المأزق السياسي الفلسطيني يستدعي حواراً شاملاً كخطوة لإعادة حركة التحرر أو الانطلاقة الثانية للثورةقضية فلسطين في عمقها التحرري والإنساني هي من أبرز قضايا عصرنا والموقف منها يفصل بين الخير والشر
ابراهيم عجوةسيناريوهات الخراب:
علي المستوي الفلسطيني تبدو القضية الفلسطينية أمام حزمة من الخيارات، وهي خيارات ليست معزولة عن بعضها البعض، بل إن أحدها قد ينتج عن الخيار الآخر، أي يلعب دور الممهد للخيار الآخر، وهي في مجملها تصب في خانة المشروع الصهيوني، تصفية القضية، وهذه الخيارات هي:1 ـ خيار الصوملة: أو انفجار الحرب الأهلية في قطاع غزة وقد بدأت تطل برأسها في العديد من المظاهر، وهي في المحصلة مشروع صهيوني. ينقل الأستاذ محمد حسنين هيكل علي فضائية الجزيرة 20/4/2006 عن شخصية دولية تحدثت هاتفياً مع إيهود أولمرت فكان الحوار التالي:
الشخصية الدولية: ماذا ستفعلون مع حماس؟
أولمرت: لن نعمل أي حاجة. أعطينا أنفسنا فترة سنة في هذا الموضوع، ونعتقد أنه في هذه السنة، سيتولي الأمر بين الفلسطينيين تسوية نفسه. نحن لفترة طويلة كنا نطالب السلطة بنزع سلاح حماس، لأن سلاح حماس، كان يزعجنا، لكننا مقبلون علي مرحلة أن السلطة سوف تنزع عن حكومة حماس الفلسطينيين أنفسهم. ثم إن حماس فيها أناس نظاف clean ، وهؤلاء سوف يصطدمون مع غيرهم من الحركات.2 ـ تطبيق نموذج تيمور الشرقية التي وضعت تحت الانتداب الدولي مباشرة لمدة (3) أعوام، جرت في خلالها انتخابات حرة وديمقراطية تسلمت في نهايتها القيادة الشرعية مقاليد الحكم، وذلك في ظل الاستعصاء القائم في عملية التسوية. وهذا الخيار هو استلهام لأطروحة الصهيوني مارتن إنديك وصاية علي فلسطين. وهناك تباشير لهذا الخيار منها: تدويل المعابر في قطاع غزة، وأطروحة شيراك: تدويل صرف الرواتب لموظفي السلطة.3 ـ الترانسفير القسري و/أو الناعم: هناك سيل من مشاريع الترانسفير المطروحة والتي يعمل الكيان علي توفير مستلزماتها. وهي تطال فلسطينيي 48، وقد بات لها حامل دولي. كيسنجر دعا إلي التخلص من فلسطينيي الـ 48، وأشار إلي أن الرئيس بوش كان علي وشك الموافقة علي هذا المشروع. يأتي في مقدمة المناخات الملائمة للترانسفير نجاح الكيان الصهيوني في العالم، تزييف حقيقة الصراع، وتحويله إلي صراع أمني، أي أن القضية لم تعد قضية شعب يريد تحرير وطنه، وإنما هي قضية أمن الكيان الصهيوني والعالم بات يجيز له توفير أمنه. يشرع هذا للصهاينة أي خطوات وسياسات تخدم هذا الأمن، حيث يجعل من نهر الأردن حدوده الدولية من الشرق، ويقوم من خلال جدار الضم والتهويد، بمحاصرة الفلسطينيين، وخلق ظروف ضاغطة عليهم ليقوموا بالهجرة التي تسمي ترانسفيرا طوعيا ناعما، بحثاً عن إمكانية الحياة. وهناك ترانسفير داخلي في الضفة الغربية، حيث نري أن عدد الفلسطينيين الذين كانوا خلف الجدار في بداية إنشائه في منطقة القدس كان 26 ألف شخص، لكنهم الآن 4000 شخص فقط. وهناك 120 ألف فلسطيني يقبعون خلف الجدار. وهناك 58 ألف نسمة هاجروا من البلدة القديمة في الخليل تحت وطأة ثقل الممارسات العنصرية الصهيونية.4- خيار الوطن البديل: عاد إلي الواجهة من خلال تصريح قائد المنطقة الوسطي في الجيش الصهيوني الجنرال يائير نافيه أن الملك عبد الله الثاني قد يكون آخر سلالة الهاشميين في الأردن، ومن ثم إدراج الموضوع في البرامج الانتخابية لست كتل انتخابية صهيونية، حيث تصبح فلسطين كلها إسرائيل، والأردن تصبح فلسطين، والعراق هو المملكة الهاشمية وفقاً لتعبير إستراتيجية الفخ النظيف التي وضعها بعض أقطاب المحافظين الجدد، كدليل عمل لحكومة نتنياهو عام 1996. وثمة من يعتقد أن هناك مناخات محلية أردنية فلسطينية، يمكن توظيفها في خدمة هذا الخيار تتمثل في عدم اعتراف وقبول الحركة الإسلامية في الأردن وحركة حماس بفك الارتباط القانوني والإداري الذي أعلنه الملك حسين بين الضفة الغربية والشرقية.5 ـ دولة فلسطينية في قطاع غزة، وسيادة فلسطينية معومة علي ما تبقي من أراضي الضفة الغربية.6 ـ فصل ما تبقي من الضفة الغربية عن قطاع غزة: هناك معلومات تقول بأن ثمة قوي فاعلة علي الأرض في الضفة الغربية، تتحدث في إمكانية القيام بانقلاب سياسي، يؤدي إلي فصل الضفة الغربية عن سلطة حكومة حماس، وحجة هؤلاء الانقلابيين أن حماس تقود الشعب الفلسطيني إلي المجهول، الأمر الذي ستكون له عواقب خطيرة. وفي ضوء الاجتماعات التي عقدتها هذه القوي، فإن المفاجأة قد تحدث في أي لحظة تحت شعار الإنقاذ. وهناك عواصم عربية ودولية تدعم هذه الخطة وسيرافق ذلك تشكيل حكومة مؤقتة.7 ـ العودة إلي ما قبل احتلال 67 من حيث الإدارة وليس الأوضاع، بمعني أن يعود قطاع غزة إلي الإدارة المصرية، وما تبقي من الضفة الغربية إلي الإدارة الأردنية.
علي المستوي العربي والإقليمي:
من الواضح أن اشتداد الضغط الأمريكي علي سورية وإيران وقوي المقاومة الفلسطينية واللبنانية، واشتداد الضغط الصهيوني علي الوضع الفلسطيني يضع المنطقة علي فوهة بركان ويضعها أمام سيناريوهات في منتهي الخطورة لا يستفيد منها سوي المشروع الإمبريالي الصهيوني، إذا لم يتنبه الجميع الي أنهم في مركب واحد قد يغرق بهم جميعاً إذا ما حسب أي طرف المعادلة من منظور ضيق قوميا كان أم قطريا أم فئويا أم طائفيا أم مذهبيا.1 ـ قد يلجأ الأمريكان إلي خطوة عسكرية تحول المنطقة إلي ساحة حرب وتقسمها وعلي كل الساحات إلي معسكرين محتربين أو أكثر، في حرب أهلية عالية الشدة، مما يدخل المنطقة في حالة من الفوضي قد لا تشفي من آثارها لزمن طويل، ويحول المنطقة إلي ساحة حرب باردة نموذجية لصراع المصالح للأقطاب الدولية الساعية لاقتسام المنطقة.2 ـ في حال لم يتم اللجوء للخطوة العسكرية فستحاول الولايات المتحدة تحويل الملف النووي الإيراني إلي فزاعة للمنطقة العربية، وقد تلجأ إلي توافق شكلي وتقدم تنازلات علي صعيد العراق لصالح دور إيراني يرفع درجة المخاوف في المنطقة، وبالعزف علي نغمة السنة والشيعة والعرب والفرس، تنجح الولايات المتحدة في تحشيد حزام سني عربي من عُمان حتي كردستان وبعمق يمتد حتي المغرب العربي. تنحرف في ضوء ذلك الأولويات وتصبح المعركة معركة عربية إيرانية من جديد تحصد مرارتها الأمتان العربية والإيرانية والعالم الإسلامي بشكل عام.3 ـ قد لا يصل التوتر بين المعسكرين علي حدود الحزام أعلاه إلي حرب عالية الشدة مما يحولها إلي حرب منخفضة الشدة قد تدفع الأردن أو سورية ثمنها كساحات محتملة لهذا النوع من الصراع كونهما مناطق تماس بين المحورين.4 ـ في الخيارين أعلاه لن يتوقف الضغط علي سورية من الخاصرة اللبنانية وعبر كل أشكال العقوبات الممكنة من طرف الولايات المتحدة وحلفائها، كما لن يتوقف استخدام مجلس الأمن والأمم المتحدة كوسيلة لإضعاف سورية استعداداً للإجهاز عليها في أي لحظة متاحة من السيناريوهين الأولين، بعد أن تتم تهيئة انكشافها من كل الاتجاهات.
