من بيلين حتي ليبرمان!
زهير اندراوسمن بيلين حتي ليبرمان!هل يوجد يسار صهيوني في إسرائيل؟ او فلنحدد السؤال أكثر: هل باستطاعة الصهيوني أن يكون يساريا حسب المقاييس المتعارف عليها والمعمول بها عالميا؟ نسوق هذا السؤال في ظل تقهقر ما يسمي باليسار الصهيوني في البلاد واختفائه تقريبا عن المشهد السياسي والاجتماعي في إسرائيل.اليسار حسب مفهومنا هو الذي يقوم بدعم الأقلية المضطهدة ضد الأكثرية الحاكمة والمتنفذة. هذا ما يحصل في جميع دول العالم، فعلي سبيل الذكر لا الحصر، ففي ألمانيا أقام اليسار حلفا مع الأقليات ويناضل إلي جانبهم من اجل الحصول علي حقوقهم كاملة من الدولة، التي وصلوا إليها من دول مختلفة في منطقة الشرق الأوسط، كذلك الحال في كندا ودول أخري، أما في إسرائيل فالوضع يختلف جوهريا: اليسار واليمين متفقان علي أن الدولة العبرية هي دولة يهودية ديمقراطية، والخلاف الطاحن بينهما هو حول طابع الدولة اليهودية، وبالتالي عندما يطرح التجمع الوطني الديمقراطي مبدأ تحويل إسرائيل إلي دولة جميع مواطنيها فانه يتحول بنظر الإسرائيليين من أقصي اليمين مرورا بالمركز إلي ما يسمي باليسار الصهيوني، يتحول إلي خطر يهدد الكيان الإسرائيلي. ويتطوع الكتاب في الصحافة الإسرائيلية إلي شن الهجوم تلو الهجوم علي هذا الطرح، لأنه برأينا يضعهم أمام تحد، لا يتمكنون من مقاومته بالطرق المتبعة، ولا يمنحهم الفرصة لفتح باب النقاش الحضاري، كما هو متبع.أما فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، فان بقايا ما يسمي باليسار الإسرائيلي ما زالت تطالب بإقامة دولتين لشعبين، أي أن هذه القوي تؤيد منح الفلسطينيين دولة مستقلة، ولكن عندما تبدأ بالنقاش حول حدود الدولة، حول القدس الشرقية المحتلة فان الخلاف يتأجج مع اليساريين ، وكأن موافقتهم علي الدولة الفلسطينية هي منة منهم. الأنكي والأخطر من ذلك، أن اليسار الصهيوني، كما اليمين المتطرف، يرفض رفضا باتا الاعتراف بالمسؤولية التاريخية عن النكبة التي حلت بشعبنا في العام 1948، وبالتالي فان معارضة أركان هذا اليسار لمبدأ حق عودة اللاجئين هو تحصيل حاصل، فهل سمعتم عن حزب إسرائيلي يساري منذ إقامة الدولة وحتي اليوم يسلم بالحقيقة التاريخية بان الدولة أقيمت علي أنقاض الشعب الفلسطيني، الذي هجر وشرد من أرضه؟ الجواب بطبيعة الحال سلبي. الإسرائيليون متفقون علي رفض مبدأ العودة، ففي حين يعلن اليمين جهارة ذلك، فان اليسار يحاول الالتفاف علي القضية، ويطرح الأفكار الخلاقة لحل قضية اللاجئين الفلسطينيين، ولكنه في نهاية المطاف يرفض هذا المبدأ، لأنه يعرف نفسه علي انه وطني إسرائيلي، وبالتالي فان تحقيق العودة يهدد الدولة اليهودية التي يطمح إلي تحقيقها علي ارض الواقع.علي صلة بما سلف، وخلافا لجميع القوي اليسارية في العالم، فان اليسار الإسرائيلي اخفق منذ إقامة هذه الدولة في التعامل مع أبناء الأقلية القومية العربية الفلسطينية في البلاد، فلم يحاول البتة التحالف معنا ومع قياداتنا، بل وصلت به الوقاحة إلي انتقاد القيادات العربية وتحميلها مسؤولية التمييز العنصري اللاحق بفلسطينيي هذه البلاد، متناسيا عن سبق الإصرار والترصد أن المسؤولية في دولة تزعم الديمقراطية تقع علي الحكومة وعلي الأكثرية وليس علي الأقلية. والمؤسف حقا، لا بل المخجل، أن هذا اليسار يستغل زيارة تواصل قام بها وفد من التجمع الوطني الديمقراطي إلي سورية ولبنان ليهاجم التجمع ورئيسه الدكتور عزمي بشارة، بادعاء أن هذه الزيارة تعود سلبا علي الأقلية العربية في البلاد، وتمنح الفرصة لليمين لمعاقبة العرب عامة بسبب هذا التصرف غير المبرر، علي حد زعمهم. ويواصل اليسار الإسرائيلي هجومه الأرعن علي العرب في الداخل ويحاول تحريضهم علي النواب العرب في الكنيست، مدعياً أنهم لا يفعلون شيئاً، اللهم الا السفر إلي دمشق والي بيروت والظهور من علي شاشات الفضائيات العربية، ومعالجة الملف الفلسطيني فقط، وكأن هذا اليسار هو الذي انتخبهم. في الحقيقة هذه النظرة الاستعلائية والفوقية تؤكد نظريتنا بان اليسار الإسرائيلي يتعامل معنا وكأننا أولاده الشرعيون، يسدي لنا النصائح، ويحاول أن يجبرنا علي تبني نظرياته والتفكير علي نمطه.في هذا السياق علينا أن نلفت عناية السادة في وسائل الإعلام العبرية علي مختلف مشاربها بأنها تتجاهل أعمال النواب العرب لصالح جمهور الناخبين، والنائب العربي يتحول إلي قضية إعلامية عندما يدلي بتصريح يعبر فيه عن قناعاته السياسية ، أو يسافر إلي سورية للتواصل مع أبناء الأمة العربية، التي نفتخر بالانتماء إليها، والتواصل مع العالم العربي هو مكون أصيل من عملنا وباعتقادنا أن تكثيف التواصل يصب في مصلحتنا ويمنع إسرائيل من سلخنا عن أبناء جلدتنا وثقافتهم وحضارتهم.علي اليسار الإسرائيلي وزبانيته من العرب أن يكفوا عن الادعاء بان النواب العرب لا يفعلون شيئاً، أولاً لأنهم لم يصوتوا للأحزاب العربية، وثانياً، لأننا نرفض رفضا قاطعا أن يكون هذا اليسار المزعوم وصياً علينا. فيسار إسرائيل الصهيوني دعم الحرب العدوانية علي لبنان، ولم نسمع أو نقرأ أو نشاهد أقطابه يعلنون رفضهم لهذه الحرب. أي أنهم دخلوا في إطار الإجماع القومي الصهيوني من الفاشي ليبرمان إلي الليبرالي بيلين.خلاصة الكلام: اليسار الإسرائيلي أعلن عن وفاته الرسمية بعد العام 1982 عندما تظاهر نحو نصف مليون شخص في تل أبيب ضد مجزرة صبرا وشاتيلا، ومنذ ذلك اليوم تقهقر وغاب عن المشهد، وما زال التراجع سيد الموقف.مشكلتنا مع اليسار الإسرائيلي، انه يقوم بإرشادنا من منطلق شعوره بالوصاية علينا ما هو الخطأ وما هو الصحيح، ولكن الطامة الكبري انه لا يوجد يسار إسرائيلي، وعليه لا تبحثوا عنا ولا تتباحثوا معنا.ہ رئيس تحرير صحيفة كل العرب الصادرة في الناصرة8