بَـنـاتُ الكـشـف يركـبن ريحـاً جديدة
رامز رمضان النويصريبَـنـاتُ الكـشـف يركـبن ريحـاً جديدةتؤكد الرواية أنها الفن الإبداعي القادر علي تقديم صورة المجتمع العربي، بالقدر الذي تتحقق فيه سهولة الانتشار، وقدر من التلقي الواعي، المُدرك. ولقد استطاعت الرواية العربية الوقوف علي الحراك الاجتماعي وكشفه، بنـيِّة الجهر بالحقيقة، الصراخ بها، الصراخ من قهر الواقع، وكذب المظهر، رفع الحجاب عن الخشبة المسرح/ الحياة. وأعود لما قلته سابقاً من أن الرواية العربية استطاعت أن تقدم تاريخياً موازياً، هو التاريخ الحقيقي للمجتمع (الواقع/ الحياة)، حتي ليكون هذا المتن متناً قابلاً لإعادة إنتاجه، متـناً معرفياً مستقلاً بمرجعياته يمكنه التحول في أكثر صورة. وأقول ان كتاب الرواية العرب ـ خاصةً ما أنتج في السبعينات وما تبعها ـ أدركوا بشكل مبكر أهمية هذا المنتج الإبداعي في الكشف، والتحول، هذا الوعي نلمسه في الأشكال التي اتخذها هذا الإبداع، والتطور السريع لتقنيات كتابة الرواية، وما استطاعه السرد من اختراق. إن الكاتب العربي في روايته يكشف عن نية مبيتة للكشف، والقول، إنها نية ترتفع عن مجرد القص أو السرد، إن أكثر من التدخل من أجل المصلحة والانحياز1، إنها الغاية في الصوت المنحاز للواقع. ويكشف المنجز الروائي العربي، التقارب الكبـير علي مستوي المتن، والتشابه الكبـير في حمي الكشف، حتي إنا علي مستوي المُنتج الروائي ـ لا نخص الأسماء ـ نجد الكبير من علائق التشابه، ولقد استطاع هذا المنجز تأكيد وحدة القضايا الاجتماعية العربية.وقد يصنع المجتمع العمل الروائي، من مبدأ التـنافر، وهذه أولي نقاط دخولنا للرواية، فكون مجتمع الرواية، هو أحد المجتمعات العربية المعروفة بالالتزام والانضباط، والتعويل علي عنصره المسكوت عنه، المرأة كمحور للعمل وحياة، معولة علي ذائقـتنا المعرفية، كمعرفة سابقة راسخة في ذهنية المتلقي العربي، عن مجتمع الرواية، وأيضاً الراوي كونه صوتاً أنثوياً (كـاتبة)، والذي يعني إدراك الكاتب بمجتمعه، بالتالي يكون هذا الصوت الأصدق في تعبيره وكشفه وصدعه الواقع. وحتي وإن كان الكاتب لم يعول علي هذه النقطة، فإن الواقعة الحادثة تُوجِدها حقيقة للتعامل معها، وتقبلها، بل والأخذ بها، إذ لا يمكن رفضها/ ردّهـا.يبدأ هذا العمل من نقطةٍ لا مرئية، من نقطة تعلمها الكاتبة، لذا فهي تعمل من وعي وإدراك، ولنقل إنها تدعم نيتها لكتابة هذا النص، وهذا ما نلمسه في طريقة كتابتـــــها للنص، إذ أرادت الكاتبة لهذا النص الخروج في شكــلٍ مختلف عن نمطية الأداء الروائي المعتاد، فحولت السرد لخدمة النمط الذي اختارت، وهو وإن كان نمطا ظهر عند عددٍ من كتاب الــرواية الشباب2، لأكثر من جنس إبداعي: شعـــر، قصة، نص مفتوح، وغيرها من أشكال الإبداع الحديث حد نصوص الـ SMS، إلا أنه في تفاصيله أتاح أكثر من شكل رداً لتهمة التشابه. هذا ويعكس هذا التوجه علاقة الجيل بمصادره الثقافية، وعلاقته بثوابته المعرفية، وكيف استطاع هذا المصدر الاستئثار بكل حواسه، وهنا نعني غلبة المشاهدة علي القراءة وإن اتفـقـتا3، ملمحين إلي أثر الوسائل البصرية الحديثة (تلفزيون/ أفلام/ إنترنت/…). والتي تصر الكاتبة علي إثباتها بحرفية، مؤكدة ارتباطها بهذه المعارف، حتي إنها اكتفت بشاعرٍ واحد.نعود للنص (المتن)، وللشكل، لقد عملت الكاتبة علي هذا النص من خلال إنتاجه في شكل مجموعة من الرسائل الإلكترونية، كالتي ترسل بشكل آلي، واختارت الكاتبة الجمعة موعداً لها، لما لهذا اليوم من دلالة عن الفرد العربي، كعطلة يتفرغ لها/ فيها الفرد، لذا ينجح فرض هذه الرسالة كحيز مقـترح للتـلقي. وكون الكاتبة اختارت أن يكون المتن في مجموعة من الرسائل، يؤكد ما ذهبنا إليه من قصد الكاتبة، وغايتها في كتابة نص كشف تركب فيه الريح4، وهي غاية مشروعة في الإبداع.هذه الرسائل المرسلة بشكل آلي ومتفرق، تؤكد فيها الكاتبة الراوي العليم، وهو ما تعمل عليه الكاتبة في كل رسالة، او ما يقدمه هذا الشكل للكاتبة:1- يبدأ من نية الإرسال، من نية أن تكون الرسالة في أن يكون النّص.2- ووظيفة المرسل الممسك بخيوط الحكاية، العَالِم العارف ببواطنها.3- وبالتالي إمكانية إدارته للعبة، وتحريك أطرافه، أو شخوصها.وأسميها لعبة، بمراجعة بسيطة لأي رسالة، فالنص/ الرسالة (وأعني هنا الكاتبة كقصد) يبدأ بمناوشة المتلقي في محاولة تحفيزه ودفعه باتجاه الحكاية، وهي تستفيد من هذا التحفيز لتفعيل درجة تفاعل الرسائل في تقادمها، منتجة بالتالي مجموعة من ردود الفعل ـ المفترضة ـ ، العاملة باتجاه النص (مع/ضد). الكاتبة لا تكتفي بشخوص الحكاية، إنما تقود المتلقي (القارئ) بذات الكفاءة والقدرة، للمناطق التي تريد وبالكيفية التي تريد، بمعني:4- إن هذا الشكل/النمط يمنح الكاتبة السلطة علي النص، وتحويلها من مجرد محررة لرسائل إلي بطلة أولي، بطلة بيدها تزييف الحكاية، مما يرفع عنها صفة الأمانة أو الصدق الكامل.هذه الأمانة الناقصة، تظهر بوضوح والكاتبة تقود المتلقي إلي نقاطها التي تريد، النقاط الكاشفة لشكل العلاقة بين الرجل والمرأة، بانحياز تام لمسألة السلطة الذكورية التي تظهرها بشكلٍ كبير، من دون أي إشارة لمسألة الأنثوية 5، وأثرها (الداخلي) في حراك المجتمع ونمط حياته.وبنظرة قريبة لأحد مفاصل الرواية، نكتشف أن الرجل (ممثلاً في شخص: فيصل) يسقط في مواجهة أمه عند طلبه فتاته، فتتحول السلطة المفروضة/الممارسة من الأم (الأنثوية)، إلي تخلّ وتراجع وبالتالي إلي تقصير. هذا الانحياز ـ الطبـيعي ـ لا يضر بسياق النص، بقدر ما يعكس ثقافة مجتمع ونمط تفكير، والكاتبة كفرد من هذا المجتمع لا تخرج عن دائرته، إنما تؤكدها وتعمل داخلها. وهذا الانحياز لا يسلم منه أي كاتب6، وهو النية المبيتة في القصد إلي الكتابة، ودونها لما ارتفع في الكاتب هذا الحس ـ المنحاز ـ للتعبير. كما وتظهر قمة الانحياز في إخفاء الكاتبة لقصتها أو استقلالها بها عن بقية الشخصيات، مراوغة المتلقي عنها.5- وما يقدمه هذا الشكل/النمط، هو تمكين الكاتبة من استـثمار الشخصيات.وهذا ما أكدتها الكاتبة في قصدها للكتابة، وما قدمت به فِعلها ـ الكتابة ـ في أولي رسائلها، وأيضاً، فهي سمحت لنفسها بطرحهن وعرضهن، متخذة من الاسماء والحوادث أقنعة لإخفائها، فالكاتبة تطمح لممارسة مثلي لفعل الراوية، وهو:6- ما تمنحه الرسالة كشكل، في التصرف في متن الحكاية، من تقديم، وتأخير للأحداث، وحرية التدخل الشخصي في سرد الأحداث، وما يقدم وما لا يقدم.سؤال: هل كان من الضروري أن يكون هذا الشكل؟علي المستوي الفني، أو الأدائي ـ البحت ـ فقد تم استخدام هذا الشكل (تفريغ المتن في رسائل) وفي أكثر من سياق سردي. ولأننا لا نملك تحديد الضرورة، فالقراءة كل ما نملك، والرغبة في التجديد هي المحرك الأول، ومن بعد ما يعنيه هذا الشكل من انفتاح وتحفيز للقارئ، ولقد استغلت الكاتبة هذا الشكل للتعبير عن عملها في عنوان يلخص النظرة العامة للنص، في قراءة للعنوان الإلكتروني (الفضيحة كقصد، كغاية محفـزة لافتراض الضغط علي وصلة فتح الرسالة)، وعنوان الرسالة في كل إرسالية. والنقاط التي ذكرناها تحاول مقاربة الضرورة لاختيار الكاتبة هذا النمط في الشكل الخارجي للرسالة الإلكترونية، ونقصد الهيكل العام للرسالة، مركزة هذا في مقدمة الرسالة، ونعني العنوان الإلكتروني وعنوان الرسالة. رجاء الصائغ في محاولتها (بنات الرياض)، تركب وصاحباتها الهواء/الريح/ الأثير للخروج، وتخطي السور، صادحاتٍ بهمّهن، كاشفات عن الوجه الحقيقي (الصورة البعيدة)، إنها تستـثمر شخوصها لغاية العمل ونجاحه، دون استغلالهن أو تسخيرهن، حتي انها تمارس رقابة من داخلها، رقابة يفرضها المجتمع، كأحد أفراده العاملين فيه. رجاء في هذا العمل تـنجح في تجاوز الستار، لغاية تجاوزه مراتٍ ومرات، فـتعمل بعقل الواعي بلحظته، المدرك لأبعاد حقيقته وما يريده، فهي ترفع الستار السميك، تاركة الستار الشفاف لمتابعة الحكاية.كاتب من ليبياهوامش:1- أشير هنا لما كان يقوم به الحكواتي أو الراوي الشعبي، الذي كان ينحاز بالقصة إلي فريق عن فريق، وكثيراً ما كان يعيد إنشاء الحكاية حتي لا ينقلب المكان ساحة قتال.2- علي سبيل المثال، أشير هنا لرواية (سـعار) للكاتبة الكويتية بثينة العيسي . والرواية صدرت عن الدار العربية للدراسات والنشر 2005. في هذه الرواية عولت الكاتبة علي الدردشة (Chat) تقنية تدعم السرد.3- إشارة لكون القراءة عملية بصرية لنقل المعلومة إلي الدماغ لتحليلها. أما الوسائل البصرية فهي تعتمد الرموز والصور والأشكال.4- المعني يتجه لقول الشاعر أبوالطيب المتنبي : علي قلقٍ كأن الريح تحتي.5- الأنثوية مصطلح يقابل الذكورية، بالتالي أزعم وجوده كمقابل لسلطة الذكر، الذي من طرف خفي يتحرك تحت تأثير هذه العقلية الأنثوية، التي تـُوجد نفسها في المجتمع من خلال مجموعة من الأفكار والمعتقدات، كمسألة (النظر إلي المرأة المطلقة) في الرواية.6- يقال أجمل الشعر أكذبه، في محاولة تجاوز الشاعر نمط حقيقته، والانحياز في الكتابة هنا، هي قراءة الكاتب للواقع، وهي قراءة شخصية منحازة لا يمكن رفعها.0