من ينتشل العراق من وحل الاحتلال والاحتراب الطائفي؟

حجم الخط
0

من ينتشل العراق من وحل الاحتلال والاحتراب الطائفي؟

د. سعيد الشهابيمن ينتشل العراق من وحل الاحتلال والاحتراب الطائفي؟قد لا يكون التقرير الامريكي الذي صدر الاسبوع الماضي ونشرته مجلة لانسيت الطبية البريطانية حول عدد القتلي العراقيين منذ الحرب الانغلو ـ أمريكية دقيقا في ارقامه، ولكنه مؤشر خطير جدا للوضع الأمني المتدهور في العراق. التقرير يقول ان حوالي 655 الفا من العراقيين قتلوا في الاربعين شهرا الماضية، وهو ما يعادل 13.3 بالمائة من سكان ذلك البلد. التقرير يقول ايضا ان 601 الف قتلوا في اعمال العنف المتواصلة، بينما توفي 54 الفا منهم نتيجة المرض والتدمير الذي لحق بالمنشآت المدنية كالمستشفيات. ضحايا العنف لقوا حتفهم اما بالرصاص او الضربات الجوية من قبل القوات الامريكية او بالسيارات المفخخة والعمليات الانتحارية. التقرير قام علي اساس دراسة مولها مركز الدراسات الدولية التابع لمعهد ماسشيوستس للتكنولوجيا في واشنطن، وقام بها أطباء متخصصون في علم الأوبئة من جامعة جون هوبكينز. الدراسة لم تجر احصاءات بالارقام المباشرة ولكنها اعتمدت طريقة العينات المجموعية ، اذ قامت بمقابلة 1800 عائلة، وفي حوالي 80 بالمائة من الحالات اطلعوا علي شهادات الوفاة.ولان التقرير خطير جدا، بادر السياسيون الغربيون للتشكيك بمصداقيته. فشكك الرئيس الامريكي، جورج بوش، في الطريقة التي اعتمدتها الدراسة التي نشر التقرير علي اساسها قائلا: ان الطريقة لا تحظي بمصداقية . وقال مكتب رئيس الوزراء البريطاني، توني بلير ان الارقام بعيدة عن تلك التي نعترف بها . اما الحكومة العراقية فقد اعتبرت ان الارقام مبالغ فيها. ومهما كانت نسبة الخطأ في تلك الدراسة فانها لا يمكن ان تكون بعيدة جدا عن الحقيقة، لأسباب عديدة: اولا انها صادرة عن مؤسسات علمية اكاديمية امريكية معروفة بتطورها العلمي وأساليبها العملية في الاحصاء، وثانيا ان تلك المؤسسات لا مصلحة لها في تضخيم الارقام، ثالثا انها اعتمدت وثائق رسمية كشهادات الوفاة للتوصل الي النتائج، ورابعها: ان الجهات التي قامت بالدراسة تصر علي دقتها. يقول جلبرت برنهام، عالم الامراض الوبائية بجامعة جون هوبكنز: اننا واثقون بالنتائج ، ويؤكد رونالد والدمان، عالم الامراض الوبائية بجامعة كولومبيا ان التقرير اعتمد طريقة خضعت للتجربة وجاءت بنتائج حقيقية… وان هذا هو افضل تقدير للوفيات متوفر لدينا . وخامسها: ان الدراسة شاملة وتغطي جوانب لا تتطرق لها الاحصاءات الرسمية عادة، مثل ضحايا غياب الرعاية الطبية الكافية وضحايا السلب والخطف، وهي عمليات تصاعدت في السنوات الثلاثة الماضية. عندما تختصر الازمة في العراق بحديث عن الارقام بعيدا عن الجوانب المعنوية والاخلاقية، فان ذلك يعكس ليس عمق الازمة التي يعيشها ذلك البلد المبتلي فحسب، بل يؤكد عمق المستنقع الاخلاقي الذي انغمس فيه التحالف الانغلوـ أمريكي. البعض يعتبر ما يجري حرب ابادة يحمل ذلك التحالف غير المقدس المسؤولية الكاملة عنه، ويدعو الي محاكمة زعيمي البلدين بتهم ارتكاب جرائم حرب. اما المحللون السياسيون فيذهبون الي أبعد من ذلك، ويعتبرون ان استمرار العالم تحت وطأة القطب الواحد يعرض أمن العالم الي مخاطر لن تقف عند ما يجري في العراق، بل سيتعداه الي بلدان اخري، طالما تعمق ابتعاد هؤلاء الساسة عن القيم الاخلاقية ورفضهم الانصياع للمعايير الدولية التي تنظم العلاقات بين الدول، وتضع موازين الحرب والسلام، وتنظم معاملة الاسري. وما يزيد المشكلة تعقيدا كذلك ان الولايات المتحدة الامريكية لا تعتزم الرحيل عن العراق في المستقبل القريب، بل تسعي للبقاء لاكثر من اربعة اعوام قادمة. رئيس اركان الجيش الامريكي، بيتر شوماكر قال للصحافيين الاسبوع الماضي: لا اعرف ما سيحدث، ولكن اقول لكم اننا ننظر الي قواتنا وكيف نواصل تدوير القوات (بمستواها الحالي) لما بعد الآن، اي لما بعد 2010 . تصريح المسؤول العسكري الامريكي يتناقض تماماً مع ما قاله القائد الجديد للقوات البريطانية في العراق. ففي مقابلة له مع صحيفة ديلي ميل الاسبوع الماضي، قال الجنرال ريتشارد دانات ان علي القوات العسكرية البريطانية ان نخرج في وقت قريب لان بقاءنا يؤجج القضايا الامنية … فمهما كان هناك من موافقة من قبل الشعب العراقي علي دخولنا في البداية، فانه قد تحول الآن الي عدم تحمل . ووصف سياسات رئيس وزراء بلاده بانها ساذجة . ويعتبر أمرا نادرا ان يدلي مسؤول عسكري كبير بتصريحات سياسية متناقضة مع سياسات حكومته. ولكن هذه التصريحات تؤكد تعمق الشعور بصعوبة الوضع العراقي الذي تحول الي مستنقع غاصت قوات الاحتلال في اوحاله. القادة العسكريون للتحالف الانجلو ـ أمريكي بدأوا يشعرون بخطر الوضع ليس علي العراقيين فحسب، بل علي جنودهم ايضا. فقد قتل حتي الآن اكثر من 2750 جنديا امريكيا في الاربعين شهرا الماضية، ويستمر تصاعد سقوطهم بمعدل شهري يبلغ احيانا الستين. ولكن هذا العدد لا يقارن بمئات الآلاف من العراقيين الذين فقدوا حياتهم في الفترة نفسها، وبالتالي فهناك سؤال مهم: لماذا استهداف العراقيين؟ من الذي يقوم بذلك؟ وما الموقف من قتل المدنيين الابرياء؟ لا شك ان قوات التحالف الأنغلو ـ أمريكي ارتكبت جرائم حرب ضد ابناء العراق، ولكن من الذي سيحاسبهم علي تلك الجرائم؟ من الذي سيقتص للارواح البريئة التي أزهقت؟ خصوصا مع استمرار الرفض الامريكي للتوقيع علي اتفاقية المحكمة الجنائية الدولية المخولة بالنظر في تلك القضايا. ان انسحاب قوات الاحتلال أمر مطلوب عراقيا علي كافة المستويات، واذا كان السياسيون (من الشيعة والسنة) يطالبون ببقاء القوات حتي يستتب الامن، وحتي يتحقق توازن في الحياة السياسية والخدمية العراقية، فان هذا البقاء اصبح عبئا علي الجميع. وتجدر الاشارة هنا الي ان هناك حلقة مفرغة من الجدل حول العنف واسبابه. فالداعون الي رحيل قوات الاحتلال ينطلقون علي اساس ان وجودها في ارض الرافدين من اهم اسباب التوتر والعنف والارهاب، وان رحيلها سوف يزيل السبب المباشر المعلن للمجموعات التي تمارس العنف بعنوان المقاومة . اما المطالبون ببقائها فيرون في ذلك البقاء حماية للامن من المجموعات