الوجـه الآخر لـ أغـني بـلـد في العـالـم !
د. عبد القادر حسين ياسينالوجـه الآخر لـ أغـني بـلـد في العـالـم ! في عالمنا المعاصر أزمة حضارة وأزمة تحضر يتخبط فيها العالم بشطريه، الشمال والجنوب (أو، إذ ا شئت، المتقدم والمتخلف). وكلما ازدادت مظاهر التقـدم الحضـاري تضخـمت الأزمات واتسعت رقعـتها، وتـنوعـت أشكالها، وربما كان من الحكمة أن نصل إلي لبّ المشكلة في كل ما يطفـو علي الساحة من شؤون وشجون.إن الدول المتقدمة (أو التي اصطلح علي تسميتها بهذا الاسم) تعاني أزمة تخمة سببها ما وصلت إليه من تقدم يعتبر قمة في بعض جوانبه، وإن كانت هذه التخـمة لا تتصف بالشمول، أي أن ما وصل إليه العالم المتقدم من نمو ورفاهية لا يمتـد مفعوله إلي كل شرائح المجتمعات المتقدمة، وإنما يقـتصر في معظمه علي أجـزاء منها تارة تكون أغلبيته (السويد) وتارة لا تتعـدي الأقلية (بريطانيا).وللتعـمق في شرح أبعـاد هـذه الفكرة، أود أن أشير إلي مقـال نشرته صحيفة لوموند دبـلوماتـيك Le Monde Diplomatique الفرنسية تحت عنوان الفقراء في أغـني بلد في العالم . ويتناول كاتب المقال الواجهة الخلفية للولايات المتحدة الأمريكية بتجاعـيدها وأسـمالها البالية التي تمثلها طوابير العاطلين عن العمل الذين ينتظرون دورهم في مراكز توزيع الحساء الشعبي … ويقع أحد أكبر هذه المراكز وراء البيت الابيض في العاصمة الأمريكيـة واشنطن، ولا تفصله عـنه سوي أمتار معـدودات.ويستعرض كاتب المقال حالات البؤس والفقر المدقع التي تختفي في إطار الواجهة الخلفية ، إنه الوجه الآخر لـ أغـني بلد في العالم ، البلد الذي يعرفه العـرب (وغيرهم من شعوب العالم الثالث) من خلال الأفلام والمسلسلات الأمريكية، وناطحات السحاب العملاقة.فالحضارة، مهما نمت وتطورت ووصلت إلي قمتها، لا يمكن أن تسلم من خلل ومضاعفات أخذت مجتمعات الدول المتقدمة تئن تحت عبئها الثـقـيـل، بما في ذلك انحلال أو انفصام عـري الأسرة، وانحراف في السلوك، بالإضافة إلي انتشار ظاهرة الإدمـان علي المخدرات والشـذوذ الجـنسي والأمراض النفسية (علي اختلاف أنواعها) وما قد يترتب علي ذلك من خلل عقـلي.أود أن أقول ان الواجهة البراقة في العالم المتقدم تخفي وراءها من ضروب المعاناة والأزمات التي ما فتئت تتخبط فيها الحضارة والمتحضرون.أما ظاهرة التحضر فهي هذه التي تحاول فيها الدول السائرة في طريق النمو أن تتحضر لتصل الي قمة الحضارة في الدول المتقدمة. ومهمة التحضر تتطلب شيئاً، يقـل أو يزيد، من عـنصر المسايرة والتقليد حتي لو كان تقـليداً أعمي. وقليلة هي تلك الدول السائرة في طريق التحضر التي توفــَّق (بفتح الفاء) في محاكاتها وتقليدها للدول المتقدمة. ولا غرابة في ذلك، فالمقـلدون (بكسـر اللام) الذين يكونون في مرحلة التحضر يفضلون أن يقـلدوا في الامور السهلة والسطحية، معـرضين عن الشؤون الصعـبة والعمـيقة، لدي أولئك الذين وصلوا الي قمة الحضارة ، وأخذوا يعانون تخمتها، وما تسببه لهم من حالة إمساك حضاري سرعان ما ينقلب الي خلل اجتماعي، وانحلال خلـقي كما هو الحال في السـويد وفرنسا وألمانيا علي سبيل المثال.وقديماً تنبه المؤرخ والفيلسوف العلامـة عـبد الرحمن بن خلدون، مؤسس علـم الاجتمـاع، الي هذا الاسلوب في التقليد الاعمي للحضارة. في كتابـه الضخم (ثمانيـة مجلـدات) العـبـر وديوان المـبـتـدأ والخـبـر في أيـام العرب والعـجـم والبـربـر يقول بن خـلـدون ان تقليد العـرب للحضارة الفارسية وهم في مرحلة التحضر كانت له عواقب خطيرة علي وضعهم الاجتماعي .. وتمشياً مع هذه القاعدة في التقليد فإن الدول التي تجتاز مرحلة التحضر وتختار الأسهل والسطحي يظل وصف التحضر فيها مجرد تخلف لا يمكن للمظاهر البراقة أن تخفي معالمه الهزيلة التي تحاول التستر علي نفسها بكمية ضخمة من الكماليات من السكن الفسيح إلي السيجارالهـافـاني الفـاخر.وبما أن العـطار لا يستطيع بـكـل عـقـاقـيره أن يصلح ما أفسده الدهـر في وجه الإنسان، فكـذلك المـــظاهر البـــرَّاقة في المجتمعات السائرة في طريق التحضر لا تملك القدرة، مهما بذلت من جـهود خـارقـة، علي قلب الحقائق الثابتة والراسخة.وبناء علي ما سبق ذكره، فإن الدول ذات الإشعـاع الحضاري التي تقضي الأعـراف العصرية بوصولها إلي قمة الحضارة ما تزال تعاني، هي الأخري، من آفات اجتماعية تنخـر كيانها، وان كان ذلك في شيء من البطء، إلا أن الواجهة العريضة الزاخرة بفنون الالكترونيات والأنوار الملونة تستطيع أن تحجب كل تلك الآفات، في حين أن الدول التي ما تزال في طور التحضر والتقليد تظل تعاني فقـرها وجهـلها ومجاعـتها وفـساد أنظمتها السياسية، وتنازع كبريائها، أن ما يصعب إخفاءه وراء واجهة صغيرة تزينها زجاجات الويسكي والنبيذ المعـتـق وعلب السيجار الهافاني الفاخر تقابله أكواخ الصفيح و مدن القــــبور للأكثرية الساحقة من الطبقات المسحوقة.هنالك،إذن، قاسم مشترك ـ كما يقال ـ بين الذين وصلوا إلي قمة الحضارة وأولئك الذين ما زالوا يجتازون مراحل التحضر ، ويـتمثل في الخلل الاجتماعي ـ وان كان ذلك بنسب متفاوتة ـ بين الفريقين، وبالانحلال الخلقي وبكل ما يتفـرع عنهما من مآسٍ. ويمكن تشبيه هذا القاسم المشترك بتلك العبارة التي سبق لمجمع اللغة العربية في مصر، منذ حوالي سبعـين عاماً، أن عـَرَّب بها كلمة سندوتش Sandwich عـندما اخترع لها مقابلاً باللغـة العـربية الفصحي وهو: شاطر ومشطور وبينهما كامـخ . أما الشاطر فهو هذا العالم الذي اصطلح علي وصوله إلي قمة الحضارة ، وأما المشطور فهو هذا العالم الذي لا تكفي واجهته لستر فـقـره وجهـله وجوعـه وفســاد حكامـه، وأما الكامخ فإنه يتمثل في العـيوب المشتركة فـيما بين الفريـقـيـن.كـاتب وأكـاديمي فلسـطيني مـقـيـم في السـويد8