اعلان المسؤولية عن عملية يقوم بها فدائيو القسام، وفتح عالقة بين التهدئة الرئاسية، ونفور شهداء الاقصي منها، اما ستاتيكية الموقف بين لا حرب ولا سلام، فيغذي وضع الخيبة في التناحر، وفي مثل هذا الوضع بين الضدين، الرئاسة والحكومة، مع التنازع علي الصلاحيات، فان شعب فلسطين يدفع ثمنا اضافيا ومجانيا يعيد الي الاذهان واقعة داحس والغبراء، فيما تصفق اسرائيل للمشهد. لم يبق امام فلسطينيي الداخل، قبل ان تنتقل العدوي الي الشتات، سوي الاستفتاء علي المخرج فاما برنامج منظمة التحرير، او برنامج حماس هكذا ودون الحاجة الي تفاصيل، وعلي الاطراف قبول النتائج مهما كانت، حيث يتنحي الخاسر للرابح، والا فانه الضياع الاخير لقضية شغلت الامة قرنا من الزمن، لكنه الضياع من داخله، دون حاجة لمؤامرات خارجية عليه.كاتب من فلسطين يقيم في سورية8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية