البراءة!

حجم الخط
0

رشاد أبوشاور

البراءة!

لست أكتب عن قصيدة (البراءة) المكتوبة بلهجة شعبية عراقيّة (جنوبيّة)، والتي عادت بالشهرة علي الشاعر مظفّر النوّاب، بعد أن تلقفها يساريو الوطن العربي وجعلوها نشيد ثباتهم. كنّا نسمع قصائد مظفّر المغرقة في لهجة شعبيّة محليّة جدّاً، فنلجأ لأصدقائنا العراقيين الكثيرين في (الفاكهاني) (ليفصّحوها) لنا، فنتذوّقها، ونرددها، ويتباري بعضنا في إلقائها بلهجتها العراقيّة، وبطريقة مظفّر الكربلائية المسرحيّة، وكان الشاعر أحمد دحبور هو الأبرع، والذي مع المران، وكثرة زياراته (المربديّة) للعراق، وعمق مودّته لمظفر، تجاوز مرحلة التقليد، وصار نسخةً عراقيّةً بنكهة فلسطينيّة، ولا أدري إن كان في (غزّة) ينوح بأشعار مظفّر، أو يكتب شعراً يناسب (كربلائيّة) المشهد الفلسطيني حيث يقتل الفلسطينيّون بالصواريخ (الإسرائيليّة)، ولا يقصّرون في قتل بعضهم فكأن مأســـاة قابيل وهابيل تتجسّد من جديد علي رمال غزّة. البراءة التي أعنيها غير براءة المناضل (الشيوعي) في قصيدة مظفّر، التي رفضت فيها الأم أن تري ابنها يخون رفاقه، وهددته بأنها ستقطع ثديها الذي أرضعه إن هو فعل. أتحدّث عن تلويح السيّد مقتدي الصدر (ببراءة) ناقصة، ومتأخّرة، ومتردّدة، الذي راهن عليه كثير من العرب والمسلمين، بأنه سيكون صاحب دور في إنقاذ العراق من شبح حرب طائفيّة تغطّي جرائم الاحتلال الأمريكي، وتوّحيد الصفوف في مقاومة تحرر العراق وشعبه ومجتمعه المتعدد الأعراق والطوائف، وتبني له مستقبلاً عادلاً، تتحقق فيه الأخوة والمساواة، وتصان فيه الهويّة والانتماء. السيّد مقتدي للأسف فشل حتي اللحظة في تحقيق الرهان، وجيشه الذي يحمل اسم جيش (المهدي) ضلّ الطريق عندما عمل ذبحاً في فلسطينيي (العراق) عقاباً لهم علي عروبتهم، وبزّ بوحشية جرائمه من اختطاف وقتل للفلسطينيين في حي (البلديّات) وغيره في بغداد، ما اقترفه طابور (فيلق بدر) ومجرمو الجماعات التي عادت من ملجأها في إيران بالرضي الأمريكي، وعاثت قتلاً وتخريباً ونهباً وحرقاً. في بيان صدر عن السيّد مقتدي الصدر ممهور بخاتمه، جاء فيه: شاع بأن هناك مجموعات، أو أفراداً، من جيش (المهدي) تعتدي علي الشعب العراقي بغير حّق، ولا كتاب منير، وإن كان لم يثبت ذلك إلاّ أنه إذا ثبت فإنني سأذيع الأسماء وأتبرّأ منها دون خوف ولا وجل. إن المفسد لا يمكن أن يتستّر بالحّق، وعنوان جيش الإمام المهدي عنوان حّق. السيّد مقتدي منح تقديراً كبيراً من أصحاب رأي في الوطن العربي، يتمتعون بقيمة فكرية ووطنيّة، أملاً بأن يتمايز عن (فيلق بدر) وحاقدي (الدعوة) المنغلقين العنصريين، وأفّاقي شعارات الديمقراطيّة الذين مع المارينز استباحوا (بغداد)، ودمّروا منهجيّاً كل جوانب الثقافة في العراق تحقيقاً لنبوءة عصابة البيت الأبيض بإرجاع العراق إلي العصر الحجري، وفاتهم أن العراق المقاوم سينهض من تحت الخراب في (بغداد) المعتصم العريقة، وفي (الفلّوجة) و(الرمادي ) و(بعقوبة) و(سامرّاء) و(الحلّة) و(القائم ) و… السيّد مقتدي تاه طويلاً عن دور كان سيمنحه موقعاً يضاهي السيّد حسن نصر الله الذي رفعت الجماهير العربيّة صوره في قلب (الأزهر الشريف)، ومدن ومخيمات وقري فلسطين، وبلدان الخليج العربي، والمغرب العربي، السنّة قبل الشيعة، لأنه لم يخض معركته مع العدو منطلقاً من مصالح طائفة، ولكنه رفع راية أمّة، وعنوانها: فلسطين. .. كيف يقيم السيّد مقتدي في بغداد (المعتصم)، التي لبّي منها ذلك الخليفة العبّاسي صيحة استغاثة إمرأة عربية اعتدي عليها جيش الروم في أحد الثغور فجيّش الجيوش، وهو علي مبعدة مئات الأمتار من حي (البلديات) ولا يضّج سمعه باستغاثات الفلسطينيّات المفجوعات بقتل الأزواج، والأبناء، والأخوة، و.. بسلاح أفراد (جيش المهدي)؟!

هنا الفرق بين رؤية السيّد حسن، وترفّعه علي (الطائفيّة) وحرصه علي وحدة (المسلمين)، وانتمائه للعروبة أمّةً، وثقافةً، وروحاً، فلا تكون الطائفة نقيضاً للأمة، ولكنها تغني حياتها، وتصون أمنها، وتعلي من شأن كرامتها، ولا تضّن عليها بتضحياتها. من البيان استشففت أن هناك من يضللك يا سيّد مقتدي، وآمل أن الأمر كذلك، وأن تلوّح بالتبرّؤ مّمن يعتدي علي الشعب العراقي بغير حّق وبغير كتاب (منير) فهذا غير كاف، فكأنك تقول بأن ما اقترف إن هي إلاّ أعمال فرديّة مشكوك بها، أو هي تجاوزات من مدسوسين، ويا خوفي أن يكون المدسوسون هم أصحاب قرار، يأخذونكم وجيش المهدي في طريق غير طريق المقاومة، التي رأيت إلي أين أوصلت حزب الله في لبنان، وماذا منحت قيادته، وأي موقع بوّأته!

أنت رجل دين، وأنت مواطن عراقي (عربي)، الست كذلك؟

، وأنت سمعت بإبادة 650000 مواطن عراقي، وهو رقم يعادل سكّان دولة البحرين المعترف بها في الأمم المتحدة! إنها (محرقة) عنصريّة يا سيّد مقتدي، محرقة للعنصر العربي تحديداً، أم أنكم لا ترون ولا تسمعون؟!. ليس الأمر أنك سا.. تتبرّأ مّمن يعتدي علي الشعب العراقي بغير حّق أو (كتاب منير)! ، فرأس الأمر أن جيش المهدي، أو غيره لا يكون وطنياً إلاّ بدفاعه عن العراق وشعب العراق، أي بسلوك طريق المقاومة. .. المقاومة يا سيّد مقتدي هي التي دفعت رئيس أركان الجيوش البريطانيّة (ريتشارد دانيت) للاعتراف بأن بقاء القوّات البريطانيّة في العراق يفاقم من المشاكل الأمنيّة، وطلب سحب تلك القوّات، فهل لجيش المهدي دور في هزيمة بريطانيا وأمريكا علي أرض العراق، أم أن قتل العراقيين، والعرب الفلسطينيين، هو إطالة لأمد الاحتلال، وتمكين لمن يقسّمونه، وتغطية لمحرقة القرن الحادي والعشرين التي حصدت حتي الآن 650000 عراقي؟!

العراق، والأمّة، وفلسطين منحتك فرصة تاريخيّة بأن تكون بطلاً تاريخيّاً كالسيّد حسن نصر الله، والوقت وإن تأخّر، وآثام جيش المهدي، لا تغلق باب الالتحاق بالمقاومة العراقيّة المظفرّة.

صديقنا مظفّر النواب أخطأ عندما شارك بوضع ورقة في الاقتراع لانتخاب برلمان عراقي بديمقراطية الاحتلال، واستحّق اللوم، ولكنه كتب قصيدة (كهرمان) انحيازاً للمقاومة اللبنانيّة، وهو يرقد علي سرير المرض، فغفر له من لاموه، فحتي الشاعر الكبير الثوري التبس عليه الأمر وسقط في هوّة الطائفيّة! يا سيّد مقتدي: العراق هو الذي (يتبرّأ) مّمن لا يقاومون الاحتلال الأمريكي مقترف (محرقة) الـ650000 التي تفوّق بها بوش الصغير علي هولاكو، وحتّي علي سلفه (ترومان) حارق (هيروشيما) و(ناغازاكي) بالقنابل الذريّة…

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية