قراءة في كتاب الخوذة والعمامة : الاحتلال الأمريكي وموقف المرجعية الدينية في العراق
عمليات نهب خيالية… سرقات للثروة وللتاريخ والذاكرة.. ولص بغداد بريمر سمح للاسرائيليين بالدخولسفاح في ابو غريب وضباط فرق الموت في فيتنام وامريكا اللاتينية يدربون فرق الموت الجديدة في الداخلية والدفاعقراءة في كتاب الخوذة والعمامة : الاحتلال الأمريكي وموقف المرجعية الدينية في العراقعرض: محمد العبد اللهہ من المؤكد أن هناك جملة من الأسباب تشجع القاريء المهتم والمتابع للوضع العراقي، علي الدخول في عالم الدراسة التي نشر فصولها الكاتب، بشكل متفاوت زمنياً، كمقالات سياسية / تحليلية، ساهمت في إضاءة العديد من الجوانب الخفية التي رافقت الغزو، ونتجت عنه.يبدو في مقدمة الأسباب، التي حفزتني للكتابة حول هذه الدراسة، أن الباحث بالرغم من امتلاكه لكل أدوات التحليل والاستنتاج العلمية، التي استرشد بها في المئات من المقالات والدراسات المنشورة، والكتب التي ساهمت بإغناء المكتبة العربية في المجالات المعرفية المتنوعة عن أوضاع العراق السياسية / الاجتماعية تحت الاحتلال، وفي التاريخ والأساطير ـ مرفق بعض عناوين الكتب ـ، فإنه واحد من المناضلين العراقيين الوطنيين والقوميين والأمميين الذين رهنوا عمرهم في خدمة قضية الحرية. فاضل الربيعي تنقل في مواقع ومناطق عديدة، لكن بوصلته لم تتغير، إنه الحالم بوطن حر وشعب متحرر. في متابعة ورصد الأحداث الجسام التي عصفت وما زالت بالعراق، علي امتداد سنوات الحصار الدولي الظالم، الممتدة علي أكثر من عقد من الزمن، وصولاً إلي الغزو الوحشي الذي بدأ في العشرين من آذار (مارس) 2003، ولم ينته في التاسع من نيسان (ابريل) لنفس العام، والذي شهد احتلال عروس المدن العربية ومركز الإشعاع الحضاري، مدينة السلام بغداد . تأتي هذه الدراسة لتقدم للقاريء صورة الوضع الراهن، عبر عملية تحليل العلاقة المركبة والمندمجة حيناً، المتنافرة والمتصارعة حيناً آخر، بين القوي الاجتماعية / السياسية الدينية بتعبير عمامتها التي تختزل في تلافيفها أسراراً وأحلاماً. وقوي الغزو العسكرية، من خلال دلالة خوذتها التي تخفي سلوكاً وثقافة ورغبات، أنشأتها وطورتها رؤي استعمارية، استعلائية، عنصرية استطاعت أن تعيد إنتاج رؤاها داخل قوي ورموز محلية، تعيش غربة المكان وتتخيل إمكانية التماهي مع الآخر المتمايز، القادم من وراء الحدود والبحار … إنه العدو ـ كما يراه غالبية أبناء الوطن ـ الدراسة تتوزعها خمسة فصول، يتقدمها المدخل وتُغلق خاتمتها بضع صفحات من الوثائق والشهادات المكتوبة.منذ البداية، وفي المدخل، نجد أنفسنا أمام لوحة تحتشد فيها الصور الرمزية، كتعبير عن البشر وعن تطور الأحداث، فهو يقدم لنا الاحتلال للعراق، في أحد أوجهه، كما لو كان عنيفاً وساخراً، من صراع دار في أكثر لحظاته صخباً، بين الرموز لا بين البشر، وبين الثقافات لا بين الجيوش، فقد ارتدي المتحاربون منذ التاسع من نيسان (ابريل) أزياء الماضي، واســـتلهموا قصصه ودروسه. لقد استحضر الباحث التاريخ القديم للصراع علي بغداد، العاصمة والحاضرة العربية الإسلامية، فالخوذة الحديثة هي امتداد في المضمون ـ وإن اختلف شكلها ـ للغزاة القادمين من الشرق علي ظهور خيولهم، الذين زرعوا الموت في المدن، وحولوا مياه دجلة إلي سيول من الدماء الممزوجة بالماء والرماد. علي الجانب الآخر، وقف العربي المسلم، بكوفيته وعمامته، حامياً لأرضه وكرامته، واجه الغرباء بكل ما اختزنته حياته من صلابة وتحد.