المسلحة. مشكلة تلك المجموعات انها اصبحت تستهدف العراقيين انفسهم وتمارس اعمال الارهاب التي لا تعرف حدودا، من خلال العمليات الانتحارية والسيارات المفخخة التي تقتل اكثر من 100 شخص يوميا، وهو معدل مخيف جدا. واعلان الحرب الطائفية من قبل بعض المجموعات ادي الي العنف المتبادل الذي لم يعد محكوما بمنطق او شرع او قانون، بل اصبح قتلا علي الهوية بين الفرقاء. وهكذا اصبحت القضية تزداد تعقيدا، فمع تصاعد اعمال العنف الطائفي تتشبث الاطراف السياسية بالقوات المحتلة، الامر الذي يوفر مادة اعلامية للمجموعات المسلحة التي تنطلق علي اساس مقاومة الاحتلال. فأين تنتهي هذه الحلقة المفرغة من الجدل ما دامت اطرافها تنطلق في مواقفها علي اسس متناقضة تماما؟ الواضح في هذا الجانب فشل الامتين العربية والاسلامية في القيام بدور فاعل لوقف دائرة العنف في العراق، البلد العربي الكبير القادر علي ان يتصدر العمل العربي المشترك ويوفر درعا واقيا للامة. هذه الحالة من اللامبالاة تؤسس لقتل الضمير العربي المسلم وتبرير القتل الطائفي المتبادل. ومن الضروري اذن ان تكون هناك مواقف اسلامية واضحة مما يجري من قتل علي الهوية، وفي هذا الجانب لا يجدي البحث عن الهوية المذهبية للقتلة، فهناك سنة يقتلون الشيعة، وهناك شيعة يقتلون السنة، ولا داعي للدخول في تفصيلات اعمال القتل هذه لانها غير مبررة، مهما كانت دوافعها. فهي فتنة في كل الاحوال، لا تميز بين البريء والمذنب، بل تستهدف الجميع. وهنا يطرح نقاش آخر، وهو ان هذا القتل انما سببه الاحتلال، ويفترض ان انتهاء الاحتلال سوف ينهي الازمة الطائفية. وهو امر لا يمكن افتراضه والبناء عليه. ومن خلال النقاشات التي تدور احيانا في الغرف المغلقة بين المعنيين بشأن الامة، تتضح هذه المفارقة بشكل جلي، اذ يتشبث البعض بعدم جدوي التدخل ما دام الاحتلال قائما. المشكلة ان هذا الاحتلال لم يأت بطلب العراقيين، بل جاء وفق اجندة خاصة لم تعلن تفصيلاتها، وان كانت واضحة لدي البعض. كما ان رحيله لا ينتظر طلبا من العراقيين، خصوصا في ضوء التصريحات التي تؤكد عزمه علي البقاء فترة غير محددة، وفي ضوء التجهيزات التي يمارسها كبناء القواعد العملاقة، وبناء أكبر سفارة امريكية في العالم. النقاش ازاء هذه المشكلة ذو شقين اذن: احدهما يدعو الي انتهاء الاحتلال كشرط لوقف الاقتتال الداخلي، والآخر يدعو لوقف ذلك الاقتتال، كشرط لتوحيد الموقف ضد الاحتلال. ويخطئ من يعتقد ان الشيعة يريدون بقاء الاحتلال، او يستقوون به، فهناك مجموعات من كافة الاطراف تطالب ببقاء الاحتلال حتي يتم ترتيب التوازن الداخلي، ومجموعات تطالب بانهاء الاحتلال فورا. الحكومة العراقية نفسها تشعر بثقل وطأة الاحتلال، ودوره في افشال مهماتها لاحلال الامــــن في البلاد. فمثلا عندما أصدرت المحكمة الجنائية الاسبوع الماضي حكما بسجن أيمن السامرائي وزير الكهربــــاء في حكومة أياد علاوي، لمدة عامين بتهمة الاهمال واهدار المال العام، طالبت السفارة الامريكية باطلاق سراحه، ثم سمحت له بالبقاء لديها بدعوي انه يحمل الجنسية الامريكية. المطلوب موقف