حان الوقت لانشاء الجمهورية الثانية في اسرائيل
كيان سياسي واحد غربي نهر الاردنحان الوقت لانشاء الجمهورية الثانية في اسرائيل ليس عبثا أن دافيد بن غوريون كان يكرر الاعلان في سني حياته الأخيرة بأن دولة اسرائيل لم تقم بعد . لست أخاله بكلامه هذا تكهن بما قد ينتج عن ذلك ويلزم ذلك مع مضي الايام. اليوم، علي أية حال، يبدو من الواجب علينا أن نحرر أنفسنا وأن نبني لنا ولأبنائنا، آخر الأمر، دولة قد تقبل كل ساكنيها كأبناء وكل أبنائها كمواطنين. اذا شئتم: جمهورية اسرائيل الثانية.الحديث عن تغيير بعيد المدي في بنية المؤسسة العامة. الحديث عن انشاء بنية مؤسساتية ـ سياسية تجمع غرب الاردن كله، تضمن سلامة البلاد كلها وتحصن وحدتها الاقليمية، والاقتصادية والادارية، مع التعبير التلقائي عن اقاليمها المختلفة وتقديم تطورها المادي، والاقتصادي والثقافي التلقائي.الحديث، من جهة اسرائيل، عن احلال نظام رئاسي، يقوم في أساسه علي طراز الولايات المتحدة، يشتمل علي تقسيم المنطقة الي ألوية ذات ادارة مستقلة وتُحكم حكما ذاتيا؛ مع مؤتمر يمثل قوي سياسية في القطر كله ومجلس شيوخ يمثل قبل كل شيء وحدات اقليمية ثانوية؛ مع محكمة عليا تقضي وتحكم في القضايا الدستورية المبدئية؛ مع رئيس قوي، ذي صلاحيات ملائمة، يترأس الحزب الفائز في الانتخابات العامة ويختار لمجلسه الوزاري أناسا كما يرغب أو كما يشاء؛ مع دستور مكتوب للدولة كلها، محل نظام برلماني ـ ائتلافي معوق.الفكرة الموجهة هي فكرة وحدة صادرة عن الكثرة (كما كُتب بكلمات لاتينية علي ورقة الدولار الامريكية)، وحصر الصلاحيات في مستوي السقف وتوزيع الصلاحيات في مستوي القاعدة ، وذلك علي نطاق قطري عام. في هذا الاطار من النظام الرئاسي ـ الفيدرالي، القائم علي دستور مكتوب، يمكن أن نشهد نسيجا لعدد من الألوية المحكومة ذاتيا، بالاضافة الي لواء العاصمة، لواء القدس، كلواء اداري ـ بلدي قائم بذاته في داخل البنية الفيدرالية (مثل لواء كولومبيا في الولايات المتحدة، أو مثل اللواء الفيدرالي لبيونس آيريس في الارجنتين).عندما يصف المؤرخ الامريكي هنري أدامز في التطور السياسي للولايات المتحدة مفترق طرق يشبه ذاك الذي نواجهه اليوم، يتحدث عن الخط الحدودي بين عالمين: مات واحد، ولا يملك الآخر قوة لأن يولد . تشبه ذلك الصورة التي يثيرها الشاعر شاؤول تشارنخوفسكي بكلماته: في وقوفي بين الحي وبين المحتضر . علي خط فاصل مثل هذا نقف نحن ايضا، كدولة وكمجتمع، الناطقين بالعبرية مثل الناطقين بالعربية. عن جانبي حد أسوار، أو حد دماء.الطراز المقترح لتقويم الواقع الدامي الذي نوجد فيه ولتغييره هو طراز ثوري، لكنه لا يحمل عبء الايديولوجيا. فهو لا يجر وراءه طائفة كبيرة من الصياغات التنظيمية. وليس هو مشبعا بالحزن الأبدي، كما لا يتبجح بالتبشير بمقدم مخلص ما. انه يقوم علي النظر في التطور التاريخي في هذا القسم من عالمنا، وعلي ملاحظة الاختلالات العميقة في الوضع الاسرائيلي ، وعلي استخلاص العبر من تجربة زماننا ومكاننا، وكذلك ايضا علي التجربة التاريخية لأزمان اخري واماكن اخري، وعلي الايمان بامكانية حل عملي ـ غائي للمشكلات ـ الرئيسة للوجود المشترك ـ لا تعايش يحاول الظهور بمظهر البر، بل الوجود الواحد ـ ككيان سياسي ـ قومي ـ اقليمي واحد.