لقد عَبّرَت الخوذة والعمامة، رغم التماثل الظاهري بينهما خارج عالم الرموز عن نوعين من القوة، واستطاعتا أن ترسما جزءاً هاماً من المشهد التاريخي، من خلال تحالفهما أو صراعهما علي حد سواء … إنه التقابل بين قوة الدين وقوة الدولة. في التاسع من نيسان (ابريل) 2003 استحضر العراقيون التاريخ، عادت أحداث ربيع 1917 حية أمامهم! ليكتشفوا أن الغزاة الجدد، هم النسخة المعدلة شكلاً عن الاحتلال البريطاني حينها. لقد تماهت تماماً أفكار وأحلام الرؤوس التي حملت الخوذة وإن اختلف شكلها وطبيعتها. علي الجانب الآخر كان يتكرر الامتداد المنطقي والطبيعي للصورة الأخري الواقعية. الشيخ الشيعي جواد الخالصي هو تجديد التواصل مع الأب والجد اللذين واجها المحتل، والشيخ السني حارث الضاري لم يكن سوي حفيد الشــــيخ ضاري المحمود الظاهر شيخ عشائر زوبع، وقاتِل الجنرال البريطاني لجمن .إنه المشهد ذاته يزدحم من جديد بالأحفاد والأجداد والآباء مرة أخري علي ضفتي النهر نفسه، وداخل الإطار نفسه للحدث الهلعي.عمـائم وبنـادقأدخل الاحتلال الأمريكي / البريطاني مكونات المجتمع كلها بنمط جديد ومتشابك من العلاقات الداخلية القابلة للانفجار في كل وقت. بمعني آخر، أدي ذلك الغزو إلي انهيار العقد الاجتماعي القديم الذي بني عليه المجتمع. ولهذا لم تنهر المؤسسة / الدولة فقط، بل أفضي كل ذلك لخلخلة الأسس المتعارف عليها في التعايش التاريخي بين الطوائف والمذاهب والاثنيات. إن انفراط عقد الدولة أدي إلي نفخ الهواء علي رماد التعارضات والخلافات، التي ساهمت الدولة بكل الطرق باحتوائها من خلال نزع فتيلها المتفجر. لقد ساهم المحتل عبر أدواته، بالعبث بهذا العقد، وجاءت أحداث كركوك المؤلمة بعد ثمانية أشهر من الغزو، لتكون البروفة / النموذج الذي يمكن تعميمه.مع غياب مؤسسات الدولة، اهتزت أسس البناء الاجتماعي الذي قامت الدولة بعملية ضبط توازناتها لسنوات عديدة، وبالرغم من الصورة النمطية، غير الحقيقية، التي كرسها الإعلام الغربي المعادي ـ فوكس ميديا وملحقاتها ـ عن وجود كتلتين مضطهدتين تاريخياً شيعة الجنوب و أكراد الشمال استطاعت الدولة الديكتاتورية من خلال عملياتها العنيفة، من وضع آلية مستمرة لضبط التوازنات، وتهدئة الأوضاع. وإذا كان هذا هو تفسير القوي الخارجية المعادية لتبرير صورة الاستقرار الداخلي، الذي تعرّض لخضات عنيفة، لم تؤد إلي تدميره، فإن ما قام به المحتلون من تفكيك لبنية المجتمع، وهتك نسيجه المتشابك والمتداخل، عشائرياً ومذهبياً، قد أعاد العراقيين لما قبل قيام الدولة الحديثة عام 1921. مع الحركة العنيفة التي لحقت بأسس