أسئلة المأزق الفلسطينييقول علي ابن أبي طالب: إعرف الحق تعرف أهله.
ونحن نحلل ونحاول الإجابة علي الأسئلة علينا تجنب نظرية المؤامرة والتخوين، إلا ما كان موضوعياً منها، نابعا عن خيارات ودوافع كامنة محركة تقف خلف المواقف السياسية لتتخذ دور الخيانة بوعي ووضوح. ونحن سنحاول تعريف الحق والباطل لنحدد في ضوئه مواقع الأطراف والأشخاص.
مما سبق نستطيع القول ان المأزق السياسي الفلسطيني يستدعي اليوم أكثر من أي وقت مضي حواراً اجتماعياً شاملاً كخطوة لإعادة بناء حركة التحرر الوطني الفلسطيني أو ما يمكن تسميته الانطلاقة الثانية للثورة الفلسطينية المعاصرة.
هذا الحوار يستدعي الإجابة علي جملة من الأسئلة الملحة التي باتت تتداولها العديد من التجمعات السياسية والثقافية، وعلي جملة من الأسئلة المنسية أو المسكوت عنها.
ومن هذه الأسئلة ما هو مفاهيمي كالدولة والاستقلال والديمقراطية وتبادل السلطة والإصلاح السياسي والتنمية، وتجليات هذه المفاهيم علي صعيد القضية الفلسطينية والمبني السياسي الفلسطيني، وبعضها سياسي كتحديد المرحلة ومتطلباتها، وتشخيص المخاطر الحقيقية وصوابية الخيارات السياسية، والأولويات والآليات والتكتيك والاستراتيجيات، المقاومة كيف ومتي، السلطة ضرورة فلسطينية أم صهيونية ومخاطرها وضروراتها، وهل الخلل الأساسي يكمن في شخوص السلطة أم في السلطة ذاتها. ولا قيمة لهذه الأسئلة والإجابات ما لم تكن مقدمة لبرنامج سياسي يجيب علي مصير المواجهة مع الاحتلال. وفيما يتعلق بالمفاهيم نبدأ بمفهوم الدولة الفلسطينية فهل كانت ثورة الشعب الفلسطيني نتيجة افتقاره إلي دولة في مشروع سايكس بيكو كبقية أقرانه العرب؟ أم أن ثورته كانت نتيجة احتلال أرضه وتشريده عنها؟ فقبل بناء الدولة هناك مشروع التحرير. الشعب الفلسطيني كغيره من الشعوب العربية كان جزءاً من حركة التحرر القومي العربي، يناضل مع أمته من أجل بناء دولة الأمة التي احتجزت باتفاقية سايكس بيكو، التي قسمت الوطن العربي إلي مناطق نفوذ بين الدول الاستعمارية. الوهن الذي أصاب حركة التحرر القومية العربية قادها إلي استبدال معركة التحرر القومي بمعركة الاستقلال الوطني حسب الخارطة المحددة للقطريات العربية في خارطة سايكس بيكو ذاتها. معركة الاستقلال تلك أبقت القطريات العربية بكل تلاوينها ونظم حكمها وأيديولوجياتها ونوايا حكامها أمام حائط مسدود من القدرة علي استكمال الاستقلال القطري فما بالك بالتحرر القومي. هذه القطريات بقيت عاجزة عن التنمية المستقلة، وبقيت أسيرة التبعية والتخلف، وفي السياسة بقيت تدور موضوعياً علي محور الخصم. الكيان الصهيوني كان أحد إفرازات سايكس بيكو حارس التجزئة والتخلف ووسيلة احتجاز للنهضة القومية بالقوة. فجاء الكيان الصهيوني بذلك مكملاً لوظيفة وجود الحالة القطرية العربية. حالة الانحراف بدأت في المبني النضالي الفلسطيني عندما تحول عن تأكيد أن فلسطين أرض لها شعب نفياً للمقولة الصهيونية أن فلسطين أرض بلا شعب، لينحرف إلي مقولة أن هدف الشعب الفلسطيني هو بناء دولته الخاصة تماهياً مع القطريات العربية وبالتالي تماهياً مع الكيان الصهيوني موضوعياً واستكمالاً لشرط ناقص في سايكس بيكو، وهو تجاهل قطرية فلسطينية.
وإذا كان مفهوما ما تكرس من قطريات عربية بعضها يصل حد الكاريكاتور، من حيث القدرة والإمكانية وشروط قيام الدولة وقدرتها علي الحياة كدولة مستقلة قادرة علي البناء والنهوض والتنمية وحماية الذات وما إلي ذلك من شروط، فإن ذلك في الحالة الفلسطينية لشعب مشرد من أرض تم احتلالها يصبح ضرباً من ضروب العبث السياسي. البعض يقول ان الدولة الفلسطينية علي الضفة والقطاع هي أكبر من العديد من الدول العربية، ومن قال ان أكبر الدول العربية تمتلك شروط الدولة خارج دولة الأمة، فما بالك في أصغرها؟ الدولة ليست قطعة من الأرض وعدداً من السكان وشريطاً شائكاً من الحدود معترفا به أو غير معترف، فربما تكون هذه زريبة للبهائم أو سجنا أو سمه ما شئت ولكنها ليست شروطاً لدولة.
إن الحديث عن الدولة الفلسطينية علي أي قطعة أرض يتم تحريرها أو يتم الانسحاب منها ما هو في الجوهر إلا خدمة للمشروع المعادي الذي كما احتجز مشروع التحرر القومي بالاستقلال القطري سيحتجز التحرير بمشروع الدولة. الأرض المحررة يبني عليها مشروع استكمال التحرير بشروط أفضل وليس دولة.
أما مفهوم الاستقلال فهو مفهوم نسبي فهل تستطيع دولة أن تمتلك أي نسبة من شروط الاستقلال الوطني وهي تفتقر للأرض الأداة الأولي للإنتاج، وهي تفتقر لشعبها المشرد بين أربعة أصقاع الأرض، وهي تفتقر لحق السيطرة علي سمائها ومائها وحدودها. إذا كانت أغلب القطريات العربية الناتجة عن سايكس بيكو كما الكيان الصهيوني كلها تفتقر بحدود متفاوتة للاستقلال، الذي استحال تحقيقه بعيداً عن دولة الأمة، والبعض منها لم يتجاوز شروط تكوينه كدولة وظيفية في مبني الجيوبوليتيك العربي، فما بالنا ونحن نتحدث عن سلطة الحكم الذاتي كدولة أو كمشروع قابل للتحول إلي دولة مستقلة لا سيما في ظل طوفان العولمة الذي يستبيح ويعمل علي تقويض سيادة الدول المتشكلة والوازنة علي المستوي الدولي؟ فما بالك بدول لا تملك أي حد من القدرة علي إنتاج دورة الحياة؟
الدراسات الأخيرة تقول ان مصادر مياه الشرب سوف تنفد بالتأكيد في قطاع غزة عام 2020 ناهيك عن أن حوضي المياه في الضفة الغربية، الغربي والشرقي وقعا تحت السيطرة المباشرة للصهاينة، إضافة إلي مصادرة سلة الغذاء الفلسطيني في غور الأردن.
استدعي مفهموم السلطة/الدولة مفهوم تبادل السلطة في الساحة الفلسطينية، ومفهوم الديمقراطية، كمن يستبدل المناورة بالحرب. الديمقراطية وتبادل السلطة أمر متعلق بقوي اجتماعية متوازنة منقسمة في دولتها حول شكل الحكم والخيارات السياسية التي يجب انتهاجها، وليست متعلقة بشعب يخوض مرحلة التحرر الوطني، أرضه ما زالت تحت الاحتلال ولا يملك السلطة حتي علي إجراء الانتخابات. أليست الحرية المفتقدة هي الشرط الأول لبناء الديمقراطية؟ أليس الوطن المحرر والمتحرر والمستقل هو الأرض التي يجري عليها تبادل السلطة والديمقراطية.. ؟ ؟ أين نحن من هذا؟ ألا يشكل هذا استعارة كاذبة للمفاهيم في غير مكانها ويشكل حرفاً للصراع عن سكته الصحيحة نحو سكة الهاوية؟
أما ما يتعلق بالسياسة فلعلنا بحاجة إلي الإجابة علي العديد من الأسئلة:
أولاً: هل استكمل الشعب الفلسطيني مرحلة التحرر الوطني؟
ثانياً: إذا كان الجواب لا، ما هي استراتيجية حركة التحرر الفلسطيني الراهنة؟
ثالثاً: هل تصلح السلطة الفلسطينية لتكون جنين دولة؟
رابعاً: إذا كان الجواب نعم، ما هي استراتيجية بناء الدولة تلك وما هي الشروط المتوافرة لتحقق ذلك؟
خامساً: من هي قيادة وقوي الشعب الفلسطيني المتفقة علي هذه الاستراتيجية؟
سادساً: هل الشعب الفلسطيني هو الموجود في بقايا الضفة والقطاع، وأين موقع أهلنا في الشتات والمناطق المحتلة عام 48 داخل أي من الاستراتيجيتين.
؟ ؟
سابعاً: هل يمكن الجمع بين الاستراتيجيتين استراتيجية المقاومة واستراتيجية تطوير السلطة إلي دولة؟
لا نعتقد أن ما يجري علي الساحة الفلسطينية يشي بأن أحداً يملك أو طرح علي شعبه أيا من الاستراتيجيتين. فما نشاهده اليوم هو قوي سياسية تتصارع علي الدور. فلم تشكل القوي التي تسمي نفسها صاحبة استراتيجية المقاومة، وتتبني مقولة أن الشعب الفلسطيني ما زال في مرحلة التحرر الوطني، لم تشكل قيادة سياسية جامعة للشعب الفلسطيني المؤمن بهذه الاستراتيجية إلا إذا اعتبرت نفسها القوة الجامعة المانعة. وهي أيضاً لم تقل ان هذه استراتيجيتي وأنا الجهة القادرة علي تنفيذها بالوسائل التالية. قد تكون بعض الفصائل شاركت بشكل أكثر فاعلية في المقاومة، نعم هذه عمليات مقاومة وليست استراتيجية تحرر وطني. وهذا فصيل كبير وليس قيادة مشروع تحرر وطني ما لم يشكل ائتلافاً عريضاً فلسطينياً لإنجاز هذا المشروع من القوي السياسية التي تتفق معه في استراتيجيته الغائبة.
أما الذين يقولون بأن سلطة أوسلو صالحة لتكون جنين الدولة فهم أيضاً لم يقولوا لنا كيف وما هي مقومات هذا الاعتقاد وما هي شروطه المتاحة وما هي عناصر القوة السياسية التي يستطيعون عبرها بناء وتطوير هذا المشروع إلي دولة، وكيف سيجيبون علي سؤال حق العودة وكيف سيجيبون علي سؤال الدولة المستقلة وكيف سيجيبون علي سؤال التنمية. وهم بهذا يديرون نشاطاً أو عملية سياسية أكثر مما يديرون استراتيجية سياسية تستهدف تطوير سلطة الحكم الذاتي إلي دولة تجيب علي متطلبات الشعب الفلسطيني في حدها الأدني. وكيف يجيبون علي أسئلة شعبنا في المناطق المحتلة عام 48 وهل يستطيع أحدهم أن يقرر نيابة عنهم أنهم شعب من بلاد الواق واق أم هم جزء لا يمكن أن يتجزأ من الشعب الفلسطيني؟
أما سؤال الجمع المستحيل بين الدولة جنين السلطة حفيد أوسلو وبين المقاومة فهذا أيضاً يحتاج إلي استراتيجية توضح كيف يمكن هذا الجمع. فحتي تكون الدولة جنين السلطة، وتتفاوض مع المجتمع الدولي ومع الكيان الصهيوني فعليها أن تتخلي عن المقاومة. وحتي من باب التواطؤ لن يكون هذا مسموحاً أو ممكناً.
خطوة نحو المخرجأفضل ألف مرة أن تمشي خطوة نحو المخرج من ألف ميل نحو الهاوية.
معركة تحرير فلسطين ونهضة الأمة معركة واحدة لن تنتصر إحداهما بتجزئة المعركة:
في البداية لا بد من التنويه بأن أحداً أو طرفاً لا يمكن أن يمتلك بمفرده مهما كان شأنه ودوره تصوراً شاملاً للمستقبل العربي المنشود. فهذه المهمة هي حصيلة كل الجهود الفكرية والسياسية والعلمية والشعبية النضالية، التي تشترك فيها كل التيارات والقوي الفاعلة الحية في الأمة.
تشكل لدي الأمة العربية من خلال المعاناة والتجارب التاريخية والسياسية والتراث الحضاري العريق ما يمكنها من انتزاع زمام المبادرة، وتقرير مسار الأحداث والتطورات، والتعبير عن طاقاتها الإبداعية في كل المجالات، وتغيير الواقع العربي الراهن المتردي سياسياً واقتصادياً وثقافياً وعلمياً والرد علي التحديات المختلفة الكثيرة التي تواجه وحدة الوجود والمصير والمستقبل العربي.
لقد كان لكل عصر من العصور التي شهدتها أمتنا العربية قضاياه الرئيسية (حلقاته المركزية) التي ترتبط جدلياً بمجموع القضايا والمشاكل المختلفة، حيث لم يكن ممكناً تحقيق نصر في قضية دون كسر هذه الحلقات المركزية.
وفي عصرنا الراهن احتل الصراع العربي مع المشروع الإمبريالي الصهيوني الحلقة المركزية في نضال الأمة العربية، فقد جسد تاريخياً وسياسياً إرادة التحدي لدي الأمة واتخذ طابعاً جماهيرياً توحيدياً، وارتبط جدلياً بالنضال من أجل تحقيق الوحدة العربية وتحرير فلسطين من الاحتلال الصهيوني. كان الشرط اللازم للنضال العربي تحقيق الديمقراطية ضمن إطار الصراع ضد أعداء الأمة ومن أجل حشد الجماهير العربية وإطلاق طاقاتها في معركة التحرير والدفاع عن قيم العدالة والمساواة والإنسانية التي تجسدها القضية الفلسطينية باعتبارها قضية تحرر وعدالة، وحقا قوميا ثابتا، إذا تم التفريط به يسهل التفريط بالأهداف القومية الأخري. فقد شكل المشروع الصهيوني رأس جسر علي أرض فلسطين ليمنع بالقوة وحدة الأمة ولتثبيت التجزئة واستنزاف الطاقات والثروات ويضرب أي محاولة للنهوض.
لذا فإن الموقف الصحيح من قضية فلسطين هو المدخل الصائب لخروجنا من أزمتنا التي تزداد استفحالاً كلما تخلينا أكثر عن هذه القضية.
معركة تحرير فلسطين ليست معركة الشعب الفلسطيني وحده، بل هي مشروع قومي شامل، يتجلي في حشد طاقات الأمة وكل عناصر قوتها في مواجهة المشروع الإمبريالي الصهيوني وكل الغزاة الطامعين.
يتحمل الشعب الفلسطيني دور الجزء، بمسؤولية خاصة في استمرار المقاومة وعدم الاستسلام، كون المشروع الصهيوني يهدد مباشرة وجوده وهويته وأرضه. لكن الأمة العربية كلها مهددة بهذا المشروع، الذي اتخذ من أرض فلسطين قاعدة ارتكاز لفرض نفوذه وسيطرته وتوسعه، وفرض استراتيجية الهيمنة الغربية علي الوطن العربي.
النضال كما علمتنا تجاربنا وتجارب الشعوب عملية تراكمية، فالحرب ليست جولة واحدة أو عدة جولات أو معارك، الحرب عملية تاريخية تختبر فيها الأمة كل طاقاتها الفاعلة ضد عدوها التاريخي.
المصاعب محك للوعي وإرادة النضال:
لا شك أن نضال شعبنا العربي الفلسطيني وأمتنا العربية، يمران في مرحلة حرجة وصعبة، ولا نتصور أن نضال أمتنا مجرد نزهة قصيرة أو معركة طارئة، بل عملية تاريخية طويلة معقدة، تتضمن التقدم والتراجع علي خط متعرج. ولا يجوز أن تذهب كل التضحيات والآلام والمعاناة والشهداء هدراًً عند أول صعوبة أو منعطف. ألم نسقط حلف بغداد (النظام العسكري السياسي الإقليمي الشرق أوسطي في الخمسينات)؟ ألم نجبر الاستعمار الغربي القديم علي الانحسار عن بلادنا؟ ألم نهزم العدوان الثلاثي علي مصر؟ ألم نجبر العدو الصهيوني والأطلسي علي التراجع والانكفاء في لبنان؟ ألم نسقط اتفاق 17 أيار (مايو)؟ ألم نجبر العدو الصهيوني علي الانسحاب من جنوب لبنان؟ ألم تهز انتفاضة الشعب الفلسطيني ركائز المشروع الصهيوني وتفقده توازنه؟.
المستقبل العربي المنشود يرتكز علي تشكيل حركة تحرر عربية بوحدة تيارات الأمة:
يرتهن المستقبل العربي المنشود بسرعة وجدية انفتاح تيارات الأمة العربية الرئيسية علي بعضها البعض، بعيداً عن الهيمنة والإلغاء، وتشكيلها لحركة تحرر عربية جديدة ملتزمة بأهداف الأمة وفي مقدمتها تحرير فلسطين، وعلي أساس فهم عميق لدروس الماضي في تحديد الأولويات. يخلق الصراع من أجل تحرير فلسطين تكاملاً تلقائياً وجدلياً مع سائر حلقات النضال العربي الأخري، أي من خلال التركيز علي أولوية حل التناقض مع العدو الصهيوني. حيث لا مستقبل عربيا حقيقيا ولا إرادة حرة ولا تنمية بدون تحرير فلسطين. دعوة للإنقاذ:
لا يخالج الشك أحد في أن هذه الخيارات هي تلاوين المشروع، أو الاستراتيجية لتصفية قضية الأمة المركزية، وبالتالي فإن مواجهتها تندرج في خانة الضرورات الوطنية والحياتية للشعب الفلسطيني والأمة العربية. والمواجهة تفترض:1 ـ البقاء في موقع المقاومة، وفي العودة بوعي عميق ومسؤولية وطنية كبيرة إلي قانون مرحلة التحرر الوطني، والتي علي أساسها تتوحد الصفوف وتتحشد الطاقات، ويجري تخطي الخلافات والانقسامات التي تحدث بفعل تجاوزها.2 ـ ثم في إعادة بناء مؤسسات م.
ت.
ف بما هي ائتلاف جامع وبما هي أداة لحركة التحرر وليس بوصفها تعبيراً كيانياً فلسطينياً أو أداة لبناء دولة أو سلطة فلسطينية قبل استكمال عملية التحرير، وعلي قاعدة برنامج وطني واضح ومحدد، يربط بين ما هو استراتيجي، يتمسك بالحقوق الوطنية الثابتة غير القابلة للتصرف، وما هو مرحلي يؤكد علي كنس الاحتلال نهائياً دون قيد أو شرط عن الضفة الغربية بما فيها القدس وقطاع غزة، وإقامة دولة فلسطينية مستقلة تستكمل تجسيد حق العودة كحق راهن غير قابل للإرجاء.3 ـ إعادة القضية الفلسطينية إلي كونها معركة الأمة الأساسية في مشروع تحررها القومي المحتجز بفعل النقيض الصهيوني.4 ـ التأكيد علي استحالة التنمية والتقدم والديمقراطية والاستقلال الحقيقي في أي من الأقطار العربية دون دولة الأمة مما يعني أن معركة تحرير فلسطين هي معركة كل مواطن عربي يسعي إلي نهضة شعبه واستقلال وطنه والعيش بحرية وكرامة في مجتمع ديمقراطي قابل للتنمية والحياة.5 ـ التأكيد علي أن الصراع داخل كل قطر عربي في معركة الحريات والديمقراطية والتنمية لا يكون إلا بمقدار تناغم أي تشريع أو برنامج عمل مع ضرورات معركة التحرر القومي وبناء دولة الأمة واتجاهه وقدرته علي تحقيق خطوات باتجاه الوحدة القومية. وبمقدار اقترابه من الاشتباك مع المشروع الصهيوني علي شتي الصعد.6 ـ التأكيد علي أهمية بناء أداة تطلق نواة هذا الجدل القابل لإشعال النار في هشيم هذا الخراب العربي وتحويله إلي طاقة بناء تعرف طريقها بدقة ولا تضيع بين ضلال المفاهيم، والركض الموضعي الذي كلف أمتنا خسارة الدم والعناء وخسارة الأوطان.7 ـ وهذا ولا شك يستدعي مؤتمراً وطنياً جامعاً للقوي والفصائل والشخصيات الوطنية الفلسطينية يضم حكماء فلسطينيين وعربا مشهودا لهم بتاريخهم النضالي وبوعيهم العميق وتجربتهم المسؤولة، بما يؤسس لانطلاقة ثانية لمشروع الثورة الفلسطينية المعاصرة. أصبح هذا مطلباً وضرورة لا غني عنها.8 ـ إن إعادة الاعتبار للميثاق الوطني الفلسطيني وعدم السكوت عن إلغائه يشكل الأساس الصلب للبناء الوطني المنشود في إطار م.
ت.
ف. وإلي جانب هذا كله تقتضي الضرورة الوطنية مغادرة سياسة التهدئة والعودة إلي مربع المقاومة قولاً وفعلاً. فهي السبيل لمواجهة مشاريع العدو وإفشال مخططاته وتحقيق الأهداف الوطنية المرحلية.9 ـ دعوة كافة القوي الحية في الأمة إلي إحياء مشروع النهضة العربي، والذي بدا وكأنه أصبح ضرباً من الماضي في ظل الانتصار المؤقت لقوي المعسكر الإمبريالي. فهناك العديد من المتغيرات التي تبحث عن صياغة جديدة للعالم بما فيه الوطن العربي. وعلي قوي الأمة الحية أن لا تبقي في موقع المتلقي ونحن نري العديد من الدول والقوي في العالم باتت تتمرد علي ما تم تصوره قدراً أمريكياً. لا يستطيع المشروع الوطني الفلسطيني مهما بالغنا في إعادة استنهاضه أن يتقدم بشكل مناسب ما لم يحتضنه مشروع نهضوي عربي.
مفهومنا الشامل لمعركة التحرير:
إن مفهومنا لحرب التحرير الشعبية يرتبط بكل جهد يبذل علي صعيد الأمة العربية، قطرياً وقومياً، ويصب في هدف تجاوز التخلف والقهر والاستغلال والتبعية والضعف والتجزئة.
تتعرض أمتنا العربية والإسلامية لحملة من الأضاليل واسعة النطاق، تقودها الإمبريالية الأمريكية، فتصور نفسها داعية للسلم والديمقراطية والازدهار والأمن والاستقرار. يأتي هذا في إطار بحثها عن خصوم جدد لمحافظيها الجدد بعد سقوط النظام الاشتراكي وتفكك الاتحاد السوفييتي. بينما يتم تصويرنا كمعسكر إرهاب وديكتاتورية وأصولية لنكون هدف هجمتهم وتأبيد سيطرتهم علي أمتنا.
يأخذ الصراع بيننا وبين الغرب الإمبريالي بعده التاريخي المفتوح من خلال النظر إلينا كميدان للنهب ومعين لا ينضب من المصالح الاستراتيجية، ومن هنا يأخذ بعض السمات كصراع حضاري بين قيم الإمبريالية الإستعمارية وقيم المقاومة والدفاع عن مستقبل الأمة، وليس كصراع بين حضارتين إنسانيتين في قيمهما الإيجابية المشتركة. وما دامت الأمة مستهدفة كميدان للنهب فإنها مستهدفة في وجودها للتدمير والتذرير والتبديد، مما يجعل الصراع صراع وجود بمعناه الشامل وليس فقط علي صعيد القضية الفلسطينية.
تأتي من هنا أهمية التصدي الشعبي الرافض للانصياع والمقاوم للمفاهيم والأفكار التضليلية التي يضخمها العدو.
إنها دعوة لكل المناضلين العرب قوميين وإسلاميين وديمقراطيين أن عدونا واحد، ومشروع نهضتنا واحد، لا ينتصر إلا باشتباك مفتوح مع جبهة أعدائنا وأعداء الإنسانية و أعداء الشعوب التي تسعي للتحرر والانعتاق، وعلي كل المحاور السياسية والاقتصادية والعلمية والتنموية والعسكرية.
إنها دعوة لمعسكر المواجهة العالمي مع غطرسة الإمبريالية، لنكون جبهة واحدة، نتحصن بقيمة واحدة هي قيمة التحرر وإطلاق طاقاتنا المحتجزة لنبني مستقبلنا ومستقبل أممنا وأجيالنا القادمة.
قضية فلسطـــــين في عمقــــها التحرري والقومي والديني والإنساني والحضاري هي من أبرز قضايا عصرنا الراهن، والموقف منها يفصل بين الخير والشر، بين العدالة والظلم، بين الحق والباطل.