عربي اسلامي عام يؤكد عددا من الثوابت، ويدعو العراقيين للاتفاق عليها: اولها تحريم هدر دماء الابرياء بدون قيد او شرط، وتحريم القتل علي الهوية، سواء من قبل المجموعات المسلحة التي تواصل حربها الطائفية، ام الميليشيات التي تستهدف الآخرين علي اساس الهوية ايضا. ثانيا اقرار مقاومة الاحتلال بكافة السبل التي تسمح بها الشرائع الدولية والقيم الاسلامية، وان من حق اي عراقي ممارسة ما يراه من وسائل لمقاومة الاحتلال. ثالثا دعوة العراقيين الي التخلي عن روح الضغينة في ما بينهم، ومد الجسور في اوساطهم، علي امل التوصل الي توافق وطني عام يؤكد حق الجميع في المشاركة السياسية، علي قدم المساواة، وفقا لمبدأ لكل مواطن صوت واعتبار صناديق الاقتراع الفيصل، رابعا تطوير الدستور العراقي بشكل يؤكد عددا من المبادئ: أولها تكريس مفهوم المساواة بين ابناء الوطن الواحد، وثانيها اقامة نظام ديمقراطي علي اساس ان لكل مواطن صوتا، وثالثها ضمان كافة الحقوق الانسانية للاقليات، ورابعها، التأكيد علي ضرورة تحقيق الوحدة الوطنية في ظل نظام سياسي يحافظ علي وحدة العراق، ويمنع تفتيته. ان من الخطأ الكبير الانسياق مع اجندة الاحتلال او التكفير او دعم مقولة الفوضي الخلاقة التي تخلط الاوراق والمفاهيم، وتقتل البريء قبل المذنب، وتلجأ الي القوة كأساس لحسم الخلافات السياسية والايديولوجية. ان الصراع الدائر في العراق سياسي بالدرجة الاولي. واذا كان الخلاف السياسي امرا متوقعا في المجتمعات المتعددة الثقافات والاعراق، فان اضفاء الصبغة الدينية عليه يزيده تعقيدا، ويحوله الي فتنة لا يستفيد منها احد من الفرقاء. ولطالما كرر العراقيون انفسهم انهم تعايشوا في ما بينهم كشعب واحد، يتزاوجون ويتعاونون، بدون ان تكون الخصوصيات المذهبية سببا للاحتراب، وعبروا عن استغرابهم لما آل اليه امرهم. لم يعد سرا القول بان العراق اصبح مستهدفا بالاضطراب الامني والسياسي لمنعه من النهوض بعد ما يقرب من العقود الثلاثة من الانشغال بالحروب الاقليمية في السابق والاضطراب السياسي والعسكري والطائفي حاضرا. انه مستهدف في وضعه المجتمعي، وفي عقوله المفكرة (تعرض للاغتيال حتي الآن أكثر من ألف من علماء الطبيعة والدين) وفي نسيجه الديني وعلاقاته الاقليمية. واذا كانت الحرب قد شنت عليه بدعوي امتلاكه أسلحة الدمار الشامل، فان تلك الحرب ما تزال تستهدف سيادته ومكانته وثرواته وسلمه الاجتماعي. ومع تواصل اعمال القتل والعنف، فلا مجال الا للتفاؤل بامكان التوصل الي صيغ للتعايش وفق الاطر المذكورة. ان هناك الآن فرصة لحوار جاد في مكة المكرمة، تستحق الدعم من قبل القوي الاقليمية، الحكومية والشعبية، لمنع تحول العراق الي مقبرة للوئام والحب والتلاحم والتعايش بين ابناء الملة الواحدة، بعيدا عن الحسابات السياسية والمذهبية، بملاحظة دعمه في مواجهة الاحتلال الذي ما يزال العامل الأهم في حالة الاحتقان التي يعيشها العراق اليوم. فحريق العراق، ان لم يطفأ، سوف يخترق الحدود ويعم المنطقة، وهو أمر كارثي لا يريده أحد.9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية