الأبعاد السياسية لأزمة النقاب في بريطانيا

حجم الخط
0

الأبعاد السياسية لأزمة النقاب في بريطانيا

د. يوسف نور عوضالأبعاد السياسية لأزمة النقاب في بريطانياما زالت قضية ارتداء النقاب تتفاعل في المجتمع البريطاني وتأخذ حيزا في الصحافة البريطانية، وعلي الرغم مما ذكره وزير الداخلية في حكومة الظل ديفيد ديفيز بأنه يجب أن يكون هناك حوار حول هذه المسألة من أجل تأمين حرية التعبير التي يري أنها أنتجت واحدا من أعظم المجتمعات الانسانية في التاريخ فالملاحظ هو أن معظم ما يكتب في الصحف البريطانية يسير في اتجاه واحد ولكن ما يثير التساؤل هو لماذا اختيرت قضية النقاب بالذات؟ هل لأنها ذات أبعاد اجتماعية؟ الاجابة هي أن قضية النقاب ليست قضية المجتمع البريطاني وحده فهي أيضا تثار في المجتمعات العربية والاسلامية ويختلف الفقهاء حولها ولكن اثارتها في تلك المجتمعات لم تولد ضراوة النقد الذي بدأ يظهر في الصحافة البريطانية وذلك ما يجعلنا نقبل ما قاله ديفيد ديفيز من أن اثارة موضوع النقاب تم ببراعة من قبل وزير الشؤون البرلمانية جاك سترو الذي اختار موضوعا صغيرا ليسلط عليه الضوء ليكون منفذا الي موضوع أكبر هو موضوع الارهاب الذي يولده التطرف الاسلامي في نظر الكثيرين في بريطانيا، وهنا مربط الفرس والمجال الذي يخضع للمناقشة لأنه من الجائز أن نقبل بعض النقد الذي يوجه الي ارتداء النقاب والحاجة الاجتماعية لازالته ولكن ليس من السهل أن نقبل الربط المباشر بين النقاب والارهاب في بريطانيا أو في أي مجتمع غربي آخر، وذلك ما يجعلنا نري أن قضية الحجاب أقحمت من أجل هدف أكبر من الممكن أن يكون هو تصعيد الحملة ضد المسلمين في المجتمعات الغربية ومن الممكن أن يكون رغبة من الحكومة في صرف النظر عن قضايا أكثر سخونة والحاحا والتوجه نحو قضايا جانبية ولكنها قد تستقطب اهتمام الكثيرين علي الرغم من خطورة اثارتها بكون الأسلوب المتبع في الاثارة لا يحقق السلام المنشود بل قد يدعو الي مزيد من القلق، وما يؤكد أن الأمر تجاوز حدود البعد الاجتماعي للقضية هو التطورات التي أعقبت اثارتها وخاصة من الجوانب الرسمية كما سنرصدها في ما يلي من حديث.وكما هو معروف فقد ذهب جاك سترو الي القول بأنه ظل يطلب من النساء اللائي يزرنه في مكتب دائرته في بلاكبيرن لمساعدتهن في قضاء حاجاتهن بضرورة خلع النقاب وقال لقد استجابت الكثيرات لمطلبه ووافقن علي وجهة نظره ولكن الأمر اتخذ مظهرا آخر عندما قامت احدي المدارس بوقف المدرسة عائشة عزمي عن العمل لأن النقاب يحول بينها وبين تلاميذها وقد رأت عائشة أن تتقدم الي محكمة العمل لعرض قضيتها وقد جاءت المفاجأة من وزير العلاقات العنصرية فيل والاس الذي لم يكتف بقرار الوقف بل طالب المدرسة بأن تفصل عائشة من عملها. وحدث تطور آخر في كلية الطب في جامعة برمنجهام حيث أمرت ادارة الجامعة الطالبات بعدم لبس النقاب في بيئة المستشفيات وان لم تعترض علي عملية تغطية الرأس وكانت امبريال كولدج قد منعت حتي غطاء الرأس بعد تفجيرات السابع من تموز/ يوليو ولم يصدر المجلس الطبي البريطاني تعليمات واضحة في هذا الخصوص ولكنه حذر من الأخطار التي تترتب علي ارتداء النقاب. وكان من الممكن أن يمر موقف جامعة برمنجهام علي أنه أمر يخص ادارة هذه الجامعة ولكن وزير التعليم العالي دبيل راميل طالب بأن توحد الجامعات موقفها بشأن منع ارتداء النقاب. وأيد في الوقت ذاته ما ذهبت اليه جامعة برمنجهام وذهبت صحيفة الديلي اكسبريس الي القول بأنه طلب من أساتذة الجامعات التجسس علي طلابهم والتبليغ عن كل من يعتقدون أن له ميولا ارهابية وذكرت الصحيفة أن الحكومة تعتقد أن الجامعات هي البيئة التي تفرخ الارهابيين وذلك بسبب نشاط قادة التطرف بين طلابها وقد رفض واكاس خان رئيس اتحاد الجمعيات الطلابية الاسلامية هذا الادعاء وقال انه بمثابة القول انك مذنب حتي تثبت براءتك. وقد ذهبت صحيفة الديلي ميرور الي القول بان هناك نية لعمل خريطة لما يعرف بالمناطق الساخنة للتطرف وقد طلب الي الشرطة أن تحدد الجامعات والمدارس والمساجد التي تعتبر بؤرا ساخنة لتفريخ الارهاب وقالت وزيرة المجتمعات روث كيلي ان الارهاب هو المشكلة الأولي التي تواجهها بريطانيا وأنها قررت مخاطبة عشرين من رؤساء المجالس في هذا الشأن وقالت الوزيرة ان العالم تغير بعد الحادي عشر من سبتمبر والسابع من تموز (يوليو) ويجب علي بريطانيا كذلك أن تتغير مع هذا الواقع وألا تتقاعس، ورأي بعض الوزراء أن تحديد المناطق الساخنة يمكن المساجد من توجيه ارشاداتها الايجابية لتمتين العلاقات الاجتماعية بين المسلمين وغيرهم وقد دعا هؤلاء الي تنظيم برامج في المدارس والجامعات تدعو الي القيم المشتركة التي توحد أفراد المجتمع. وذهبت الوزيرة تسا جاول الي أن النقاب هو رمز لخضوع المرآة للرجل.ولا يمكن بالطبع في هذا السرد تجاوز رأي وزير الداخلية في حكومة الظل ديفيد ديفيز الذي في حال فوز المحافظين في الانتخابات المقبلة سيكون المسؤول عن تنفيذ السياسة الداخلية، فقد ذهب الرجل في مقاله الذي كتبه في صحيفة الصنداي تلغراف الي أن غضب المسلمين مما كتبه سترو لا يعني أنه كان علي خطأ. ولكنه لامه لأنه لم يطالب الحكومة والبرلمان بتشريع يمنع ارتداء النقاب ورأي في النقاب رمزا لاثارة قضية أكبر هي قضية الارهاب في بريطانيا وتساءل هل بريطانيا تريد مجتمعا موحدا أم مجتمعا مقسما يشجع الفصل العنصري الاختياري؟ وذهب الي أن المسلمين في بريطانيا حساسون للنقد وغير مستعدين للدخول في حوار بناء مع الآخرين. وفي الوقت ذاته يريد قادة المسلمين الحماية ضد ما يوجه لهم من نقد أو سخرية.ورأي أن الحكومة لا تفعل شيئا ازاء هذا الموقف وقد تركت المظاهرات تجوب شوارع لندن بعد نشر الصور المسيئة وتدعو الي استخدام العنف كما تقاعست في تقديم أبوحمزة المصري للمحاكمة علي مدي سنوات وذهبت الي حد محاولة اصدار تشريع يحض علي عدم الكراهية الدينية وهو تشريع أفشلته المعارضة واستبدلته بقانون أقل قوة. وعلي الرغم من هذا الموقف فقد طالب ديفيد ديفيز بحوار هو الذي كان في نظره الأساس في انتاج واحد من أعظم المجتمعات الانسانية.وكما نري فان الحوار الذي يطالب به الوزير يواجه صعوبة بسبب المواقف الأحادية ومحاولة منع القوانين التي تعامل جميع الأديان علي قدم المساواة. واذا أردنا أن نستجمع ما ذكرناه سابقا للخلوص الي رؤية شاملة سنجد أن قضية النقاب أثيرت لأغراض تتعلق بأهداف سياسية أخري هي التي برزت عند وزراء الحكومة وأقطاب المعارضة والصحافيين وغيرهم وهي للأسف موجهة جميعها ضد المسلمين الذين هم جزء لا يتجزأ من المجتمع البريطاني. فنحن لا ننكر أن جماعات اسلامية قامت بتفجيرات لندن ولكن ذلك لا يدمغ مليونا ونصف المليون بريطاني من المسلمين بأنهم ارهابيون أو أنهم يريدون الحاق الأذي بالمجتمع البريطاني بكون معظم هؤلاء المسلمين ولدوا في بريطانيا ولا يعرفون لأنفسهم وطنا غيرها. وهم جزء لا يتجزأ من نسيج المجتمع البريطاني ولا يقلون في ثقافتهم عن أي بريطاني بالعنصر ومن غير الموضوعي أن يصنف البريطاني بحسب ديانته أو عنصره علي أنه مختلف من الآخرين، واذا نظرنا الي القاعدة التي قام عليها المجتمع البريطاني الحديث فسنجد أنها قاعدة المجتمع المتعدد الأعراق والثقافات وهي القاعدة التي جعلت بريطانيا متميزة علي سائر المجتمعات في العالم الغربي وتعني هذه القاعدة أن كل فرد حر في ما يعتقد بشرط أن يدرك وان يقبل بأن يكون الوطن للجميع. وبالتالي فان ما دعا اليه ديفيد ديفيز من حوار لا يبدو ظاهرا من منطقه فهو قد أراد أن يسجل نقطة لصالحه علي الرغم من أن معظم حديثه كان موجها ضد ما سماه الارهاب الاسلامي. ولكن هذه النقطة قد ضاعت في زحمة الاملاءات التي أراد أن يفرضها هو وغيره علي أفراد المجتمع المسلم. ولا شك أن هذا المجتمع المسلم يجد نفسه الآن في موقع الدفاع أمام آراء لا تريد أن تفرق بين مواقف حفنة محدودة وبين مواقف المسلمين بعامة. وهنا مكمن الخطر وهو الأمر الذي يجب أن يلتفت اليه الجميع ولا تكمن خطورة هذا الموقف في ردود فعل المجتمع المسلم بل في ردود أفعال غيرهم الذين قد يصدقون ما يكتب لهم ويعتبرون أن جميع المسلمين في بريطانيا من الأشرار الذين لا يريدون سلام المجتمع وذلك اتهام غير صحيح لأن المسلمين في بريطانيا مواطنون كغيرهم من المواطنين ويقدرون قيم الحرية التي يقوم عليها المجتمع البريطاني. ولكنهم يدركون في الوقت نفسه أن الكثيرين في داخل المجتمع البريطاني لا يلمون بثقافات الشعوب الأخري وبالتالي هم يصدقون ما يقال لهم ويصبحون ضحية سهلة للتحريض الذكي خاصة الذي ينطلق من دوافع سياسية، وفي رأيي أن المشكلة لا تكمن في الحوار بل في اثارة القضية أصلا لأنها قضية غير موجودة.9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية