الضفة تتعذب وغزة غارقة بالظلام وعروض سورية مرفوضة وحماس مُقاطعة
سيارة فارغة وصلت الي مقر وزارة الدفاع وخرج عمير بيرتس من داخلها كما كان قد قال ونستون تشرتشل عن كلمنت آتلي في حينه. حتي منتقدو بيرتس الأكثر حدة سيضطرون الي الاعتراف بالاسهام الهام الذي قدمه: هو برهن عن أن منصب وزير الدفاع هو منصب لا داعي له. من الممكن الخروج الي الحرب وسحب القوات وافتراس غزة والاستعداد في الشأن الايراني والسيطرة علي الضفة من دون وزير للدفاع حتي. فجأة وعلي حين غرة اتضح أن وجود جهاز رد آلي في ديوان وزير الدفاع يكفي للقيام بالمهمة. الدليل علي ذلك: بيرتس تلاشي، ومع ذلك حدثت كل هذه الامور.
من الممكن أن يكون الواحد مدنيا صارخا وزعيما عماليا ترعرع وظهر من بلدة نائية بعيدة وكافح ودفع حياته كلها ثمنا لمواقفه الحمائمية من دون مزرعة كبيرة ورتب عسكرية ورفاق أغنياء وسيجار فاخر، وأن يتحول رغم ذلك الي وزير دفاع مسؤول عن سياسة وحشية قاسية وحربجي حتي أكثر من كل من سبقوه في المنصب. الدليل علي ذلك: الاشهر الاولي التي دخل فيها بيرتس الي وزارة الدفاع هي من أكثر الاشهر فظاعة في تاريخ الصراع، وقتلت اسرائيل خلالها عددا رهيبا من المدنيين ـ الفلسطينيين واللبنانيين ـ من ضمنهم اطفال ونساء كثيرون. المسألة ليست أن العم بيرتس لم يحلق عاليا في سماء السياسة، لا بل تحول الي توأم مشابه لشاؤول موفاز الذي ربما كان من أقسي وزراء الدفاع. ولكن الحنين لموفاز سرعان ما سينبعث: فلا توجد أية آمال أو توقعات منه علي الأقل. في الثاني من نيسان (ابريل) المنصرم وفور الانتخابات كتبت هنا: وزير الدفاع عمير بيرتس، هل نحن ناضجون لمثل هذه العبارة شبه الخيالية (أن يكون بيرتس وزيرا للدفاع)؟ وهل توجد لدي بيرتس شجاعة كافية لخلع قفازاته؟ واولمرت؟ هذا سيكون اختبارهما الاول واختبارنا جميعا في واقع الامر. والآن يمكن أن نكتب بيد مرتجفة أن هذا الاختبار قد انتهي بفشل ذريع علي ما يبدو. اختبار ذو آثار أشد جسامة من مصير بيرتس واولمرت علي ما يبدو؟ لان أمام بيرتس فرصة صغيرة وأخيرة بالتأكيد. هو بدأ منصبه بالقدم اليمني. قراره الاول كان المصادقة علي عملية اغتيال بائسة في غزة قتل فيها خمسة من نشطاء اللجان الشعبية. هذه كانت باكورة اعماله التي بشرت بمئات القتلي. في البداية أمر القادة بأن لا يمسوا الأبرياء. هذه التعليمات غرقت هي الاخري في بحر الاغتيالات التي نفذها الجيش الاسرائيلي منذئذ في غزة: أكثر من 300 فلسطيني منذ أن اختطف جلعاد شليط.
يتبين أن مواقف بيرتس تتحدد وفقا للمكان الذي يجلس عليه. الآن هو قد وضع توقيعه علي كل الاخفاقات من الحرب في لبنان وحتي العمليات العدمية الدموية في غزة. هو مسؤول عن سفك هذه الدماء. رؤيته وفلسفته السابقة تلاشت ولم يبق لها أي أثر ولو لفظيا. الضفة تتعذب وغزة محطمة ولا حديث عن السلام أو عن المفاوضات وعروض سورية مرفوضة وحماس مُقاطعة والمستوطنات آخذة في التزايد والازدهار. غزة غارقة في الظلام بسبب قصف اجرامي أحمق (من الذي أصدر الأوامر؟)، عشرات الاطفال تحولوا الي عاجزين نتيجة للسلاح الرهيب الذي يستخدمه الجيش الاسرائيلي في غزة كما استخدمه في لبنان حيث ما زال الناس هناك يموتون يوميا من آلاف القنابل العنقودية التي خلفها الجيش الاسرائيلي وراءه. ومن الذي يشرف علي كل ذلك؟ داعية السلام الآن سابقا.
من اجل ماذا كافح طوال عمره اذا كان يتصرف بمثل هذه الطريقة عندما سنحت له فرصة نادرة لاحداث التغيير؟ هل من اجل التوصل الي تسوية مع المستوطنين حول اخلاء سخيف لبضع بؤر استيطانية غير قانونية؟ هذه المهمة كانت ملائمة لموفاز. من اجل محاولة انجاح قطف الزيتون في غزة؟ نحن لم نكن بحاجة الي بيرتس من اجل ذلك.
بيرتس انهار. هو تلاشي بين هيئة الاركان التي تتجاهل وجوده وبين رئيس الوزراء الذي يتعامل معه باستخفاف وبين المتمردين داخل حزبه الذين يقيدون خطواته وتحركاته. صحيح ليس من السهل المناورة بين كل هذه الأطراف، ولكن القائد الحقيقي كان ليعرف كيف يجد طريقه حتي بين اولمرت، دان حلوتس، وافيشاي بفرمان.
ما الذي يستطيع بيرتس ان يقوله الآن لمن علقوا عليه آمالهم؟ المفكرون من أنصار السلام والعدالة الاجتماعية والعمال والعرب الذين اعتقدوا للحظة ان أملا جديدا سيبزغ مع انتخابه. واعتقدوا ايضا أن مدنيا يستطيع أن يقود جهاز الدفاع وان شخصا قادما من مدن التطوير يستطيع ان يكون داعية سلام وان الشرقي ليس بالضرورة كارها للعرب. ماذا سيقول الآن؟ ان كل من يكيدون له هم من يتحملون المسؤولية؟ خيبة الأمل كبيرة بقدر مستوي التوقعات المرتفع وهذه الخيبة ستلازمنا لسنوات آتية.
ولكن ما زالت أمامه فرصة صغيرة. ليس لبيرتس ما يخسره الآن. لذلك يصعب فهم سبب خوفه. اذا كان ما زال يواصل الايمان بموقفه الشجاع السابق فلماذا لا يقوم بعدة خطوات جريئة لانقاذ نفسه وانقاذنا من فقدان الأمل؟.
اذا كان بيرتس يريد دفع التسوية مع الفلسطينيين الي الأمام فلماذا لا يلتقي مع هنية أو علي الأقل مع محمود عباس؟ واذا كان يؤيد المفاوضات مع سورية فلماذا لا يقول ذلك؟ هل يدرك مدي قسوة ووحشية الاحتلال؟ لماذا اذا لا يعمل علي تخفيف وطأته واتساعه. أوليس هو الوزير المسؤول عن الدفاع والشخصية رقم 2 في الحكومة. رغم خيانة اعضاء حزبه له إلا أنه ما زال يملك قوة سياسية لا بأس بها. الاعتقاد السائد هو أن هذه آخر ايامه في هذا المنصب. لذلك يتوجب عليه ان ينهض وان ينفض عنه غبار العجز اذا كانت ما زالت فيه نفحة من روحه السابقة.
جدعون ليفيمراسل مختص في حقوق الانسان(هآرتس) ـ 22/10/2006