رقص علي الماء لمحمود البياتي: عراقيون في منفي بعيد وبارد!

حجم الخط
0

حسين الكناني

صدر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت رواية بعنوان رقص علي الماء (أحلام وعرة) للكاتب العراقي المقيم في السويد محمود البياتي. 157 صفحة من القطع المتوسط، تزين غلاف الرواية لوحة لبيكاسو. تدور أحداث رواية رقص علي الماء في مدينة همركولان في السويد، وجميع شخصيات الرواية هم من المهاجرين والمنفيين واللاجئين، ومن الملاحظ أن هذه الشخصيات المختلفة والمتنوعة والتي جاءت من خارج السويد لتعيش في هذه المدينة الباردة والبعيدة، هي شخصيات حقيقية صنعتها أقدار سياسية وتاريخية واجتماعية وثقافية مختلفة، مثل الحروب، والاضطهاد السياسي، والملاحقات، والتمييز العنصري… لتختلط الهويات مع بعضها، والأجناس مع بعضها، وتتراكم تجارب جديدة، لتصبح تجارب عالمية.

أما شخصيات الرواية الأساسية فهي كالآتي: الراوي، وهو الشخصية الوحيدة التي علي وعي تام بالأحداث، وهي التي تقص الأحداث، وتوجه رؤيا السرد، أما الجزء الأساسي من تكوينه فهو هويته، ذلك أنه سياسي عراقي، كان ملاحقا في بلده، فهرب إلي الخارج، ثم عاش عشرين عاما في براغ، وحين يسرد الأحداث نعرف أن له أكثر من عشرة أعوام في السويد.

الشخصية الثانية هي شخصية غادة، وهي رسامة فلسطينية نجت من مذابح صبرا وشاتيلا، وتصور الرواية بعض تفاصيل حياتها ومعاناتها كفلسطينية، ذلك أنها ولدت في بيروت، في مخيم صبرا وشاتيلا، ثم عملت في مكتب هندسي في قبرص، وبعد ذلك استقرت في السويد بعد أن عملت في مكتب هندسي هناك.

الشخصية الرئيسية الثالثة هي شخصية سارة اليهودية، وهي مهاجرة قادمة من بولندا، إلا أن الرواية جعلت منها شخصية نمطية، شخصية يهودية نمطتها الرواية تبعا لمآل مسبق خاص برؤية عامة مصنوعة ومتكلفة، فلم تخرج عن الإطار المرسوم لها سلفا كيهودية، ولا سيما بعد أن جعل راوي الأحداث لها مهمة واحدة، وهي مهمة إغوائه، وهو يرفض بطبيعة الأمر!

وهناك شخصيات أخري عديدة، مثل الفونس صاحب المحفظة التي يعثر عليها الراوي، وتدور أغلب أحداث الرواية حولها. وخوليو الموسيقار القادم من شيلي، وآواز الكردية، وأخيرا عبدو العراقي الذي سيغادر إلي عمان للزواج من امرأة اختارها أهله له… تبدأ الرواية علي مشهد يصف الراوي فيه عثوره علي محفظة نقود: رأيت محفظة نقود علي الأرض. وضعتها في أبرز مكان علي طاولتي الصغيرة في الركن وأشعلت سيجارة. عاد خوليو من البار حاملاً كأس نبيذ أبيض وقهوة. أوشكت أن أخبره بما وجدت لكن سارة انضمت إلينا. كانت متألقة وغير ثملة خلافاً للعادة. جلست بفستانها الأرجواني الطويل وهي تضحك. يوازن الراوي بين محفظة النقود وبين خزين الحكايات، ففي بحثه عن صاحب المحفظة ينفتح خزين الحكايات لنتعرف علي شخصيات مختلفة، وثقافات مختلفة، وأحداث متنوعة، حيث تتجاوز الرواية مفهوم السر، ذلك أننا نعرف ومن الصفحات الأولي أن المحفظة هي لألفونس، لكننا نتجاوز المحفظة لنصل إلي خزين الحكايات الذي يطرح أمامنا شخصية ألفونس وأحداث حياته.

ثم يعرض الراوي المحفظة أينما حل، عله يجد صاحبها، في المقاهي والبارات التي يتردد إليها، يضعها أحيانا أمامه علي الطاولة التي يشغلها فربما يأتي صاحبها ويتعرف إليها، وحين تنصحه صاحبة المكتبة أن يسلمها إلي البوليس يرفض ذلك، ويعتقد أنه سيصل إلي صاحبها، ومن خلال هذه الممانعـــــة نصل شيئا فشيئا إلي دلالة المحفــــــــظة، نصل إلي الثروة، نصل إلي الهوية، وإلي الأسرار الشخصية، حيث أن البحث عن صاحب المحفظـــــة في الرواية يقودنا إلي البحث عن هويته: لاجئ؟ منفي؟ مواطن؟ ما هي قصته؟ ما هي أسراره؟ من أين جاءته النقود؟ تتوزع الرواية ثيمتان أساسيتان، الأولي هي قصة المنفي والمنفيين في العالم، حيث يورد المؤلف مقطعا افتتاحيا للرواية مأخوذا من إدوارد سعيد: (أن تري العالم أجمع أرضا غريبة). ويناقش الراوي فيه الغربة، والمنفي، بشكل مثير ومرح، وتتعرض الرواية إلي أفكار فلسفية، وثقافية، وتاريخية عديدة، حيث تتطور الوقائع إلي أحلام، ونصل مع الراوي إلي حلم يجمع بين ماركس والمسيح وموسي، أي أن المنفي لا يكتفي بالواقع إنما يذهب إلي ما هو متخيل، ولكي يناقش قضية الاندماج في المجتمع السويدي، والعلاقة مع الآخر يجمع بين شخصيات تاريخية ودينية وإنسانية متناقضة في الظاهر لكنها متقاربة في الواقع، وهكذا تناقش الرواية الأفكار الكبري، مثل الديانات التوحيدية، والعدالة، والحضارات العريقة كحضارة بابل ومصر، والبيان الشيوعي ويسوع ولكن بطريقة شفيفة ومرحة.

الثيمة الثانية هي أن المنفي لا يكتفي بهموم المنفي إنما بهموم الوطن الأول أيضا، أي أن للمنفي عذابين لا عذابا واحدا، وهكذا كان الراوي يقضي الساعات بانتظار هاتف أمه، وسماع أخبار وطنه أيام كان يحتضر تحت ثقل الحصار: بكيت ثلث ساعة وأنا مطرق الرأس في مكاني. تذكرت القصص التي كانت تسردها قبل النوم أو عند المرض. تذكرت بلوز الصوف والبانتوفلات التي تخيطها مطلع كل شتاء، وكنا نصغي إلي نشيش إبريق الشاي ونظراتنا مسمرة في جمر تكسوه طبقة من رماد. الحرارة تلفح وجوهنا وتثقل الأجفان لكننا نقاوم ونقاوم ونقاوم.

الرواية ذات لغة عذبة وشفافة، وأحداثها مثيرة، تتنقل بين شخصيات متنوعة، وثقافات مختلفة، وتناقش أحداثا سياسية وتاريخية واجتماعية كثيرة. وفي الواقع نحن إزاء أدب كامل جديد هو أدب المنفي والذي يكتبه أدباء عرب عاشوا زمنا طويلا في المدن الغربية، وبقوا علي صلة في بلدانهم سواء عن طريق الأدب الذي يكتبونه، أو عن طريق الأحداث التي ينسجونها في نصوصهم.

كاتب عراقي مقيم في دمشق

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية