مقهي لافونتين
محمد غرافيمقهي لافونتين(إلي حسن نرايس)كل شيء تغير في مقهي لافونتين. الكراسي أصبحت واسعة ووثيرة، والطاولات تقلص حجمها ولم تعد تتسع لأكثر من زبونين. أما أريكة الفنان سعيد المغربي التي كانت شبه ملك له كل صباح فقد اختفت باختفاء الجدار الذي كان يسندها ويفصل بين القاعتين الداخليتين. أريكة واحدة فقط توجد الآن مقابل الكونتوار وتعطي مباشرة علي شاشة ألعاب الحظ الإلكترونية (الرابيدو). مقابل شاشة الرابيدو ثمة شاشة التلفاز. أينما وليت وجهك فثمة صور وأرقام تتوالي بسرعة وتسرقك من حميمية الجلسة أو قراءة الجريدة.لم يعد ثمة قاعة داخلية خافتة الأضواء حيث كان ينزوي العشاق لتبادل القبل بعيدا عن نظرات باقي الزبائن. تم وصْـلُ قاعة المدخل بالقاعة الداخلية فصارتا قاعة واحدة كبيرة.المقهي في ساعات الغداء والعشاء يتحول كله إلي مطعم باستثناء أربع طاولات صغيرة فقط من أجل تناول قهوة أو مشروب بارد وكراسيها الوثيرة لا تتجاوز اثنين أو ثلاثة، مما جعل الأصدقاء والإخوة العرب يهجرونها إلي مقاه مجاورة.الزبائن من حولي يذكرونني بزبائن مقاهي الشانزيليزيه تقريبا. وجوه صامتة وهندام أنيق : كل ما يصرفك عن الرغبة في التواصل أو حتي طلب ولاعة من الزبون المجاور. لا أثرلعمال المحلات التجارية والمكتبات المجاورة الذين كانوا في ما مضي يتناولون وجبات غذائهم الخفيفة بجوارنا. لاشك أنهم غادروا المقهي عابرين شارع سان ميشال إلي مطاعم الكباب والشوارمة في الأزقة الضيقة الخلفية للشارع ذاته.حتي الحاجز الزجاجي الذي كان يفصل القاعة الداخلية عن الفضاء الخارجي زال عن آخره وصار المقهي كله مفتوحا علي الخارج مثل فم تمساحي يلتهم السّوّاح الخارجين توا من فم المترو المحاذي للمقهي. يصعب الآن أن تقرأ جريدتك المفضلة أو تنصت إلي جليسك وبإمكانك في الآن نفسه أن تُحدّث جليسك في أمور خاصة أو سرية دون احتراس من زبون الطاولة المجاورة نظرا لضجيج الشارع وزعيق سيارات الشرطة المتواصل…النادل الذي أتاني بالقهوة، وأنا امسح بالبصر أركان المقهي يمينا وشمالا باحثا عن أثر قديم أو عن وجوه أعرفها، كان باردا مثل صباح باريس الشتائي وعابسا مثل الزبائن. في ما مضي كان النادل إيريك يأتينا بالقهوة مبتسما ومازحا. وكثيرا ما كان يغض الطرف عن أصحاب الجيوب الفارغة منا ويسمح لهم بالجلوس طويلا. عدد الكراسي والطاولات علي الرصيف تضاعف كثيرا حتي بدا لي أن المقهي قد غزا كل الرصيف واستحوذ علي ما تبقي من ممرّ العابرين سريعا مـِن وإلي ساحة سان ميشال المجاورة للوصول في الوقت المحدد إلي مواعيدهم الغرامية قرب النافورة.الشجرة الضخمة وحدها التي تضرب بجذورها عميقا في تربة الرصيف عند باب المقهي ما تزال شاهـــــــدة علي مواعيدنا الصباحية ونحن ندخل المقهي أو نخرج منه متأبطين جريدة أو مقالا أو قصيدة أو فقط أحزاننا والقليل القليل من الفرح.ہہہفي مقـْهي لافونيتنْ، النـّادِلُ مـُرْتبـِكٌ هذا الصُّـبْحَ تَماماً كالأَمْسِ في مِثـْلِ السّاعَةِ هذهْ وصديقي لمْ يظْـهـَرْ بـَعْدُ. سـَيقولُ كعادتِهِ إنَّ المِترو صارَ بِهِ عـَطبٌ أوْ داسَ بـِكـُلِّ صلابتهِ قامَة َ شـَحـّاذٍ ما فـَتـِئتْ تتقوَّسُ حتيّ اندفعتْ واثقة ً تحتَ العجَلاتِ أو سيقولُ بأنَّ المترو ذاتـَهُ أسرعَ أكثرَ فانقطعَ التيّارُ بهِ وتوقفَ أطْوَلَ في النـَّفق ِ. النادلُ كشَّرَ أكثرَ والقهوة ُ صارتْ باردة ً والأرقامُ الرابحةً علي شاشةِ رابيدو تتلاحقُ مسرعة ً. في الخارج ِ عُشّاقٌ يـَصِلونَ تـِباعاً وسْط َ السّاحةِ ـ ساحةِ سانْ ميشالْ ـ ورجالُ الشـُّرْطةِ يـَنـْقضّونَ علي رقم ٍ أسـْودَ لوْ وَصَلتْ في الوقتِ عشيقتُهُ الشّقـْراءْ لتغيّرَ كلُّ العالم ِ حوْلهُ.كاتب مغربي مقيم بفرنسا0