ديوان الشعر العربي
عزت القمحاوي ديوان الشعر العربيكانت النية تتجه إلي جلسة في الحسين، من دون أن نكون متأكدين من الوصول إلي هدفنا، في القاهرة التي لم تعد شوارعها تؤدي إلي اية وجهة!أدونيس وجمال الغيطاني وعبد المنعم رمضان وأنا، كنا في سيارة تزحف بشارع عبدالخالق ثروت، عندما اقترح الغيطاني علي أدونيس إصدار طبعة شعبية مصرية من مختاراته: ديوان الشعر العربي وأجاب أدونيس بأنه يتمني ذلك، وإن كان يتحين الفرصة لإعادة النظر في المختارات ليجعل معيار الاختيار أكثر لينا، ويدخل مراحل جديدة. كان بذهننا، نحن المصريين الثلاثة، مكان واحد للنشر يليق بهذه المختارات وتليق به، هو هيئة قصور الثقافة، التي لايزال مشروع النشر بها أحد الهوامش الباقية بعيداً عن سياسة الاستعراض الثقافي، وخصوصاً بعد أن شهدت كتبه طفرة إخراجية ومضمونية مع انتداب أمين شاب للنشر هو أحمد مجاهد. ولأهمية المشروع لم يدع الغيطاني أدونيس لكسله، أو لظروف الحياة، فكان أن أبلغ مجاهد بالاقتراح وزوده بهواتف أدونيس في باريس. كان ذلك منذ أقل من عام، واليوم صدر الديوان بمجلداته الثلاثة، بهجة للقارئين، وبسعر رمزي (خمسة جنيهات للمجلد، أي أقل من دولار). ويبدو أن الرغبة في اللين والتسامح في الاختيار ستبقي لدي أدونيس مجرد رغبة، تداعبه عند كل طبعة جديدة دون أن تتحقق، وذلك أفضل جداً؛ فقد كانت ولم تزل تلك الصرامة التي حكَّم بها أدونيس ذوقه علي التراث ضرورية لحياة التراث ذاته، بقدر ما هي ضرورية لقضية الحداثة. خصوصاً وأن المختارات التي تعاملت باللين وقدمت الرائج موجودة ومتوفرة، كمختارات البارودي التي أعيد طبعها مرات ومرات.وليس خافياً الدافع القتالي الذي كان وراء المختارات التي صدر الجزء الأول منها في بيروت عام 1964عن دار المكتبة العصرية، وقد كان الخلاف علي قصيدة النثر العربية محتدماً، والشطط في الهجوم عليها يبلغ حد اتهام أصحابها بالعمالة إلي الخارج، وتنفيذ مخططات تدميرية، وكانت المختارات طريقة أدونيس في الحرب، وقد شاء أن يأتي رده في شكل أمثولة، وجاءت تنقيباته لتضع المهجور والمنسي في الصدارة وتثبت أن الحداثة العربية ليست منقطعة الصلة عن التراث. ومنذ صدور طبعتها الأولي صارت مختارات أدونيس مرجعاً مهماً من مراجع الشعر العربي، وأعيد طبعها في بيروت مرة (دار الفكر 1986) وبين بيروت ودمشق مرة (دار المدي 1996).ولأن اختيار المرء جزء من عقله كما يقولون، فقد ذهب أدونيس إلي المهمش والمنسي من الشعر العربي، مبتعداً ما أمكنه عن الشعراء المكرسين تاريخيا، منحازاً إلي صوت الفرد لا سلطة الجماعة، وإلي التمرد والابتداع لا إلي ثقافة الاتباع. وإذا كانت الحداثة الشعرية العربية أقدر اليوم علي العيش من دون دفاع أدونيس، بحق ما أنجز شعراؤها من شعر حقيقي، فإن التراث صار أحوج إلي هذه المختارات مما كان علــــيه في الستينيات. والمتأمل لمناهج الشعر واللغة العربيين هذه الأيام يصاب بالذهول من حجم التراجع، وسألتزم التواضع متحدثاً عن المناهج المصرية التي أعرف، فالفرق بين ما درسته وما يدرسه أبنائي اليوم من بؤس المتون والشروح، يؤكد إلي أي مدي صار التراجع. اختطف الموظفون المناهج التعليمية فألغوا المختارات التي أعدها كبار الأدباء قبل ثلاثة أرباع القرن وتولوا هم الاختيار والشروح، طمعاً في الدنيا، حيث مكافآت التأليف المجزية، أو طمعاً في الآخرة، وإرضاء لتوجهاتهم الدينية المحافظة، فعادت النصوص الشكلية التي تحتفي بالنظم لا بالصورة وتعيد الشعر إلي موقع الوثيقة التاريخية لا الأدبية الجمالية!ويكفي أن نقرأ هذه المصادرة في بداية التعريف بالعصر الجاهلي، بمنهج الأول الثانوي الذي أعدته لجنة التطوير!، يقول التقديم يقصد بالعصر الجاهلي: تلك الفترة التي سبقت مشرق الإسلام بنحو مائة وخمسين عاماً تقريباً، حيث كان الناس يعيشون في جهالة وفوضي !بعد هذه المصادرة الايديولوجية للعصر، الكفيلة بإغلاق كل أفق للتلقي تأتي نصوص الفخر، والمديح، لشعراء الجهالة، مما أسقطه أدونيس في مختاراته، والذي تعد مقدمته المقسمة علي أجزاء الديوان الثلاثة أوفي دراسة للشعر العربي، وأقوي انتصار لإنسانية هذا الشعر وهذه الحضارة التي يتهم أدونيس في كل مناسبة من الأصوليين بالعمل علي هدمها!وإذا كان أدونيس يري أن الحداثة لايمكن أن تبتكر جمالاً جديداً بلغة تجهل جمالياتها وتاريخها الجمالي، فإن الذين يتحدثون عن الإصلاح لايمكن أن يكونوا جادين في دعاواهم إذا لم يستفيدوا من هذا التأسيس الشعري لحالة الحرية، والانتصار للفرد الذي أنجزه أدونيس في مختاراته وفي مقدمته التي من العار أن تبقي بعيدة عن مناهج تدريس الشعر في مدارسنا.0