العراق امام اصطفافات وطنية جديدة
جمال محمد تقيالعراق امام اصطفافات وطنية جديدة لو حدث وكنا نعلم انهم غير معقولين الي هذا الحد، لكنا قد جربنا كل الوسائل الا احتلال العراق … جون ابي زيدالسيد جون يصف المقاومين العراقيين للاحتلال الامريكي بانهم غير معقولين، اي انه لم يتوقع ولم يكن يتصور بل لم يصدق او يعقل ان شعبا متعبا ومنهوكا بحصار دام اكثر من 12 سنة وكان مسبوقا بحرب طويلة مع ايران ثم تلتها حرب الكويت وبعدها مقدمات الحرب الاخيرة التي لم تبق علي شيء يحسب له حساب، يمكن ان يستبقي لدي هذا الشعب قدرة ما علي المقاومة ناهيك عن امكانية اقباله علي مقارعة عنيدة وندية من المقاومة؟كانت تلك حربا ليست ككل الحروب استخدم في جولاتها ومنذ عام 1991 احدث تقنيات الاسلحة القذرة اي الملوثة بالعناصر والعوامل المشعة وغير المشعة، اضافة الي الابداع في الاستخدام الالكتروني الموجه وعن بعد في القصف الجوي بواسطة الطيران الشبحي والصواريخ طويلة المدي والقامة، لقد كانت الحرب الامريكية علي العراق قد بدأت فعلا اثناء وبعد حرب الكويت حتي حلول اليوم الاسود يوم احتلال بغداد في 9/4/2003، وخلال هذه المدة الطويلة من المواجهات لم يحصل التحام قتالي حقيقي الا بنسبة 10% اما النسبة المتبقية فقد كانت للتدمير والقصف الجوي ومن جانب واحد وتحديدا بالطيران والصواريخ وعلي كل البناء الحيوي للعراق ماديا وبشريا، اي لم تحصل هناك مواجهات حقيقية علي الارض يمكن من خلالها ان يتعلم الامريكان شيئا يعينهم علي رسم خطط ملائمة للاحتلال والبقاء بسلاسة علي الارض العراقية او تجعلهم لا يفكرون بالاحتلال اصلا!ثم ان أبي زيد ومن علي شاكلته يعتمدون المنطق الاسرائيلي في توصيف شعوبنا، لقد صدقوا اكذوبة اسرائيل التي لا تقهر، والتي استطاعت ان تحتل اراضي شاسعة لاكثر من بلد عربي دون مقاومة تذكر، وان العرب يمكن ان يتعايشوا مع محتليهم اذا احسن المحتل ترويضهم وترويعهم! هذا الانطباع المغالط والمنقول عن التجربة الاسرائيلية اثبت عمليا زيفه وغروره في فلسطين ذاتها وفي جنوب لبنان لكن الامريكان لا ينظرون للامور في شرقنا الاوسط الا بمنظار اسرائيلي! القائد العسكري الامريكي الاول للمنطقة والحاكم الميداني للعراق، سيجن، فهو لا يدرك ولا يعرف سر هذا التصدي المتصاعد بالمواجهات مع قواته منذ احتلال بغداد حتي الان، والذي يكلفها يوميا عددا غير قليل من القتلي والجرحي الي جانب الخسائر المادية الكبيرة، لقد روعوا الشعب وجوعوه ومارسوا كل انواع التضليل عليه، لقد قتلوا اكثر من نصف مليون من اهله، وشردوا اكثر من مليون، بين لاجئين داخل وخارج البلاد، ومارسوا اشد وابشع انواع القسوة في تعذيب وتشويه واهانة الالاف من المعتقلين في سجونهم، لقد هدموا مدنا باكملها علي رؤوس سكانها، كما تشهد علي ذلك مدن الفلوجة وتلعفر وسامراء وراوة وحديثة والضلوعية وبعقوبة والمقدادية والثورة، كل هذا والامر يخرج عن السيطرة، والمقاومة تزداد اتساعا وصلابة!الفلوجة اذلت ابي زيد! قبيل معركة الفلوجة الاولي كان أبي زيد بموكبه المزود بالحراسات النوعية قد اخترق طريق الفلوجة الخارجي قاصدا احدي القواعد العسكرية في محافظة الانبار، واثناء اقتراب موكبه من الفلوجة تعرض رتله لكمين محكم ومباغت امطر فيه الموكب ومن ثلاث جهات بقذائف الهاون والار بي جي وبرصاص القنص والرشاشات المتوسطة والقنابل، ودارت معركة حامية الوطيس لاكثر من نصف ساعة متواصلة ذاق خلالها ابي زيد طعما لم يعهده سابقا، كان الذعر والحيرة هو سيد الموقف، ولم ينج ابي زيد الا بعد ان طلب نجدة الطيران وتدخله، لقد تكبدوا وقتها خسائر كثيرة، وقد احجم الامريكان عن ذكر اخبار العملية التي اعلنت المقاومة عنها، مرفقة بقسم وعهد لشعبنا علي اذاقة قادة العدو قبل الطواقم الفردية طعم الهزيمة والانكسار!ان هذه الحالة جعلت ابي زيد يعيد حساباته، فكان الانتقام الجبان هو رد فعله الاول بل جري التركيز علي الفلوجة وبشكل استفزازي بقصد الاساءة دون مبرر، وبعد ان عجزت قواته عن تحقيق مكسب فيها عقدت هدنة علنية مع اهلها، حتي تكتمل الترتيبات الجيوسياسية والتكتيكات العسكرية الميدانية لمحاصرتها وتدميرها بسلاح الجو والمدفعية بعيدة المدي، وحصلت وقتها جرائم لا تعد وتحصي حتي تم اقتحامها والتمثيل بسكانها وتهجير قسم كبير منهم، ورغم كل ذلك لم تمت الفلوجة بل بقيت ممتنعة وهي تحت الانقاض، وهذا ما ادخل الرعب الحقيقي في قلوب القادة وعلي راسهم جون ابي زيد قبل الجنود وحتي هذه الساعة!لم تكن الحالة افضل في المواقع الاخري، وما ان سكنت الامور هنا حتي اشتعلت هناك، وعلي هذا المنوال نسجت المقاومة حبالها التي تضيق الخناق يوما بعد اخر علي عموم التواجد الاحتلالي في العراق، حتي تسحبت قوات الدول الحليفة الواحدة بعد الاخري، الاسبانية، والايطالية، واخرها اليابانية، ويجري حاليا ضغط شعبي شديد علي الحكومة البريطانية لسحب قواتها من العراق بحيث وصل الامر الي المطالبات المتكررة لبلير بالاستقالة الفورية، بسبب توريطه بريطانيا بحرب قذرة لاحتلال بلاد مستقلة وذات سيادة دون اي مبرر مقنع، وجاء تصريح رئيس الاركان البريطاني الاخير الداعي لسحب القوات البريطانية من العراق باسرع وقت ممكن ليصب الزيت علي نار الضغوط الشعبية الملتهبة علي بلير وسياسته التبعية لبوش، لقد اقترب اليوم الذي ستجد فيه القوات الامريكية نفسها وحدها في العراق ودون اي غطاء دولي او تأييد داخلي يساند البقاء الامريكي المكلف بشريا وماديا في العراق.ان البنتاغون وممثله جون ابي زيد في العراق، ووزارة الخارجية وممثلها زلماي خليل زادة، قد سئما الانسداد شبه الكلي لطريق تأمين عراق طيع وحليف وضعيف قبل سحب الجزء الاكبر من القوات الامريكية، ومن ناحية اخري فان اطالة الوقت دون حسم لا يصب بمصلحة امريكا التي لا يسمح جدول خططها الزمني بالاطالة غير المحسوبة، فهناك استحقاقات الانتخابات الامريكية القادمة، وهناك مواجهات محتملة في مواقع اخري تتطلب التركيز عليها، وان اي خروج منكسر او فاشل من حيث انجاز مهمته التي دخل لاجلها سيكون له اسوأ الانعكاسات والتداعيات علي تلك الاستحقاقات وعلي عموم مكانة ودور امريكا الكوني ناهيك عن اثره علي الداخل العراقي والامريكي وكذلك علي عموم اوضاع الشرق الاوسط الصغير قبل الكبير!خياران احلاهما مرالورطة الامريكية باتت امرا مسلما به حتي من قبل اركان الادارة الامريكية ذاتها، والحالة يجري التعامل معها علي انها كارثة بالنسبة للديمقراطيين التواقين للعودة الي الحكم، والي الحصول علي الاغلبية في الكونغرس، مما جعل حكماء الحزب الجمهوري، ودهالقة السياسة الامريكية يوجهون النصح العاجل لفعل ما يجب فعله في هكذا حالات، وعليه توجهت ادارة بوش لاعادة النظر بكل دقائق الامور والتمعن بها من خلال تشكيل لجنة مختصة من الحكماء برئاسة وزير الخارجية الامريكي الاسبق جيمس بيكر وبالاستعانة بالخبراء والمختصين، وملاحظات القادة الميدانيين، اضافة الي معاينة التقارير الميدانية المحايدة، للوصول الي توصيات عاجلة يجري الاخذ بها سريعا، ودون تردد لفك عقد الانسدادات المتعاقبة في الوضع العراقي، وما يترتب عليه بعد ذلك من تخفيض كبير لعدد القوات وبالتالي تخفيض حجم الخسائر البشرية والكلفة العالية.لقد توصلت اللجنة الي نتائج تبلور توصيات جديدة بوشر العمل بها دون توقف، واهمها كان العمل علي فك الارتباط بين مناطق العراق التي يمكن ان تشكل لوحدها كيانات تتمتع بصلاحيات واسعة تنشغل بها ضمن اطار عراقي عام يتناول التمثيل الرسمي الخارجي وشكل تقسيم حصص ريع الثروة النفطية، وكلما جري اضعاف هذا الاطار كلما تسني للامريكان التعامل مع المشاكل بالمفرد وليس بالجملة كما هو حاصل الان، مما سيعطي فرصة ارحب لتقليل التكاليف والاستخدام الامثل للعامل المحلي في استكمال المهمة الامريكية، ولكن بايادي العراقيين انفسهم هذه المرة وبشكل كلي، وعليه، اوصت اللجنة بتقسيم العراق الي ثلاثة اقسام كبيرة، لكل منها صلاحيات متكافئة، وطبعا ستكون هذه التقسيمات الفدرالية علي اسس الهوية العرقية والطائفية شيعية وسنية وكردية ، وسيجري التعامل مع الفئات التي وجدت نفسها كاقليات في محيطها التنظيمي الجديد بشكل اختياري مخيرة بين البقاء بحماية الدستور الذي يعتبر الجميع مواطنين بدرجة واحدة ضمن الاقليم الواحد او الهجرة الي الاقليم الذي يجدون انفسهم اكثر امنا فيه!ثم اوصت اللجنة بالخفض التدريجي للقوات بحيث لا يبقي خلال المدة المتبقية حتي عام 2010 الا فرق نوعية معززة بقواعد ومجمعات ثابتة تكون مجهزة بمعدات برية وجوية وصاروخية متطورة، ولا يقل عددها عن ثلاثة، تكون مواقعها بعيدة عن المدن ومؤمنة بشكل فائق!واوصت اللجنة في الاسراع باشراك الدول المانحة في عملية الاعمار التي لم ينجز منها شيء!هذه الخطوط العامة لتوصيات حكماء بوش، وجري عمليا اعتمادها حين طلب من القوي الرئيسية الموالية للاحتلال اقرار قانون الفدراليات، باسرع وقت ممكن، متجاوزين نصا دستوريا اقروه انفسهم يدعو لتشكيل لجنة مختصة لاعادة النظر بالمواد الاساسية المختلف عليها دستوريا، مما اثار حفيظة عدد غير قليل من القوي التي تري ان الامور قد وصلت الي طريق مسدود وان هذا القانون الذي مرروه هو تشريع لحالة غير شرعية، لكن الامريكان يريدوه حلا لمأزقهم، والقوي الطائفية والعرقية القبلية تريده استثمارا ناجحا لمشروعها الاقطاعي.وصفة الحكماء قد تنجح في تقليل خسائر الامريكان وبالتالي كلفة التواجد الامريكي في العراق، لكنها من ناحية اخري ستدخل العراق بدوامة نوعية من عدم الاستقرار وهذا مما سيؤدي حتما الي اشعال فتيل مواجهات قد تكون اكثر جسامة من سابقاتها، صحيح ان اغلبها سيكون بين الفئات العراقية ذاتها لكن اصطفافات جديدة يمكنها ان تنبثق بعد ان انكشفت ومورست اقصي ما تحتوية جعبة الامريكان من استراتيجيات حول مستقبل العراق!هذه الاصطفافات من المؤكد انها ليست طائفية او عرقية ـ قبلية او اقليمية، بل انها تقوم علي اساس مشروع وطني تحرري ديمقراطي، وحينها سيخسر الامريكان ما عولوا عليه، من انعزال اقليمي يريح ويستريح، ومن البديهي ستكون لبغداد وكركوك والبصرة والموصل، والاغلب النخب غير الملوثة في الداخل والخارج اليد الطولي بهذا الاصطفاف المقاوم.عندها سيجد الامريكان انفسهم امام خيارين احلاهما مر، اما ترك العراق والتسحب دون الاكتراث للتداعيات الداخلية، لانهم ضامنون جزئيا تحالف اقطاعيي الشمال وعندها سيحتفظون لديهم بما يضمن لهم موطئ قدم، او التفكير الجدي باعادة كل اوراق الملف للامم المتحدة لتدير وترقع ما هتكوه في العراق من ارض وشعب وقدرات وثروات وبني تحتية، وحاضر ومستقبل مجهولين!ہ كاتب من العراق8