معضلة العيد
محمد كريشانمعضلة العيدعندما تصل الأمور إلي حد أن أبناء البلد الواحد يحتفلون بعيد الفطر المبارك علي يومين مختلفين فذلك دليل علي أن الأمر بات يستدعي فعلا وقفة جادة لإنهاء جدل يتجدد كل عام حتي بات بلا معني، فقد احتفل سنة العراق بالعيد يوم الاثنين عربهم وأكرادهم فيما احتفل به شيعته الثلاثاء بما يضيع روح مناسبة عظيمة كهذه تقوم علي التأليف بين قلوب المسلمين لتجعل أفراحهم واحدة وأتراحهم كذلك.جدل عقيم ومكرر يتجدد كل عام مع بداية شهر رمضان ثم يعود ثانية مع نهايته بخصوص موعد حلول عيد الفطر مع أنه يفترض أن التقدم العلمي قد حسم هذه المسائل نهائيا بما لا يعود عمليا ولا مفيدا دعوة الناس إلي تحري الهلال وسؤال من يراه منهم إلي المثول أمام لجان تحري الهلال في بعض الدول الإسلامية للإدلاء بشهادته وقد لا يكون رآه أحد غيره وقد لا يكون رآه أحد بالمرة مع أنه موجود فعلا إما لكثافة السحب أو لأي سبب آخر يحجب الرؤية الواضحة السليمة. أما الدول التي تقول إنها توائم في هذه المسألة بين الرؤية والحساب الفلكي فلا أدري كيف توفق بينهما إذا ما تعارضا فهل يؤخذ بالمعطي العلمي الصحيح أم برؤية فلان أو علان الخاطئة حتي وإن كان من ثقاة القوم. في المقابل تكاد لا توجد دولة إسلامية معروفة حسمت أمرها واختارت الحساب الفلكي العلمي دون غيره مع أنه سبق للدول الإسلامية قبل سنوات أن اجتمعت في اسطنبول وقررت وقتها حلا لتوحيد الكلمة في هذا الصدد غير اعتماد هذا الحساب ولا شيء سواه لكن يبدو أن اعتبارات داخلية مختلفة، وجزء منها مرتبط بترضية هذه الأوساط المحافظة أو تلك، أعادت الجدل للمربع الأول. تونس مثلا وفي عهد الرئيس الرحل الحبيب بورقيبة لم ترتض لنفسها بغير الحساب الفلكي الذي يمكن أن يحدد لك من الآن متي يبدأ رمضان المبارك ومتي ينتهي لأي سنة تريد حتي وإن كانت بعيدة جدا فأراحت وارتاحت بحيث لا يمكن أن تظل الكثير من المسائل الشخصية والعامة معلقة باليوم الذي يحل فيه العيد لكن تونس عادت قبل زهاء العقدين إلي ما تسميه التوفيق بين الرؤية والحساب في وقت تخلت فيه ليبيا مثلا في السنوات القليلة الماضية عن موضوع الرؤية بالكامل واعتمدت الحسابات الفلكية الدقيقة التي اشترت من أجلها تجهيزات متطورة للغاية. كل هذا دون أن ننسي ما أصبح فيه للسياسة من دور خفي مؤثر لدي هذه الدولة المسلمة أو تلك في إعلان بداية رمضان وبالتالي يوم العيد فهذه الدولة تتبع تقليديا المملكة العربية السعودية في ما تقرره وهذه تستنكف منه صحيحا كان أم غير صحيح، وهذه دول في المغرب العربي تري أنها غير معنية آليا بأن يكون عيدها مشرقيا لاسيما إذا ما صادف داخل هذه الدولة نفسها وجود حركات إسلامية احتجاجية ارتضي أنصارها أن يكون رمضانهم أو عيدهم منسجما مع السعودية أو غيرها.ومع أن هذا الموضوع وما يثيره سنويا من لغط وحتي بلبلة يبدو للوهلة الأولي مرتبطا باجتهادات فقهية هنا وهناك إلا أنه في نهاية المطاف يظل سياسيا حتي النخاع وهو ما حال بالتأكيد بين أن يفرح سنة العراق وشيعته بالعيد في يوم واحد وكأنه يراد لهم ألا تكون أفراحهم واحدة ولا حتي أحزانهم. ولولا استحالة الأمر لطلب من المملكة العربية السعودية أن يكون حج بيت الله الحرام علي دفعات فيقف هؤلاء علي جبل عرفات اليوم فيما يقف غيرهم في اليوم الموالي!!9