التعايش، برزت موجة جماهيرية جديدة، قدمت نفسها للمجتمع بأسره، علي انها تمتلك عقيدة خلاصية مجربة … إنه الإسلام في قراءته الشيعية. وقد أشاع هذا الاندفاع السريع لهذه الكتلة عبر رموزها مرجعيات، أحزاب ذات ميليشيات مسلحة خوفاً وقلقاً لدي الطوائف والمذاهب والاثنيات الأخري. يضيء الكاتب الجوانب المظلمة التي شهدتها حالة التنافر التي حكمت العلاقة بين الحوزة العلمية في النجف، والأحزاب الدينية الشيعية، مشيراً بذات الوقت إلي دور الحوزة في رعاية وانطلاقة حزب الدعوة، التي وفرت له كل الدعم الروحي والمادي، ليشكل الجدار الصلب في مواجهة الأحزاب الشيوعية والقومية العروبية التي تعاظم دورها، واتسعت دائرة عملها بين الجماهير الشيعية. وإذا كانت الحوزة والأحزاب قد لعبت هذا الدور التوافقي أو التنافسي علي كسب ولاء جماهير الطائفة، لأن الدور الذي لعبته إيران ـ وما تزال ـ لم يعد خافياً علي أحد. فمشاركة المجلس الأعلي الحكيم وحزب الدعوة الجعفري في مجلس الحكم لم يكن تعبيراً عن إرادة الشيعة أو الحوزة في النجف، بمقدار ما كان التنفيذ الفعلي للإرادة الإيرانية، وهنا يستدعي الباحث التاريخ القريب، ليقيم المقارنة بين مظاهر التعاون والولاء للمحتل البريطاني، كما عبر عنها تيار المجتهدين بين علماء النجف بداية عام 1919 لينقل الصراع باتجاه العراقيين السنة، حول قيام دولة شيعية، بدلاً من وحدة الجميع في مواجهة المحتل. ومقاربة كل ذلك مع الموقف الصامت، المهادن، الذي يحكم علاقة المرجعية /الحوزة بالوجود الأمريكي/ البريطاني، بالرغم من أن هذه العلاقة كانت قد شهدت في العامين الأولين من عمر الغزو توتراً واضحاً، لتنتقل بعدها إلي حالة من التناغم مع الإجراءات التي أنشأها المحتل.في ظل كل هذه التطورات العاصفة في بنية الطائفة الشيعية، دينياً وسياسياً يحدد الكاتب ظهور أربع تيارات ستحدد راهناً ومستقبلاً، حجم الانقسامات التي ستمر بها هذا الكتلة الجماهيرية الواسعة:ہ تيار الحوزة الدينية العلمية في النجف الذي يستمد قوته من الطاعة التقليدية للمرجعية داخل شرائح واسعة طلاب، تجار، موظفين، شيوخ عشائر .ہ تيار الشيخ مقتدي الصدر، الذي شرع بتأسيس ميليشيا مسلحة له جيش المهدي . يتكون في غالبيته من شرائح شبابية مهمشة، فقيرة ومعدمة، تنتشر داخل الأحياء الفقيرة في المدن، وضمن أحزمة البؤس المحيطة بالمراكز السكانية الكبري.ہ تيار المجلس الأعلي الذي اعتمد علي ذراعه المسلحة فيلق بدر في فرض وجوده وهيبته، وقد تأسس ونما داخل الجماعات المنفية ـ سابقاً ـ في إيران، ولهذا تأثر كثيراً بالنموذج الذي أقامته طهران.ہ تيار حزب الدعوة، وهو الحزب التاريخي للشيعة، لكن دخول قياداته في التكتيكات الانتهازية/ المصلحية أفقده تأثيره داخل الجماهير الشيعية.واستناداً لهذا التحليل ، يتوصل الباحث إلي استنتاجات أولية، تنــــطلق من تحليل مبكر موضوعي وعلمي، للسيــــاقات التي يمكن أن تندفع إليها الأوضاع المتفجـــرة داخل الكتلة الواسعة، بفعل التأثير الإيراني الكبير دور المجلس الأعلي أو بالعودة أخيراً للاستظلال بخيمة المرجعية داخل البيت الشيعي مقتدي الصدر … نموذجاً .تكتيك الهروب من كابوسالشرق الأوسط الجديد لم يستطع الاحتلال أن يحقق الحلم/الخديعة بأن يكون العراق الجديد هو النموذج لتحقيق فكرة الديمقراطية في المنطقة. فقد تحول الحلم إلي كابوس من الفشل المتلاحق أقضّ مضاجع الإدارة الأمريكية وحلفائها، فعشرات الآلاف من القتلي والجرحي من العسكريين والمتعاقدين الذين تنقلهم الطائرات الأمريكية والبريطانية للقبور والمشافي، دلل بما لا يقبل الشك علي غوص المحتلين في رمال متحركة، لن تتوقف عن ابتلاعهم يوماً بعد يوم.ويلاحظ الباحث أن احتلال العراق فضح المتغيرات الهائلة في علاقات القوي الدولية، وكشف عن تبدلاتها الشاملة. لقد أكد النموذج العراقي بعد 9 نيسان (ابريل) علي ظهور سياسة استعمارية جديدة تتبعها الإمبرياليات الصاعدة في العالم، انطلاقا من هيمنتها علي المنظمات الدولية، لتحويلها إلي أقسام تابعة إلي وزارة الخارجية الأمريكية التي ترسم السياسة الكونية في عصر القطب الأوحد. كما يعتمد الكاتب في تحليله علي ما كتبه المفكر سمير أمين قبل عقد ونصف تقريباً من احتلال العراق، فقد جاء كتابه إمبراطورية الفوضي ليشير بوضوح إلي أن مشروع الولايات المتحدة للسيطرة علي العالم في مرحلة ما بعد الاتحاد السوفييتي، سوف يتبلور كخطة شاملة للسيطرة علي الكوكب، وأن هذه الدولة ستتحول إلي دولة مارقة علي القانون الدولي، خاصة مع تحكم عصابة المحافظين الجدد بالقرار السياسي/ العسكري / الاقتصادي داخلها. وهنا يكشف الباحث بعين المؤرخ، الدلالة الحقيقية لكلمة فوضي ، إنها العقيدة من حيث كونها مصدراً للخلق الجديد الواردة في التوراة عن الخلق والعالم والتاريخ البشري. ولهذا فإن هذا التاريخ يبدأ في التوراة من السنة صفر . لقد كرر جنود الغزو وفي أكثر من مكان، ترداد كلمة صفر في إجاباتهم علي تساؤلات المواطنين وهم يتابعون حجم السرقات وعمليات النهب للمؤسسات والممتلكات، وسلبية المحتلين في كبح جماح الغوغاء.لقد امتدت عمليات النهب إلي خارج المتخيل، فالسرقات لم تتوقف عند الثروات المادية، بل حاولت ـ عبثاً ـ أن تنال من التاريخ والذاكرة المتوقدة ـ فكل المحاولات فشلت في ترسيخ يوم الاحتلال المشؤوم، التاسع من نيسان (ابريل)، كمناسبة وطنية يحتفل فيها العراقيون. كما تلاشت المحاولات البائسة لتغيير العلم الوطني، واستبداله بقطعة قماش تتماثل في دلالات لونها وشكلها مع رمز دولة الاحتلال الصهيوني في فلسطين. وبهذا الجانب يؤكد الباحث أن جهود الحاكم الأمريكي لص بغداد بريمر، أثمرت عن إقرار قانون الاستثمار الذي يتيح للمستثمرين الإسرائيليين شراء كل شيء داخل العراق ممتلكات القطاع العام، المنازل، الأراضي الجيدة ، إنها الفوضي كأداة للنهب.سيناريو الخروج … جدولة الهروب ومحو الهزيمةيتوصل الباحث إلي قراءة أولية للمشهد الراهن، عبر التأكيد علي أن انهيار الاحتلال الأمريكي/ البريطاني أصبح أمراً متوقعاً وقريباً. فكل الدراسات التي قامت بها مراكز الأبحاث المتخصصة أكدت أنه لا بد من أن تتوجه الإدارة الأمريكية لتحديد جدول زمني لانسحاب تدريجي، والتأكيد علي استبعاد فكرة إقامة قواعد عسكرية طويلة الأمد. وإذا كانت مسألة البقاء أو الخروج تتراوح الاستجابة لها، ما بين الاستمرار في الوضع الراهن أو الهروب من الكابوس، فإن دفع المجتمع إلي خيار الحرب الأهلية، من أجل تعريق الصراع سيكون الكي الذي ستعالج فيه قيادة الاحتلال الوضع الصعب. ولهذا تسعي إدارة البيت الأبيض إلي نقل الصراع والتصفيات التي تنفذها أحزاب الطائفية السياسية البغيضة إلي الطوائف والمذاهب الأخري، كخطوة علي طريق تخفيف العمليات الموجهة ضد المحتل. وقد فات الأمريكيين أن هذه الجرائم التي تمارسها العصابات المسلحة من الميليشيات المرتبطة بالبنتاغون والسي آي إيه والموساد، لن تؤثر علي القدرة القتالية للمقاومة الوطنية العراقية التي تقاتل المحتلين وعملائهم، بغض النظر عن الطائفة والمذهب والقومية.التحديات الراهنة أمام مقتدي الصدريتوقف الكاتب في هذا الفصل الأكبر حجماً أمام الحالة الجماهيرية الواسعة التي يقودها الشيخ الشاب، ولذلك نجده يحدد البيئة التي نشأ فيها التيار، كمقدمة لمتابعة رصد تطوره الموضوعي عبر مسيرته المتعرجة. إن المعرفة الدقيقة لطبيعة البني الأساسية التي يرتكز إليها هذا التيار، خاصة، قيادته ثقافة وخبرة وجماهيره المنشأ الاجتماعي ستساهم بمتابعة العلاقات بين التيار والمرجعية الدينية في النجف، وكذلك باقي الكتل السياسية داخل الطائفة، والعراق ككل. جاء ظهور الشيخ مقتدي، كحالة طبيعية شكلت الامتداد الطبيعي لآية الله العظمي محمد باقر الصدر عم الشيخ مقتدي، وهو الفيلسوف والمجتهد والمؤسس الحقيقي لحزب الدعوة، والذي تجلت محنته في أيامه الأخيرة، خصوصاً، في شعوره بأنه بات محاصراً من المؤسسة الدينية وحزبها الذي أسسه، ومن السلطة في آن واحد، ولذا وجد نفسه يتفرغ إلي التأليف والكتابة وليسقط في النهاية صريع الرصاص. أما إبن عمه محمد صادق الصدر، والد مقتدي، فقد واجه تقريباً المصير نفسه.أمام كل ذلك، يصوغ الباحث سؤالاً علي درجة كبيرة من الأهمية، عن إمكانية نجاح تيار مقتدي في مواجهته للمحتل، وتحوله عبر تلك العملية التاريخية، إلي قوة تحررية راديكالية حقيقية منحازة إلي قيم الديمقراطية، أم أنه سوف يخفق ويتحول إلي قوة رجعية منتجة للاستبداد والقهر. إن الإجابة علي هذا السؤال الكبير، تتطلب من قيادة التيار أن تعمل من أجل تحويل الملايين المنضوية تحت مظلة أفكاره ورموزه، من شروط التكون داخل حزب سياسي “ديني” كلاسيكي، منغلق وجامد، بوصفه مجتمعاً عقائدياً صغيراً، إلي طور آخر من العمل الحزبي، المنفتح، الذي تعبر عن مضامينه وأهدافه تلك الكتلة الشعبية المنفتحة. لقد أنجز هذا التيار وبحق، قدرة كبيرة علي التحول في الشكل التنظيمي، لكنه لم يستطع أن يضبط إيقاع هذه الكتلة علي نبض الوطنية الحقيقية. فما زال يعاني من تجاذبات متناقضة، كتعبير عن صراع التيارات الناشطة بداخله، فالولاءات تتوزع علي قوي وأطراف محلية وخارجية، مما أدي لسقوط العديد من أعضائه في مستنقع الممارسات الطائفية الدموية البغيضة، وبقاء قلة صغيرة، وفية لخياراتها في مقارعة الوجود الأجنبي، وبعيدة عن الغوص في مجازر التطهير المذهبي.إن أهمية التيار، بدأت مع طرح أفكاره، وتنظيم أعضائه واتساع دائرة مؤيديه. فقد توضحت داخل تساؤلاته الكبيرة، ملامح الصراع مع الحوزة الدينية في النجف، التي وصفتها قيادة التيار بـ الحوزة الصامتة مقابل التأكيد المستمر علي أن الشيخ مقتدي ورفاقه، يشكلون الحوزة الناطقة . ومن أجل ذلك، خاض هذا التيار معركته علي جبهتين، ضد المؤسسة الدينية الديكتاتورية ومع النظام الديكتاتوري ـ حسب تعبيرهم ـ اللذين أبعداهما إلي خطوط هامشية تتوزعها ليست أحياء الفقر وأحزمة المعاناة فقط، بل وتراكم سنواتٍ من الحرمان أبعدتهما عن مراكز القرار علي الجبهتين: عن المال والثروة، والمناصب الرئيسية. ولهذا كان هذا التيار معبراً عن القوي والطبقات والفئات المهمشة، والقابعة ـ دون أمل في التغيير ـ في أسفل السلم الاجتماعي. مع الغزو، تحول الشيخ مقتدي في فكر مريديه إلي مركز استقطاب للملايين، لأنه أصبح داخل مخيلة وهتافات مناصريه، كصورة منمقة لزعيم سيجمع بين يديه، وبفضل تاريخ أسرته ومكانتها شرعيتين متلازمتين:ذات طابع تمثيلي بدرجة ما في نطاق الدين، وذات طابع سياسي مباشر في لحظة وطنية تاريخية نادرة. لكن تلك الشرعيتين منقوصتان لاعتبارات محددة في شخصية الشيخ مقتدي: قلة التجربة والخبرة نظراً لصغر السن.لكن ظهور جيش المهدي بأعداده الهائلة، وخوضه لبعض المعارك، لم يحسم من أذهان الملايين التي تراقب تطورات التيار، الالتباس الذي رافق ـ وما زال ـ مسيرته، خاصة ما يتعلق بمستقبل معاركه المستعرة حيناً، والهادئة في معظم الأحيان، علي جبهتي الاحتلال والحوزة الصامتة. لقد أدي التشظي الذي أصاب الطائفة (مرجعية وأحزاباً وميليشيات) إلي إرباك الإعلام الغربي، كاشفاً غوغائيته وسطحيته. فالحديث عن كون الطائفة سبيكة متماسكة لم يلبث أن سقط بامتحان الحياة والتطور. ولهذا تبدو معارك النجف صيف 2004 علامة بارزة علي الصدام داخل الطائفة، إنه الصراع بين مرجعيتين. فقد كشف هذا الارتطام العنيف عن الاحتقان الهائل والمتفجر داخل الشارع الشيعي في مواجهته للمؤسسة الدينية. لكن النتائج التي تمخضت عنها تلك المعارك، وتحديداً، الخروج من الصحن الحيدري والنجف، شكلت علامة بارزة علي بدء المصالحة المفاجئة بين المرجعيتين: الصامتة والناطقة! وهو ما سيتوضح بمجموعة من الحقائق علي الأرض، تشير كلها إلي خطة عمل توافقية بينهما، وهذا ما أكد عليه مقتدي حينما خاطب السيستاني قائلاً إنني أضع نفسي تحت تصرف مرجعيتنا . وقد أفضي ذلك إلي إعادة ترتيب خطط المواجهة مجدداً، مع عدوين، هما الاحتلال، وأعضاء حزب البعث الذي يسعي آخرون لاجتثاثه. بذلك انتهت راهناً استراتيجية الصراع مع الحوزة الدينية، بفضل التدخل الكثيف للإيرانيين، الذين بدأوا بتوجيه بعض مجموعات جيش المهدي، لمشاغلة قوات الغزو، خاصة في بعض محافظات الجنوب، وبنفس الوقت، تصاعدت أرقام التصفيات التي استهدفت أعضاء سابقين في الحزب ومؤسسات الدولة (في مدينة الثورة “الصدر”، والعديد من مدن وبلدات الجنوب) واتساع دائرة القتل الإجرامي المنهجي للعرب الفلسطينيين، لدفعهم إلي الهجرة من العراق، وهو ما تؤكده المعلومات القادمة من حي “البلديات” بالعاصمة.صندوق باندورا العراقي: أقفاص ووحوشاستحضر الكاتب من الأسطورة الإغريقية، ما يتطابق علي مستوي المقاربة / المقارنة، مع ما جلبه الغزاة للعراق. إن إلهة الشر باندورا كما حملتها الأسطورة، قدمت للبشر صندوقاً مليئاً بالهدايا الثمينة، طالبة منهم فتحه للتمتع بكنوزه. فور الكشف عما بداخله، انطلقت الشرور والآثام والخطايا في كل مكان، لتحول حياة البشر الطيبين إلي مآسٍ وكوارث. دخل المحتل حاملاً صندوقه، ونثر خطاياه في كل صوب وحدب. كان تفكيك الدولة ومحوها، ونشر الفوضي، هو الكارثة الكبري التي دشن بها الاحتلال عهده، فقد انتشر القتلة الذين تدربوا في الخارج، مع مجموعات من اللصوص والمارقين في كل مكان، إذ وفر لهم الغزاة التربة الخصبة المحمية بالجنود، ليعيثوا الدمار والخراب، وليتناوبوا علي تنفيذ الإعدام في الشوارع ومراكز ومعسكرات وزارة الداخلية والدفاع، وداخل المشافي. فما بين الذئاب والضباع والعقارب أسماء فرق وألوية الموت إضافة للميليشيات الحزبية الطائفية والاثنية المتعددة، التي تمارس تصفيات الخصوم أيضاً، يخضع المواطنون للتعذيب الرهيب، الذي ينتهي بالإعدام. إن أدوات القتل البشرية هذه يتم تدريبها وشحنها عبر ماكينة أيديولوجية جبارة، تستغل فقرهم وتدني تعليمهم، لتعيد زرع الولاء للطائفة والمذهب، لأن هذا هو الطريق الذي سيحقق خلاصها الجماعي من الدونية والاضطهاد، كل هذا يترافق مع ضخ بضع مئات من الدولارات في الجيوب البائسة والمحرومة. إن هذا الجهد الهائل الذي يتم توجيهه نحو العضو / القاتل سيحوله إلي حيوان خطير، مفترس، يندمج بالشخصية الجديدة، ويتماهي تماماً بالدور الجديد، وليس بتقمصه فقط. ولهذا كانت للضباع البشرية ألوانها، نسبة للملابس التي غطت بها أجسادها. فما بين الضباع الخضراء مغاوير الداخلية إلي السوداء المنضوية في الميليشيات الطائفية / المذهبية، وصولاً إلي البيضاء العاملة في المشافي، تتدحرج كرة الموت الرهيبة. إن توزيع الأدوار وأدوات الرعب يتم بتنسيق كامل بين أجهزة القتل تلك، إنه التعذيب بالجملة داخل السجون يتجاوز عددها الألف والقتل ضمن الأقفاص المرعبة كما في الجادرية ومركز ساحة النسور ، بالكهرباء والمثاقب والبلطات والمناشير، لتكتمل دورة الموت علي أيدي الضباع البيضاء بالمشارط، وفتح الأوردة والشرايين، وإغلاق أنابيب الأوكسجين. إنها حلقات كاملة، متممة لبعضها، تؤدي حتماً للموت الذي تقرر سلفاً مع الهيئات المشرفة علي كبار الضباط في وزارتي الداخلية والدفاع التي أنشأهما المحتل، والتي يتابع مهماتها ضباط أمريكيون من البنتاغون والمخابرات العسكرية، لديهم سجل إجرامي دموي يمتد من فييتنام إلي أمريكا الجنوبية.نساء أبو غريب بزوغ مجتمع اغتصاب نموذجي في العراق الجديد :ما بين رسالة المعتقلة فاطمة التي هُربت من سجن أبو غريب في مطلع كانون الثاني (يناير) 2004 ورسالة نور المُهَرَبة بعدها بفارق أسابيع في شباط (فبراير)، والتي قام المواطنون بنسخها يدوياً وتوزيعها بعدة آلاف، تنكشف صورة جديدة من نِعَم الديمقراطية الأمريكية التي تنكشف عارية دون تجميل وسائل الإعلام. لقد سقطت في ممارسات العالم السفلي، كل الادعاءات التي حاولت ترويجها ماكينة الدعاية العنصرية، عن التصرفات الإنسانية الرائعة للمحتل الأبيض، المتحضر وحرصه علي المساكين المتخلفين . إن العذابات التي سببها الاغتصاب الجماعي للنساء بالسجن، كانت وراء دعوة نور لأبطال المقاومة النشامي، لتدمير السجن فوق رؤوسهم جميعاً هن والسجانين ليتخلصوا مما حملته بطونهم سفاحاً من الأوغاد الأمريكان.لم تتوقف الممارسات الوحشية مع النساء، فقد روي العديد ممن أطلق سراحهم، وبعض المراسلين الصحافيين، (شهادات مسجلة لدي الباحث) وكتابات الصحافي الأمريكي سيمور هيرش ، مما ساهم أيضاً بفتح الأبواب الحديدية، وهدم الجدران التي أحاطت بمراكز التعذيب والموت في أبو غريب، بوكا، المطار، الحبانية… .لقد عبّرت صور الممارسات الرهيبة في سجن أبو غريب، التي تم نشرها وتداولها علي صعيد العالم، عن ممارسات سادية لاإنسانية، لا تمت بصلة لسلوك الحيوانات. لقد أجبر المعتقلون والمعتقلات علي التعري الكامل، في طقوس مرعبة من الاغتصاب الجماعي للنساء والرجال والأطفال، داخل أتون الغرائز المتوحشة لدي المشرفين والمشرفات. إنها حلقة في سلسلة انتزاع المحرمات الخاصة جداً، من أجل تحطيم وسحق إنسانية الجسد، طالما يلاحقهم الفشل والعجز عن كسر الإرادة، انطلاقاً من الأفكار العنصرية الحاقدة التي نشرها رافائيل باتاي في كتابه (العقل العربي). إن هذه الممارسات لم تتوقف عند حدود السجن، بل حرص الغزاة علي نقلها إلي المساجد، فقد تم اغتصاب العشرات من النساء داخل مراكز العبادة أثناء معارك الفلوجة (شهادات منظمات حقوقية) في خطوة تهدف إلي تحطيم قدسية المكان، وجعله امتداداً للسجن.لا بد من الإشارة إلي أن الخوذة والعمامة التي قُدمت للقاريء العربي، تعتبر من أهم ما كتب حول المسائل المطروحة ، خاصة وأن الباحث قد دعمه بأفكار علمية وموضوعية أغنت البحث العلمي، ولولا بعض الأخطاء المطبعية التي كان من الممكن تلافيها (الأسماء، التواريخ، الأماكن) لكانت الدراسة متكاملة. إن كاتبنا المميز قد قدم للقاريء خلاصةً تحليلية للعديد من القضايا التي تشغل اهتمام المواطن العربي، وبهذا يضيف إلي إنجازاته الفكرية، مادة جديدة.عن الكاتب والكتاب: فاضل الربيعي باحث ومفكر عراقي له العديد من المؤلفات منها إرم ذات العماد ، الجماهيريات العنيفة ونهاية الدولة الكاريزمية في العراق ، و قصة حب في أورشليم ، أبطال بلا تاريخ (الميثولوجيا الإغريقية والأسطورة العربية) ، فاز بالجائزة الأولي للإبداع الثقافي (القاهرة ربيع 2006)، و شقيقات قريش :الإنسان والطعام في الموروث العربي .عنوان الكتاب: الخوذة والعمامة : الاحتلال الأمريكي وموقف المرجعية الدينية في العراق المؤلف : فاضل الربيعي الناشـر : دار الفرقد / دمشق 2006 / 235 صفحة7