دعوة لمقاطعة الأحزاب السياسية: قراءة في آليات اشتغال السلطة بالمغرب

حجم الخط
0

دعوة لمقاطعة الأحزاب السياسية: قراءة في آليات اشتغال السلطة بالمغرب

عبد العزيز فجالدعوة لمقاطعة الأحزاب السياسية: قراءة في آليات اشتغال السلطة بالمغرب تتأسس هذه القراءة علي بعض المفاهيم المستقاة من الواقع المغربي الأليم وتمتح من بعض المناهج العلمية المؤسسة للحقل السياسي خاصة منها منهج الواقعية السياسية الذي تمقته بامتياز، التشكيلات الحزبية المغربية بحكم غياب الديمقراطية الداخلية وسيادة الزعامات الكاريزمية وغياب دورة النخب وتفشي ظاهرة الإقصاء والولاء الفردي.كما تؤثث هذه القراءة بعض التصورات التي أعتقد أنها لم تنضج بعد، وقد تكون سابقة لأوانها بفعل سيادة ثقافة سياسية يؤطرها فعل الهيمنة والانتهازية الإنتخابوية والحسابات السياسية الضيقة، وهي ثقافة سائدة لدي النخبة السياسية المغربية بصفة عامة، وتغلب جانب المنفعة والولاء علي مبادئ المواطنة والمسؤولية.فالشأن الحزبي الداخلي لم يكن أبدا شأنا عاما، لأن التكتل الحالي هو تكتل حول الأشخاص وليس تكتلا حول الأفكار.والحالة هذه، ان التنظير الفقهي والمدرسي السائد حاليا، والذي يؤطره بشكل خاطئ ودعائي، خطباء متحزبون يدعون البراءة، وأبواق مؤدلجة ومبرمجة لتمييع وتسفيه وتسطيح النقاش السياسي الدائر حول القضايا الوطنية الكبري، لأن كثيرا من المفاهيم أفرغت من محتواها، وغدت شعارات جوفاء تقلقنا وتزبدنا: العهد الجديد، التناوب، المشاركة السياسية، الرأي العام، المجتمع المدني، نزاهة الانتخابات، دولة الحق والقانون، حقوق الإنسان، النخبة السياسية، تخليق الحياة العامة، المفهوم الجديد للسلطة، الانتقال الديمقراطي…فكتاب، أو بالأحري كتبة هذه المرحلة الدقيقة من تاريخ المغرب يمنحون الأوهام والأحلام لشعب يعشق لحظة الحلم لأن الواقع لم يعد يحتمله، واقع أوقع الجميع في مأساة شيكسبيرية. فالتعامل الانتهازي أوصلنا إلي الكوارث، إلي درجة يمكن القول فيها إن ليس هناك نموذج إصلاحي مغربي، وإنما هناك خيانة كبري قامت بها نخبة سياسية في حق تاريخها النضالي، لقد تنازلت هذه النخبة كثيرا من أجل الدخول في لعبة نتيجتها غير مضمونة.هل يمكن أصلا أن نسائل أحزابنا عن 48 سنة من الضياع والخذلان؟ماذا قدمته هذه الأحزاب لهذا الشعب الصبور الحالم، أم أننا يجب أن نكون واقعيين ولا نسائلها عن الشأن السياسي العام لأنه ليس بيدها حيلة كما يقال، أم نسائلها فقط عن الأوهام التي زرعتها فينا، فالأحزاب السياسية لديها مسؤولية مزدوجة فقد منحتها أحلاما وردية ما زلنا نتلذذ بها، وقايضتنا بتمثيلية لم تكن حقيقية. قايضتنا لأنها شاخت وتهالكت، وأضحت لا تعبر عن النبع الأصيل للمجتمع وأيقنت أن الجماهير فطنت لما أسماه المهدي المنجرة بالخيانة الكبري . هذه التراجعات الخطيرة تفسرها الحصيلة الهزيلة لأدائها المترهل ومواقفها المتخاذلة تجاه القضايا المشتركة التي نؤمن بها جميعا ونتفق عليها: الإصلاح الدستوري، فصل السلط، تحديد المسؤوليات، ضمان التنمية المستديمة.فالمتتبع للمشهد الحزبي الوطني يلاحظ أن خطاب الأحزاب أصبح خطابا احتفاليا وموسميا، لأنه استنفد شعاراته الغوغائية واختزل الديمقراطية في آلية الانتخابات. قد تبدو للبعض أن هذه الدعوة غريبة أو متحاملة علي اعتبار أن الأحزاب هي بحق لحمة الضبط السياسي والاجتماعي للنسق السياسي العام، إذ لا يمكن تصور نظام ديمقراطي بدون وجود أحزاب سياسية حسب تعبير ماكس فيبر. لكن الأغرب من ذلك في هذه القراءة، هو التساؤل في ما إذا كانت لدينا فعلا أحزاب حسب مفهوم علم السياسة المتعارف عليه كونيا، علي اعتبار أن الحزب في أبسط مفاهيمه هو ذاك التنظيم السياسي الذي يهدف إلي الوصول إلي السلطة أو ممارستها بغية تحقيق سياسة أو برنامج معين.لم أجد أبدا أي مفهوم للحزب يعرفه علي أنه عبارة عن تنظيم يهدف للحصول علي كراس مريحة في البرلمان، فهل لدينا أحزاب أم أننا نقول حزب لأنها كلمة استعملت منذ القديم؟ هل هذه الأحزاب في تكوينها وطبيعتها وممارستها هي مطابقة لمفهوم الحزب في اللغة السياسية؟ هل لدينا أحزاب أم زوايا أم وكالات سمسرة ؟ إن أحد أهم المفاتيح الأساسية لإدراك طبيعة معوقات الحياة السياسية في المغرب يكمن في أن عددا من الأحزاب السياسية، التي شكلت طيلة السنوات الماضية طاقة الدفع الأساسية للنضال من أجل الديمقراطية، تعاني بدورها من أزمة ديمقراطية، إن مساحة أساسية من إصلاح الدولة في المغرب تنطلق من إصلاح الأحزاب عبر مصالحتها السياسية مع المجتمع . ويري بعض الكتبة المحترفين ، أننا نتوفر علي المنظومة المؤسساتية التي نستحقها كمجتمع، كما نتوفر علي الأحزاب التي نستحقها ونتوفر أيضا علي مجموعة من المؤسسات الأخري التي نستحقها حسب مقولة أفلاطون المثالية:Chaque peuple a le gouvernement qu’il m‚rite هذه الصيغة التحقيرية والتبريرية تنم بوقاحة عن الوضع الانتهازي والوصولي الذي يعشش في مخيال ما يسمي مجازيا بالنخبة السياسية.وهذا ما دفع بأحد المتحزبين إلي الاعتراف بأن هناك إقطاعيات في بعض الجهات الحزبية، ولا بد من عامل الشجاعة والجرأة لفتح ملفات شائكة مثل هذه. وفي ذات السياق، يعترف احد قياديي الأحزاب أن المخزن دخل إلي الأحزاب، فأصبح تفكيرنا داخل الأحزاب تفكيرا مخزنيا، بحيث كل واحد له موالون له في النظام المخزني ويبايعونه، فالأزمة ليست أزمة يسار بل أزمة أحزاب .إذن، ومن خلال هذه الشهادات الدالة، التي تفوه بها مسؤولون قياديون داخل الأحزاب السياسية، يتضح أن هناك إجماعا، علي الاقل بين فرقاء الأحزاب، علي وجود أزمة في الأحزاب السياسية المغربية وبالذات أزمة هوية، لان الحزب لم يعد يمثل أي شيء بالنسبة للمجتمع.الأحزاب المغربية أصبحت جزءا من منظومة المخزن، أي جزء من النسق العام لآلية الضبط المخزني.وهذا الطرح يؤكده زارتمان، حيث يري أن الأحزاب السياسية المغربية هي عبارة عن جماعات المصالح، هدفها الأساسي استقطاب نخب جديدة لضمان صيرورة وإعادة إنتاج النظام القائم. صحيح، هناك أقلية منتفعة سماسرة ، تريد الحفاظ علي الوضع القائم بأي ثمن كان، فأي واحد له مصداقية وتربطه التزامات بالجماهير، عليه أن يحدد بوضوح ما هي الإمكانيات الكفيلة بتحقيق التزاماته، فالأكيد أن أساس كل العوائق التي يتحدث عنها الجميع كان واضحا منذ البداية ، وبالتالي فهل الذي يقبل بتزوير الانتخابات ويقبل بالدخول إلي الحكومة علي هذا الأساس، هل يمكن أن يتحصن من بعد بالشعب وبناخبيه؟ .إذن، لماذا هذه الدعوة؟وهل من المنطق أن نقاطع ما نسميه نحن في المغرب بـ الأحزاب السياسية ؟هل هي دعوة لقطيعة مطلقة أم أنها دعوة لتصحيح المسار وإعمال النقد الذاتي في آليات الاشتغال والتنظيم لدي الأحزاب السياسية؟في البداية، لا بد من التأكيد أن هذه القطيعة موجودة وبقوة، وتجد تفسيرها في عدم الثقة بالأحزاب السياسية: عزوف الشباب والنساء عن العمل السياسي، ارتباط مفهوم السياسة لدي رجل الشارع بالانتهازية والوصولية، الانفصال الخطير بين النخبة والقاعدة، وتغليب الخطاب والوعود علي الممارسة والبرامج، والأهم من هذا كله هو القبول بالاشتغال في دائرة دستورية وسياسة ضيقة لا تسمح البتة بالمشاركة في صنع القرار السياسي.هل استطاعت الأحزاب السياسية المغربية أن ترقي بأدائها السياسي في اتجاه جبر الزخم المطلبي لجماهير الشعب المغربي، أم أن هذا الأداء رهين بتحولات تكتيكية من أجل كسب عطف وتودد الجماهير؟الواقع أن الأحزاب السياسية فشلت فشلا ذريعا في مواكبة التطور الحاصل في التشكيلة السوسيو ـ اقتصادية للمجتمع، فمطالب المجتمع لا تسعها برامج الأحزاب المتخثرة والمترهلة، فالإنتظارات الضخمة والهائلة لا يوازيها أي عمل ملموس إذ أن أي تجسير لهذه الفجوة، بعد 46 سنة من الاستقلال الشكلي، يبدو أمرا مشكوكا فيه، خصوصا أن آلية اشتغال الأحزاب استنفرت جهدها للحصول علي مكان ظليل يؤمن لها العيش بترف في كنف النظام الذي صنعها وطوعها.. طبعا بما نسميه بالتناوب التوافقي، وعلي حساب نضالية وكدح الجماهير التي فوضتها التمثيلية ذات يوم!فالدستور المغربي لا يقر صراحة علي تعيين الوزير الأول من الأغلبية البرلمانية، لأن الفصل 24 من الدستور ينص علي أن الملك يعين الوزير الأول ويعين باقي أعضاء الحكومة باقتراح من الوزير الأول، وله أن يعفيهم، أي الملك، من مهامهم ويعفي الحكومة بمبادرة منه أو بناء علي استقالتها، وهو الشيء الذي لم يحدث مطلقا في تاريخ المغرب.كما أن الفصل 60 من الدستور، ينص صراحة علي أن الوزير الأول يتقدم أمام كل من مجلسي البرلمان بعد تعيين الملك لأعضاء الحكومة ليعرض البرنامج الذي تعتزم الحكومة تطبيقه. وهذا يعني أن الحكومة تكون قائمة وممارسة لاختصاصاتها بالمفهوم القانوني بمجرد تعيين الملك لها ولا تحتاج إلي تصويت البرلمان لكي يقرر في ذلك، بدليل أن الفصل 75، الذي يحيل إليه الفصل 60 يتحدث عن الاستقالة وليس الانسحاب.فالملك من الناحية الواقعية يعتبر رئيسا للدولة ورئيسا للحكومة، فهو صاحب السلطة التنفيذية ويمارس صلاحيات فعلية وواسعة بالرغم من عدم تحمله للمسؤولية.وتمارس الحكومة صلاحياتها ومهامها تحت إشراف الملك ولا تتمتع باستقلالية أو حتي هامش منها تخول لها سلطة التقرير الفعلي، لأن جميع القضايا التي تهم السياسة العامة للدولة وحتي مشاريع القوانين والمراسيم التنظيمية لا تجرؤ علي البت فيها إلا بعد عرضها علي المجلس الوزاري الذي يرأسه الملك بمقتضي الفصل 25من الدستور.ولا بد من التنبيه إلي أن مجلس الحكومة الذي يرأسه الوزير الأول لا يتوفر علي أية صلاحيات تقريرية ويقتصر دوره علي إعداد وتهييئ وترتيب الملفات ودراستها من الناحية الفنية والتقنية قبل عرضها علي المجلس الوزاري.فالهندسة الدستورية المغربية تتميز بتضييق الخناق علي الحكومة. إذ أن الوزراء في النظام الدستوري يعتبرون كسائر موظفي الدولة، لهذا فالوزير الأول لا يتوفر علي سلطة تحديد وتوجيه السياسة العامة، كما أنه لا يستطيع قيادة العمل الحكومي أو تأسيس أي انسجام، لأن الوزراء مسؤولون شخصيا وجماعيا أمام الملك بمقتضي الفصل 60 من الدستور، بالإضافة إلي بروز ظاهرة وزراء الدولة أو السيادة ثم كتاب الدولة والتكنوقراط التي عمقت الجرح الدستوري وأقصت ما تبقي للحكومة من اختصاصات ضئيلة.فالحكومة بهذا المنطق، هي أداة لتنفيذ سياسة الملك، لأن رئاسته للمجلس الوزاري تمكنه من ممارسة الوظيفة التنفيذية من خلال توجيهاته وتعليماته والتي لا تستطيع الحكومة الخروج عنها بمقتضي الفصل. وهذا ما دفع بأحد قياديي حزب الاستقلال إلي القول بأنه مختلف مع الحزب داخل الحكومة، فحكومة اليوسفي ألحقت الضرر بالمغرب والحالة لا تبعث علي الاطمئنان، ونفس الشيء أكده لحبيب الفرقاني حين صرح أن الحكومة بوزرائها الإتحاديين ليست لها أية علاقة مع الحزب، لا علاقة اتصال ولا علاقة إصلاح ، فبالأحري متابعة ومحاسبة، فالحكومة في النهاية حكومة للأشخاص الاتحاديين الموجودين فيها، وليست قط حكومة حزب الاتحاد الاشتراكي.فالإشكالية الدستورية قائمة ولا مجال للمقامرة أو الرهان علي الوهم، لأن النظام المغربي مند سنة 1960وهو يشتغل كنظام شبه مغلق، مستعملا في ذلك زبناء منتظمين في إطار شبكات زبونية علي شكل جمعيات أو أحزاب .فأي حديث عن الإصلاح بمعزل عن الإصلاح الدستوري والسياسي هو حديث مجاني وغوغائي. ومن ثم، لا أحد يستطيع أن ينكر هذا الفراغ الدستوري المهول الذي يسم الحكومة والبرلمان معا.فالحكومة القوية في المغرب لن تفرزها الانتخابات أبدا، لأنها غير موجودة أصلا في الدستور. والمشكلة في المغرب أن الأسئلة واضحة والأجوبة مؤجلة، فالمسألة لم تكن في البداية في قبول أو رفض شكل التناوب الممنوح بقدر ما تتعلق بموقف أصبح متجاوزا للأحزاب، لأن التطور المجتمعي الحالي هو اضرار بمصالح الأحزاب، فالقضية في النهاية تتحدد في مصالح خاصة وحسابات ضيقة. وحتي لو افترضنا أن هناك حكومة لها برنامج معين تريد تطبيقه هل تستطيع بالفعل تحقيق ذلك؟هل فقط الإطار الدستوري والسياسي الذي تشتغل فيه الحكومة هو ما يبرر ذلك؟إن الممارسة السياسية في النظام المغربي يغلب عليها منطق التعليمات والأوامر والإشارات وليس منطق القانون والمشروعية، فالتعامل والعلاقات مبنية علي أساسالولاء والانبطاح والخنوع وليس علي أساس الشرعية والمشروعية. فلا أحد يستطيع أن يؤكد أن هناك اختصاصات محددة تميز إحدي المؤسستين البرلمان والحكومة . فالوصاية المفروضة والخلط الواضح في الاختصاصات وعدم تحمل المسؤولية تساهم إلي حد كبير في تأزيم الوضع السياسي العام.ہ كاتب في المغرب8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية