كوادر الحركة ومؤيدوها يشعرون بالاستياء بسبب حالة الحرد والتنابز وتبادل الاتهامات بين اقطابها
عمان ـ “القدس العربي” ـ من بسام البدارين:
بعد استعداده لدفع نصف راتب للموظفين في الضفة الغربية والقطاع يواجه الرئيس الفلسطيني محمود عباس معضلة سياسية وعملية تتمثل في ان مستويات التعامل معه دوليا وعربيا واقليميا باعتباره عنوان للشعب الفلسطيني تطالبه دوما بتأسيس قواعد سلوك لا تحكم فقط الانقسام داخل اطار السلطة التي يترأسها ولكن داخل اطار حركة فتح التي ينطق باسمها.
ويؤكد عباس لمقربين منه وفي اكثر من مناسبة انه سمع من حكومات عربية اشارات سلبية تؤكد عدم وجود قنوات موحدة داخل حركة فتح، مشيرا الي ان ذلك من الاشكالات الاساسية التي تقلص هوامش المناورة امامه في التعاطي مع الوضع الداخلي الصعب والمنقسم والمتأزم.
وتشعر اكثر من عاصمة عربية مهتمة وعمان بينها بان الرئيس عباس لا يبدو متمكنا من التصورات والبرامج والتيارات التي تظهر داخل حركة فتح مما يضعفه امام حركة حماس ويكشف ظهره السياسي امام اسرائيل حسب محللين سياسيين اردنيين.
ولذلك يؤسس الأردن منذ سنوات لحالة دعم مطلقة لخيارات الرئيس عباس بما في ذلك خياراته الحركية وتدعو عمان لرعاية عربية للحركة بهدف توحيدها للتحدث بإسم مستقبل الشعب الفلسطيني ما دام العالم لا يقبل التحدث مع حركة حماس، الأمر الذي يفسر عقد إجتماع مركزية فتح مرتين في اقل من شهرين وحضور العاهل الأردني لأحد هذه الإجتماعات.
ومن الواضح ان الاجتماع الاخير لمركزية فتح في عمان كان الدليل الاكبر علي الانقسام الافقي في الحركة وعلي وجود عوائق تصعب مهمة الرئيس عباس ولا توحد كلمات قادة حركة فتح الكبار كما لا تعطي مؤشرا علي وجود كبير واحد لكلمة واحدة حاسمة.
وقبل انشغاله مجددا باجواء اللجنة المركزية العبثية تقريبا وبتجدد الخلافات مع الرمز القوي في حركة فتح فاروق القدومي كان عباس متفائلا في امكانية حصول تقدم ما علي الارض اثر وصول بعض المساعدات المالية الي السلطة وهي مساعدات ستلقي في دائرة تحكم الرئاسة وسيتم توزيعها علي اساس نصف راتب علي الاقل للموظفين قبيل فترة العيد.
ويأمل عباس ان تساهم هذه الخطوة المالية ولو قليلا في تغييرات اساسية في المشهد الداخلي الان مثل تعزيز حضوره وشعبيته مقابل العجز الكامل لحركة حماس عن ادخال ولو دولار واحد واقناع حركة حماس بالاستماع للسيناريوهات الرئاسية التي قد تساعدها في تخفيف وطأة اضراب الموظفين عن الواقع.
وبكل الأحوال يسعي عباس لأقصي توظيف وإستثمار سياسي ممكن فخلال تواجده الأخير في عمان وقبل المغادرة غاضبا بسبب ملاسنات مع القدومي كان عباس يخلق للجانب الحكومي الأردني إنطباعا بان الأمور تتحسن وبان لديه خطة ومشروعاً وبان حماس لم تعد في وضع تستطيع فيه إفشال مخططات الرئاسة بدون تقديم البديل للجمهور.
وعليه كان سوء الحظ هو الذي دفع عباس للإعتقاد بان إستعداده لدفع نصف راتب سيمكنه من ضبط الإيقاع في إطار المشهد الفتحاوي قبل اي مشهد آخر لان واحدة من إشكالات عباس التاريخية تتمثل في أنه لا يستطيع مفاوضة حركة حماس من منطلق القوة الكامنة بسبب وجود كبار فتح الذين لابد من مفاوضتهم أولا.
الخبراء في ملف حركة فتح يقولون ان إجتماع عمان الفاشل للمركزية كان ينبغي ان يبايع عباس علي خطة جديدة عنوانها الأول هو تبني مقترح يقضي بتشكيل حكومة تكنوقراط بديلة لحكومة حماس الحالية وإستبعاد نهائي لفكرة حكومة وحدة وطنية علي الأقل داخل مؤسسات فتح الكبيرة وأولها اللجنة المركزية وهذه الحكومة لو وافقت عليها المركزية كمؤسسة مرجعية للقرار الفتحاوي كانت ستؤهل عباس للإنتقال للخطوة التالية في برنامجه المرحلي القاضي في محصلته بإبعاد حماس عن الحكم والخوض في مرحلة إنتقالية تتشكل فيها دولة مؤقتة برعاية دولية مع قوات دولية للفصل علي غرار النسخة اللبنانية علي ان يعقب ذلك بعد ثلاث سنوات إعلان دولة فلسطين المستقلة والإستعداد لإتفاق نهائي ينهي الصراع.
برنامج عباس إصطدم بصلابة موقف القدومي حصريا قبيل ساعات من عقد إجتماع مفترض حيث راهن الرئيس علي حرص القدومي علي مصالحة تونس الشهيرة وإعتقد ان الأخير لن يسعي لتجديد الخلاف مع الرئيس وكان ذلك رهانا خاسرا في كل المقاييس لان القدومي فاجأ الجميع في كواليس إجتماع عمان برؤية صلبة يرفض فيها علي الإطلاق اي محاولة للإلتفاف علي حماس بشأن ملف تشكيل الحكومة الوطنية رافضا مناقشة اي أفكار حول حكومة تكنوقراط جديدة تخلف حكومة حماس.
وفي الواقع لم يكتف القدومي بذلك بل إتهم عباس بالتسبب في اعاقة مشروع حكومة الوحدة الوطنية وهي تهمة نفاها عباس خلال محادثة صاخبة مع القدومي في عمان متهما اطرافا في حماس وتحديدا خالد مشعل باعاقة مشروع حكومة الوحدة.
ويقول شهود عيان هنا ان الرئيس عباس تحدث بغضب مع القدومي قبيل اجتماعات عمان التي لم تعقد للجنة المركزية ملمحا الي ان القدومي لا يدافع عن خيارات حركة فتح واولوياتها عندما يلتقي خالد مشعل في دمشق.
وفي التفاصيل أشار عباس مرتين علي الأقل لعبارات منقولة عن القدومي تتضمن التعاكس مع قضايا إتفق عليها سابقا ملمحا للغة تتغير بعيدا عن الثوابت تسمع عندما يزور القدومي دمشق حصريا وهو الأمر الذي رفضه القدومي بكل الأحوال.
ويعكس حجم ومستوي الضجيج بين كبار فتح طبيعة المخاطر المترتبة علي المشروع الجديد للرئيس عباس وهو مشروع اعتبره القدومي في احدي جلساته الخاصة في دمشق خطيرا ليس لانه يمس بالثوابت وينطوي علي المجازفات ولكن لانه طهي علي نار هادئة خارج اعين مؤسسات حركة فتح وبالترتيب مع بعض الامريكيين ومع الاردن ومصر.
ولا يخرج عباس في الواقع عن المألوف حتي بأفكاره الجديدة التي يتم تداولها خصوصا عندما يتعلق الامر بدولة فلسطينية علي دفعتين او علي مرحلتين علما بان بعض اطراف اسرائيل تتحدث عن دولة فلسطينية علي ثلاث دفعات ومرتبطة بشكل مباشر بصيغة ما مع الاردن الا ان لدي عباس ما يقوله بخصوص وجود تصور لديه وحجم الضجيج الذي شهدته كواليس اجتماع المركزية الفاشل يشير لمقاومة معاكسة من بعض حيتان حركة فتح لهذه التصورات الجديدة.
وتقول اوساط فتح في رام الله وتونس وعمان ان اعضاء التنظيم ومؤيدي الحركة يشعرون باستياء بالغ بسبب حالة الحرد والتنابز وتبادل الاتهام والتشكيك بين اقطاب الحركة وجماعتها علي مستوي القيادة السياسية سواء عبر الاعلان او قبل الاجتماعات وكواليسها وقد نظمت عدة لقاءات واجتماعات وصدرت عدة بيانات ورسائل داخلية عن مؤسسات الحركة تنتقد العجز الكبير الذي يواجه لجنتها المركزية.
وتفيد الانباء ايضا بان السفير الفلسطيني في عمان عطا الله الخيري تلقي عشرات الاتصالات الغاضبة والمستاءة بسبب التبرير الذي استخدمه عندما اعلن فشل اجتماع المركزية الاخير متحدثا عن عدم اكتمال نصاب الاجتماع واعتبرت هذه الاتصالات ان مثل هذه التبريرات غير مقنعة. وكانت شعبة تنظيم حركة فتح في الساحة الاردنية اصدرت بيانا حملت فيه اللجنة المركزية المسؤولية الضميرية والوطنية الكاملة عن تردي وفشل اوضاع القضية الفلسطينية معتبرة بان اللجنة المركزية تساهم في التغطية علي مستوي وحجم الفساد الكبير الذي يشاهده الشعب الفلسطيني يوميا في اطار قياداته. وبعد فشل اجتماع عمان تواصلت بعض المستجدات والانعكاسات، فقد لمست تحركات من شخصيات فتحاوية تستخدم لغة اقسي في نقد اللجنة المركزية وهي لغة يفهم منها ضرورة الانقلاب علي اللجنة المركزية باعتبارها هيئة عاجزة عن العمل علي ان يتولي المجلس الثوي للحركة مبادرة من هذا النوع.
وعلم في السياق بان محمد دحلان يشعر بالغضب الشديد من الرجل الثالث في الحركة ابو ماهر غنيم لان اقتراحات الاخير خلال التحضير لاجتماع عمان الفاشل شطبت اسمه اي دحلان من قائمة شخصيات فتحاوية كان يفترض ان تترشح كأسماء جديدة في سجلات عضوية اللجنة المركزية للحركة تحت عنوان تجديد النشاط والدماء وموقف دحلان الغاضب غضب منه ولنفس السبب نبيل عمرو حيث قدم غنيم قائمة ثلاثية للاضافة تضم روحي فتوح وابو علي شاهين وعزام الاحمد وليس قائمة خماسية كما يريد دحلان وعمرو وكما يريد محمود عباس في الواقع.