هذا الايمان في حد ذاته فيه قدر من التفاؤل، ربما يُعبر عنه بمجرد النظر في البنية المجددة، الاخري لاسرائيل، لا كنظر الي هيكل ثالث ـ وهو مصطلح في ذاته مثقل بشحنة اسطورية ـ لرؤيا آخر الزمان ويشتمل في داخله علي توقع الخراب علي شكل قضاء وقدر صارمين ـ بل ببساطة كالنظر الي جمهورية، هي جمهورية اسرائيل الثانية.إن تحقيق هذه الجمهورية الجديدة ليس مسألة عاجلة، وليس مسألة استغلال فرصة برلمانية لحظية في بنية ائتلافية فاسدة. بمقابلة ذلك فانه يوجب انتظاما سياسيا جديدا وتكتل قيادة جديدة، مفصولة عن المؤسسة السياسية الموجودة، ومتحررة من كل صلة بالاحزاب القائمة، يملأها الشعور الوطني، والوعي العام والاحساس بكونها مرسلة، وتؤمن بالقدرة علي تحلل المجتمع الاسرائيلي وموازيه وراء خط التماس .إن قيادة من هذا القبيل سيكون لها احتمال أن توجد قاسما مشتركا هو الأوسع لجماهير كاملة ضاقت ذرعا بالأطر الفكرية والسياسية الموجودة، وفي ضمنهم اولئك الذين يتحصنون في غلو خلاصي و/أو بطولة منتحرين فتاكة، يائسة. ستستطيع قيادة كهذه أن تصوغ معسكر مواطنين من أبناء جميع الطوائف، والأديان والطبقات، يرثون ويورثون نظام الحكم الائتلافي الفاسد والفاشل، والمختلف والمثير للاختلاف، علي اختلاف احزابه وتقسيماته، من اجل تقديم البلاد كلها، علي اختلاف سكانها، وعلي اختلاف أبنائها ـ مواطنيها كلهم، الي مجالات لا يُتنبأ بها من الأخوة، والنماء والعظمة. إن معسكرا كهذا فقط سيستطيع أن يحمل معه احتمالا حقيقيا للمصالحة الحبلي بالامور المستقبلية بين قوي متخاصمة، يثقلها ميراث ـ العداوة ـ والانغلاق، يصارع بعضها بعضا علي بلاد نزاعنا. إن مجرد ظهوره سيكون فيه ما يجدد الأمل والايمان في قلوب كثيرين أخيار ـ سواء أكانوا من سكان البلاد أو من تاركيها أو محبيها من بعيد ـ ويشجعهم علي العمل المشترك من الابداع، والنضال والتجدد.ولكن لا يجب أن ننسي أن النهاية السلمية للصراع علي ارض الخصومة هذه عندنا، مثل مفتاح السلام في المنطقة كلها ايضا، متعلق قبل كل شيء، وبقدر حاسم، باسرائيل، حتي لو كان ذلك من اجل انها أشد القوي بأسا. والشرط الحقيقي للسلام الحقيقي، السلام الذي يفتح النوافذ، والأبواب والقلوب، سواء داخل ارض اسرائيل أو في المنطقة، هو التغيير الأساسي التام للقيم القومية. اذا شئتم: شحن البطاريات من جديد. واذا شئتم: تبديل البرمجة. وربما الأحسن أن نقول: نقل القاطرات عن سكة القيم الدينية، والطائفية والعنصرية الي سكة القيم القومية، والوطنية والمواطنية.لأن السلام الحقيقي، والواسع والمفتوح في منطقتنا الحميمة، لا يمكن إلا في أطر السلام العبري. سلام يُعبر عن عدم أدلجة الواقع الاسرائيلي، ويصادر منه طابع الحكم الايديولوجي ويحرره من القرض السكني الديني، ومن الخضوع لتركة مضي وقتها وبطلت ضحيتها واوامر لم تعد ذات صلة .سيتبين في الحساب الأخير أنه الوحيد الذي لا يحسن فقط الحلم به، ولا أن نُجهد انفسنا من اجله فقط، بل أن نناضل من اجله ايضا.الحقيقة أن الطريق غامض. ومثل كل طريق جديد، فهو مملوء بالمجهولات ايضا. لكن أمراض الواقع وفساده يتضحان وضوحا كافيا. واصوات تحديات المستقبل آخذة في العلو. ونقطة البداية مثل مسار السير ايضا واضحة بما يكفي لمن عقله معه ليقوم ويبدأ السير.هارون أميرالفائز بجائزة اسرائيل للترجمة(هآرتس) ـ 19/10/2006