الفنان التشكيلي العراقي خضر جرجس: ملوّن ذو حساسية خاصة يرحل بصمت!

حجم الخط
0

الفنان التشكيلي العراقي خضر جرجس: ملوّن ذو حساسية خاصة يرحل بصمت!

حسني ابو المعاليالفنان التشكيلي العراقي خضر جرجس: ملوّن ذو حساسية خاصة يرحل بصمت!لوحة تلك أم حلم جميل، نغمة أم صدي لنداء الوجد، أخيال ذلك الذي يداعب البصر أم حقيقة؟، يتوه المتلقي بين متعة العين ونشوة الاستماع ودهشة الابحار في عالم الفنان التشكيلي العراقي خضر جرجس حين يكون بمواجهة أعماله الفنية.في أول عناق لي ضم سماء وأرض الوطن عام 2003 أي بعد السقوط والخراب الذي يسمونه التحرير بثلاثة شهور، حظيت لأول مرة بزيارة قاعة حوار في الوزيرية التي يشرف عليها الفنان قاسم سبتي الذي حاول كما أعتقد الحفاظ علي أعمال الفنانين من أن تطالها أياد السراق والمخربين الذين عاثوا في البلاد نهبا وسلبا في ظل الحرية الأمريكية، فأخفاها بعيدا حتي استقرت الأمور بعض الشيء، كانت القـــــاعة غير مرتبة بعد، لوحات فنية منتشرة هنا وهناك لمجموعة كبيرة من الفنانات والفنانين العراقيين، منها ما هو معلق علي الجدار بشكل عشوائي ومنها ما هو مركون علي الأرض، وهناك أعمال مكدسة في ركن من القاعة، ومن بين جميع تلك الأعمال كانت تشع ألوان خضر جرجس من لوحة يتيمة لفتت نظري بشكل غير طبيعي، سارعت يومها مستفسرا عن صاحب اللوحة من مدير القاعــــة فأجاب بأن الفنان غادر الوطن مهاجرا وليس في القاعة من أعماله سوي ثلاث لوحات، تأ ملت الأعمال بعــــين المبحر لأول مرة إلي جزيرة فنية قلما يجود الزمن بمثلها، فسحر الألوان وانسجاماتها جزء من سر فرشـاة الفنان، وتكويناته الرائعة تكشف عن مخيلته الاستثنائية، وموضوعاته المتنوعة لا تفقد شخصيته الفنية، لم تشبعني تلك الأعمال بما يكفي للكتابة عنها وعن الفنان بالرغم من أنني تركــــــــت القاعة وفي نفسي شوق كبيرلألوانها وطريقة تنفيذها علي اللوحات، غادرت القـــــاعة وكأنني تخليت عن واجـــــب وطني كان علي الاستمرار بالتقصي والبحث لإنجــــازه، وظلت تلك الأعمال الفنية الرائعة تقتــــــــحم ذاكرتي حتي عودتي لمقر إقامتي وطني الثاني المغرب وبقيت فكرة الكتابة عنهــــــا تراودني لزمن غير قصيرإلا أن الرياح جرت بما لا تشتهي سفني حتي سمعت خبر وفاة الفنان خضر جرجس في المهجر، ويبدو لي بأن الفنان الراحل لم يحظ باهتمام إعلامي كاف للتعريف به. والمتتبع للحركة الفنية لن يجد أعماله الفنية الرائعة قد وضعت في الميزان الثقافي والفني العراقي والعربي، فقد تميز بين أقرانه من الفنانين منذ كان طالبا في معهد الفنون الجميلة وبعد تخرجه في الستينيات عين استاذا معيدا للفن في ذات المعهد وهو دليل علي تفوقه.كان يتمتع بدرحة عالية من الحساسية في صناعة مزج الألوان التي تطرب لها العين وهذا ما يذكرنا بالفنان العراقي الكبير الراحل فائق حسن فهو صاحب تلك المدرسة اللونية بالرغم من اختلاف توجه كل منهما، فالفنان فائق كان واقعيا وخضر جرجس كان تجريديا، ولكنه تجريد ولد من رحم الواقعية، ويستند إلي أصول وقواعد اللعبة التشكيلية، بعيدا عن الفوضي والعبثية، تنساب ألوانه كموسيقي هادئة تنقلك من نغمة جميلة إلي أخري طروب وتستقر بك في أجواء سيمفونية بالغة الروعة والخيال.رحل خضر جرجس في زمــــــن شهد غياب المبدعين وعم فيـه تكاثر المدعـــين، وسيطر التشـويه باسم الحداثة علي الساحة التشكيلية واحتل مكــــان الإبداع والفن، كمـا يسيطر الآن العنـــــف والإرهاب مكان الحب والديمقـــراطية، فوداعا للحب، ووداعا للإبداع.فنان تشكيلي من العراق يقيم في المغرب0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية