لا أزمة في الحجاب، بل حرب ضد المشروع الاسلامي

حجم الخط
0

لا أزمة في الحجاب، بل حرب ضد المشروع الاسلامي

د. سعيد الشهابيلا أزمة في الحجاب، بل حرب ضد المشروع الاسلاميالصراع الدائر حول ظاهرة الحجاب، أهو ديني ام سياسي؟ أهو تعبير عن خلاف حول سلوك اجتماعي ام توجه نحو صراع حضاري؟ ولماذا اختيار هذه الممارسة بالذات؟ ألأنها تتعلق بالمرأة، الطرف الأضعف في الصراع الأيديو-سياسي؟ وهل سيقف الصراع بين الاطراف المعنية بها هنا ام سيتطور ليصل الي الجوانب الاخري المرتبطة بالصحوة الدينية في العالم الاسلامي؟ وهل هذا الصراع محصور بين المسلمين وسلطات البلدان غير الاسلامية؟ ام ان رحي المعركة تدور ايضا في دول المسلمين؟ وماذا يعني دخول بريطانيا علي خط الصراع حول هذه الظاهرة الاسلامية، وهي البلد المعروف بانه من اكثر البلدان الغربية دبلوماسية وتحملا؟ الفصل الاخير من قصة الصراع حول اللباس الاسلامي تجلي مؤخرا في إثر تصريح أدلي به جاك سترو، وزير الدولة البريطاني لشؤون مجلس العموم، ووزير الخارجية السابق، طالب فيه المسلمات المنقبات بنزع نقابهن عندما يلتقينه في مكتبه. ويصعب الاعتقاد بان تلك التصريحات جاءت مرتجلة، خصوصا بعد ان اتضح وجود توجه عام لدي السلطات البريطانية لدعم ما قاله الوزير، ومواجهة المسلمين الرافضين لها بحزم. واتخذت القضية ابعادا أخطر بعد دعوة وزير الدولة لشؤون الجاليات والسلطة المحلية في الحكومة البريطانية فيل وولاس، لإقالة عائشة عزمي، وهي مدرسة مسلمة ترتدي النقاب، بدعوي ان نقابها يمنعها من اداء وظيفتها بكفاءة. القصة بدأت بتصريح سترو الذي بدا بريئا في وقته، وانه ردة فعل طبيعية من مسؤول لا يشعر بالارتياح عندما يلتقي بمواطنة تغطي وجهها، ولكن دعوة الوزير وولاس اللاحقة أضفت علي ذلك الجدل صفة رسمية ذات أبعاد عملية تلامس حياة المسلمين في هذا البلد. جاءت هذه المواجهة التي بدأتها السلطات البريطانية علي خلفية تصاعد الجدل حول مفهوم الانخراط في المجتمع البريطاني، وان المسلمين يرفضون الانصهار في هذا المجتمع. ولمواجهة هذه الظاهرة، يعتقد بعض الساسة البريطانيين ان عليهم مواجهة العوامل التي تمنع هذا الانصهار. ونظرا لصعوبة التعاطي مع تلك العوامل مجتمعة، تقرر البدء بمسألة النقاب. هذه المسألة تخدم الخطة الرسمية بشكل كبير. فالنقاب أولا أمر مختلف عليه بين المسلمين، الذين يعتقدون بوجوب الحجاب الشرعي الذي يسمح بكشف الوجه واليدين، والرجلين ويمنع كشف ما سواها، وهو ثانيا ممارسة محدودة لا يمارسها الا نسبة ضئيلة من النساء المسلمات، وهو ثالثا، ممارسة لا يستسيغها الكثيرون، من مسلمين وغيرهم.ردة فعل المسلمين عموما ازاء الدعوة للتخلي عن النقاب في بريطانيا اتسمت بالانزعاج والقلق. فقد جاءت علي خلفية أخري متصلة بقضايا التطرف والارهاب، والقوانين الصارمة التي صدرت في الاعوام الاخيرة لمواجهة الظاهرة، وهي قوانين يعرف الجميع انها موجهة اساسا ضد المسلمين. ولكن هناك من المسلمين من وقف بجانب الموقف الرسمي، ومنهم برلمانيون مسلمون، ووجهاء من الجالية المسلمة. وبدا ان السلطات البريطانية اختارت قضية مختلفا عليها بين المسلمين انفسهم، وبذلك تمكنت من منع تبلور موقف اسلامي متين. وهناك خشية ان يتم استصدار قوانين تمنع النقاب في الاماكن العامة والمدارس والمستشفيات، وان يكون ذلك بداية من مواجهة شاملة مع المسلمين. ومما يدفع لتفكير من هذا النوع التصريحات التي أدلت بها السيدة روث كيللي، وزيرة شؤون الجاليات، في خطاب القته في 11 تشرين الاول (اكتوبر) حملت فيه علي المجلس الاسلامي البريطاني (ام سي بي)، بسبب رفضه حضور احتفالات يوم الهولوكوست ، وبسبب ما ادعته الوزيرة من عدم قيامه بالدور المطلوب لموجهة التطرف في الجالية المسلمة، بالاضافة لانتقاده اساليب الشرطة البريطانية في اقتحامها منازل المتهمين بالتورط في اعمال ارهابية. وقد رد المجلس علي تلك التصريحات بانه لن يتردد عن ابداء موقفه من سياسات الحكومة علي الصعيدين المحلي والخارجي، التي تؤثر سلبا علي الامن الوطني (في اشارة الي السياسة الخارجية لبريطانيا وارتباطها بشكل وثيق بالسياسات الامريكية في الشرق الاوسط . وجاءت تصريحات كيللي متزامنة مع قرار الحكومة سحب دعمها للمجلس، وتشجيعها قيام تشكيلات موازية، آخرها الاعلان قبل بضعة شهور عن قيام المجلس الصوفي البريطاني . ومن بين اسباب انزعاج الحكومة البريطانية من المجلس الاسلامي البريطاني عدد من الامور: اولها الالتزام الديني القوي في اوساط المجلس واعضائه والجمعيات المرتبطة به، وثانيها: الانتقادات اللاذعة التي يوجهها المجلس للسياسات الخارجية البريطانية المسايرة للولايات المتحدة و اسرائيل . وثالثها: سعي المجلس للاستقلال في توجهاته الدينية والسياسية بعيدا عن املاءات السلطات، ورابعها: رفضه التحول لاداة طيعة لها بالدخول في صراعات داخلية في صفوف الجالية المسلمة. الواضح اذن ان تصدي السلطات البريطانية لظاهرة الالتزام الديني، بدأت بمواجهة ظاهرة النقاب، ولكنها انطلقت علي خلفيات سياسية معقدة، وبالتالي اصبح من الصعب التنبؤ بالمنحي الذي تنتهجه تلك السياسات الرسمية، وما اذا كانت سوف تتوسع لتصل الي حد مواجهة ظاهرة الحجاب لاحقا، كما حدث في فرنسا. هذا التغير في توجهات حكومة العمال البريطانية يعتبر امرا مفاجئا، خصوصا ان حزب العمال الحاكم هو الذي دشن سياسات تميزت عن الحكومات السابقة في مجال العلاقات مع الجالية المسلمة، فعينت عددا من المسلمين بمجلس اللوردات، وشجعت آخرين علي الترشح للانتخابات البريطانية، ونجح عدد منهم. كما أقامت جسور اتصال مع الجاليات المسلمة وفي مقدمتها المجلس الاسلامي البريطاني، خصوصا بعد حوادث 11 ايلول (سبتمبر) قبل خمسة أعوام. يضاف الي ذلك ان الحكومة البريطانية التزمت موقفا مسؤولا في أزمة الرسومات الكاريكاتيرية المسيئة للرسول عليه افضل الصلاة والسلام في وقت سابق من هذا العام. وحتي الحادثة الاخيرة حول النقاب، اعتبرت سياسات حكومة توني بلير أكثر تفهما لاوضاع المسلمين، اذ نأت بنفسها عن محاكاة السياسة الفرنسية ضد الحجاب، وبعض التصرفات التي حدثت ضد المحجبات في بلدان اخري مثل بلجيكا. فما الذي حدث اذن لتغيير هذه السياسات التي اتسمت بقدر كبير من الانضباط والعقلانية؟ ثمة اسباب ثلاثة رئيسية لذلك: اولها حوادث 7 تموز (يوليو) العام الماضي الارهابية في قطارات الانفاق في لندن، التي اودت بحياة اكثر من خمسين شخصا. وقد ادت تلك الاعمال الارهابية الي تصاعد التوتر في العلاقات بين السلطات البريطانية والمسلمين، وصدرت في ضوئها قوانين صارمة ضد الارهاب استهدفت المسلمين بشكل واضح. ثانيها: تصاعد احتمالات فشل السياسة البريطانية في كل من افغانستان والعراق، وتوجيه التهمة لرئيس الوزراء البريطاني مباشرة بانه سبب مباشر في تلك الورطة. ثالثها: التحالفات التي ظهرت علي خلفية التورط البريطاني في الحرب الي جانب الولايات المتحدة الامريكية، بين المسلمين وبعض الشخصيات والجهات البريطانية المحسوبة علي يسار الخريطة السياسية في حزب العمال، والانتقادات اللاذعة التي وجهها ذلك التحالف للحكومة، رابعها: نشاط اللوبي الصهيوني العالمي في التحريض ضد المسلمين في اوروبا. معركة الزي الاسلامي، كما هو معروف، ليست محصورة ببريطانيا التي ما تزال تعتبر أقل الدول الغربية تحسسا من هذه الظاهرة. فقبل ثلاثة اعوام بدأت معركة الحجاب في فرنسا بعد توصيات رفعتها لجنة متخصصة بحظر الرموز الدينية في البلاد في ديسمبر 2003. وقتها قيل ان الحظر سيشمل ارتداء الطاقية اليهودية والصلبان الكبيرة والحجاب والتي ستعتبر رموزا دينية لافتة للانظار. وكان الرئيس شيراك قد قال سابقا إن فرنسا تشعر بأنها تتعرض لهجوم بشكل ما نتيجة لعرض مظاهر دينية لافتة للانظار، الامر الذي يتعارض تماما مع توجهها العلماني . التصدي الفرنسي للحجاب جاء علي خلفية الجدل حول إخفاق فرنسا في دمج المهاجرين المسلمين لديها أو منحهم هوية ثقافية فرنسية خالصة. وفي العام الدراسي اللاحق بدأت السلطات الفرنسية تطبيق القانون الذي يمنع الطالبات من ارتداء الحجاب في المدارس، ونجم عن ذلك أزمة في اوساط المسلمين ما تزال مستمرة. ومن الذرائع التي يتشبث بها معارضو الحجاب انه تعبير عن خضوع المرأة ، بينما اظهر استطلاع للرأي في بريطانيا مؤخرا ان الغالبية الساحقة من الفتيات اللاتي يرتدين النقاب اختارت ذلك طوعا وليس باكراه من الوالدين. وفي ما عدا فرنسا ما يزال ارتداء الحجاب الاسلامي مقبولا في اوروبا، وان كان الموقف مختلفا ازاء النقاب الذي يغطي الوجه ويسمح بظهور العينين فقط. فقد اعرب وزير الداخلية الايطالي جوليانو أماتو الاسبوع الماضي عن تأييده لموقف رئيس الوزراء رومانو برودي الذي لايمانع ارتداء المسلمات في ايطاليا الحجاب وسط دعوات في أوروبا تطالب بمنعه قانونيا. وقال في مؤتمر صحافي مشترك مع نائب رئيس المفوضية الأوروبية فرانكو فراتيني “انني اشارك برودي موقفه حول حجاب النسوة المسلمات مشيرا الي تصريح رئيس الوزراء لصحيفة بريطانية اعتبر فيه أن ارتداء الحجاب أمر شخصي، مستبعدا الاتجاه الي منع ارتدائه، ومشيرا الي ارتداء بعض الكاثوليكيات غطاء للرأس عند دخولهن الي الكنائس. ويمنع القانون الايطالي أي شكل من أشكال اخفاء الوجه منذ سبعينيات القرن الماضي حيث شهد نشاطا للحركات الارهابية السياسية مثل الألوية الحمراء التي كان عناصرها يتنكرون بأقنعة شتوية في أثناء اعتداءاتهم الارهابية. واذا كان الجدل في اوروبا يدور حاليا حول النقاب، فان تونس تشهد أزمة مماثلة بشأن ارتداء الحجاب. فقد اقترنت العودة للمدارس والجامعات التونسية هذا العام بعودة السلطات إلي منع ارتداء “اللباس الخليع والحجاب” مع اجبار الطالبات في بعض الجامعات بتوقيع التزام كتابي بعدم ارتداء الحجاب وبفقدان حق الترسيم في الجامعة في صورة مخالفة فحوي الالتزام. وأصدرت قيادة الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الانسان بيانا قالت فيه ان سلطات بعض المدارس والجامعات منعت طالبات محجبات من الترسيم ومن الدخول الي مؤسسات الدراسة بسبب امتناعهن عن خلع الحجاب. وانتقد البيان ما أسماه “المس بحرية اللباس التي تعتبر في المواثيق الدولية حقا من حقوق الانسان.” وكانت الحكومة التونسية اصدرت منذ عام 1981 منشورا رسميا عرف باسم منشور 108 يمنع ارتداء ما وصف باللباس الطائفي من قبل كل الطالبات والمعلمات والاستاذات والموظفات في القطاع العمومي، لكن درجة الحزم والمرونة في تطبيق هذا المنشور تفاوتت من مرحلة سياسية الي اخري. وفي تركيا، البلد الذي يحكمه حزب اسلامي، ما يزال الحجاب الشرعي ممنوعا بشكل رسمي، منذ فرض ذلك المنع قبل اكثر من ثمانين عاما، خلال عهد كمال اتاتورك. ويتعرض الوزراء لانتقادات لاذعة بسبب ارتداء زوجاتهم الحجاب في العلن، ومع ان الحكومة ترغب في الغاء قانون حظر الحجاب، فانها تخشي من اثارة المؤسسة العسكرية العلمانية التي تعارض الحجاب بشدة. لماذا الحجاب بالذات هو محور الصراع في الحالات المذكورة؟ ثمة اعتقاد خاطئ يروجه الغربيون وهو ان المرأة المسلمة مجبرة علي ارتدائه، وانه بالتالي تعبير عن ضعفها واستسلامها للرجل. قد تصدق هذه المقولة في حالات محدودة في السابق، اما في الحاضر، فقد اصبحت المرأة، في اغلب البلدان العربية والاسلامية ذات كيان مستقل، خصوصا بعد انتشار الدراسة الجامعية والتفاعل بين الشعوب والامم. المسألة المهمة هنا هي ان الحجاب ارتبط بالصحوة الاسلامية في العالم، وبالتالي فهو يمثل جانبا من الصراعات السياسية والحضارية. ولا ينفصل التصدي لظاهرة الحجاب عن ظاهرة التصدي السياسي للمشروع الاسلامي عموما. فالحجاب ليس محصورا علي المسلمين، بل هو لباس اهل الدين في المسيحية واليهودية والهندوسية. والواضح ايضا ان الاستهداف انما هو موجه للمسلمات وليس لغيرهن. وهو امر مؤسف حقا. واذا كان هناك استضعاف للمرأة المسلمة فانه يتجسد في ما تمارسه الحكومات الغربية ضدها. فقد ارتدت الحجاب بقرارها الشخصي الحر، ولم يفرض عليها من أحد (وهو ما تؤكده الاستطلاعات الغربية نفسها)، ولكن الحكومات التي تعادي ظاهرة الحجاب (في الغرب وفي العالم الاسلامي) هي التي تصادر تلك الحرية وتقننها، الامر الذي يتناقض مع مبادئ الحرية والديمقراطية والاختيار الحر للفرد. ومهما قيل من تبريرات لهذه الهجمة الشرسة علي الحرية الخاصة للمرأة فان التصدي بقوة القانون للمرأة المسلمة انما هو جانب من المواجهة السياسية مع المشروع الاسلامي، ومتصل، في بعض جوانبه، بصراع الحضارات الذي تروج له بعض الاوساط الغربية. 9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية