التحديات الاجتماعية التي تواجه اليمن في الفترة 2006 ـ 2015 (1 من 2)

حجم الخط
0

التحديات الاجتماعية التي تواجه اليمن في الفترة 2006 ـ 2015 (1 من 2)

التغلغل الرأسمالي وتزايد اندماج اليمن في النظام العالمي يؤثران علي التوازن السكاني والبناء التقليديالانتخابات مهمة ليس لدعوتها تداول السلطة ولكن لانها تتحدث عن حق الشعب السياسي والقانونيالتحديات الاجتماعية التي تواجه اليمن في الفترة 2006 ـ 2015 (1 من 2)د. فؤاد الصلاحيہ هل تشكل الانتخابات نموذجا لاكتساب وعي ديمقراطي وحقوقي جديد؟ للاجابة علي هذا السؤال يمكن القول تشكل الانتخابات الرئاسية التي يشهدها اليمن تحولا جديدا في وعي الافراد والجماعات وممارساتهما السياسية علاوة علي كونها تشكل خطوة جريئة من حيث ان تاريخ المجتمع لم يعرف التداول السلمي للسلطة. فالثابت تاريخيا هو الصراع والعنف والوصول الي السلطة وفق مبدأ (الامارة بالتغلب) بل ان ذلك هو الوضع العام في المجتمع العربي كله وليس في المجتمع اليمني فقط، والثابت تاريخيا اننا معشر العرب لم نمارس الديمقراطية ولم نتعود عليها ولم نستوعب ثقافتها الحديثة فقد تميز وضع الدولة في المجتمع اليمني والعربي في الماضي كما في الحاضر بنفي الشراكة في السلطة ومن هنا نشأت لدينا في المجتمع العربي حواجز عديدة سيكولوجية وثقافية ومؤسسية تعوق بناء وممارسة الديمقراطية. ومن هنا ندرك اهمية المقولة التاريخية للشهرستاني (انه ما استل سيف في الاسلام كما استل علي الإمامة) فقد ظهرت ملامح العنف حول السلطة منذ حادثة السقيفة وبرزت حدته مع حكم الخليفة الثالث والرابع واصبح جزءاً من طبيعة السلطة وآلياتها منذ تأسيس الدولة الاموية حتي اليوم. ولعل اهم اشكالية تواجهها الدولة العربية الراهنة هي مشكلة السلطة اي كيفية الولوج اليها ووفق اي شروط ومدي سقفها الزمني وكيفية التناوب والتداول للسلطة بالطرق السلمية وهي العملية التي تستنزف معظم الموارد بكل تنوعها اضافة الي ما تولده من ازمات فرعية متعددة ومتنوعة في مختلف المجالات الأمر الذي يضعف عملية البناء والتجديد الحضاري مقابل تأبيد واقع التخلف والعجز الانمائي. والمجتمع اليمني المعاصر شهد صراعا عنيفا علي السلطة منذ اول يوم اعلان الثورة عام 62 وكذلك عام 67 فكلتا النخبتين اللتين تسلمتا السلطة بعد قيام الثورة نشأ بين افرادها صراع علي عملية توزيع المناصب السياسية وعلي تحديد التوجهات السياسية والاجتماعية الأمر الذي جعل كل فريق يخلق له تكتلا جبهويا من اجل دعمه في تغليب رؤيته وتحقيق مصالحه ولذلك عرفت اليمن انقلابات متعددة في الشمال والجنوب وحتي في دولة الوحدة التي جاءت في اطار حوار سلمي لم يتسن لها ان تستقر حتي تخاصم الطرفان اللذان اعلنا الوحدة وتطور ذلك الي المواجهة العسكرية في حرب اهلية استمرت سبعين يوما. في هذا السياق تبرز اهمية الانتخابات الرئاسية في اليمن ليس من منطلق ما تحققه من تداول في السلطة فذلك امر بعيد المنال حاليا، ولكن من منطلق انها طرحت لأول مرة رسميا الدعوة الي الشعب في حقه السياسي والقانوني ان ينتخب حكامه وهذه عملية بالغة الاهمية في مجتمع تقليدي كاليمن حيث تتوجه السلطة ذاتها بالاعتراف ان من حقوق المواطنة المدنية والسياسية انتخاب الحـــــكام وهــــذا الأمر يحدث تجديدا في وعي الافراد والجماعات ويؤسس لثقافة سياسية جديدة تتطلب من المثقفين والمتخصصين ان يعملوا علي تعزيز ذلك التحول الديمقراطي ونشر كل مفرداته الثقافية التي تنمي في الافراد وعيا حقوقيا وسياسيا جديدا من شأنه ان يولد ممارسات ونشاطات عملية تتمسك بتلك الحقوق وتوسع من مجالاتها ومن فضاءتها. ان اهم ما في الديمقراطية ان الحاكم يأتي من خلال اصوات المواطنين وان افراد المجتمع هم الذين يمنحونه المشروعية، هنا تبرز انماط جديدة في العلاقات والرؤي تعكس متغيرات العصر وتستجيب لها، ونقصد بذلك ان تنمية المجتمع وتطوره مرتبطان بوجود دولة مدنية ديمقراطية قادرة علي ارساء انماط جديدة من العقلانية في المجتمع، من حيث ان الديمقراطية هي التي تخلق علاقة انتماء حقيقية بين اناس يشعرون بحرية الاختيار وبناء المجتمع الذي ينشدون العيش فيه وفق مبدأ المواطنة، فالديمقراطية في نهاية الامر طريقة سلمية لتنظيم العلاقات داخل المجتمع تنظيما عقلانيا، هنا تكون الديمقراطية من ضرورات الحياة المعاصرة انطلاقا من كونها منهج تفرضه ضرورات التعايش السلمي داخل المجتمع يمكن الافراد من ادارة اوجه الاختلاف والتباين في المصالح وتمكين المجتمع بشكل عام من السيطرة علي مصادر العنف. وبالرغم من المتغيرات الديمقراطية التي شهدها اليمن الا ان تجذر بنائها واستمراريتها يرتبط بجملة من المحددات والعوامل اهمها ايجاد ارادة سياسية قوية مؤمنة بالديمقراطية ومدركة بوعي كامل مدي اهميتها في بناء الدولة والمجتمع، ويعني ذلك ان عليها ان تتخلي عن نوازعها الضيقة (العصبوية) التي تفرزها بني وثقافة تنتمي الي ما قبل الدولة الحديثة . فالمجتمع اليمني انثروبولوجيا وسوسيولوجيا يتصف بتعدد الكيانات الاجتماعية التقليدية واستمرار فاعليتها كمحدد للعلاقات الاجتماعية بل والسياسية ايضا، وهنا يجب ان تكون الدولة الحديثة مؤسسة عامة وطنية تتعالي عن الارتباط العضوي مع اي مؤسسة تقليدية الأمر الذي يعني ضرورة ان تكون مؤسسة عامة تعمل وتنشط وفق محددات قانونية تحقق المواطنة المتساوية لكل الافراد اي ان تكون رديفاً لفكرة الحق والعدل والمساواة وبذلك تكون اطارا مرجعيا ورمزيا تتمركز ولاءات الافراد نحوه وتخلق هوية وشخصية عامة مشتركة. من هنا يمكن القول ان الانتخابات في اليمن تخلق وعيا جديدا (ببطء شديد) يعبر عن اعادة الحق الطبيعي لهم بانتخاب الحكام وينفي ذلك الاعتقاد الثقافي والسياسي الذي تشكل تاريخيا حول اهمال حق المجتمع في اختيار حكامه وان عليهم الطاعة فقط لمن استطاع الوصول الي السلطة ايا كانت وسائله في ذلك، خاصة وان هذه الثقافة التقليدية المضادة لحق الشعوب في اختيار حكامها تم انتاجها خصيصا كايديولوجيا من اجل اضفاء المشروعية علي الحكام تم دعمها بالاسانيد الدينية التي تم تخليقها وانتقاؤها لتخدم اهدافا سياسية وتترسخ في الوعي الشعبي الذي يضيف اليها عددا من المقولات والامثال ويتم اعادة انتاجها رسميا وشعبيا حتي يعتقد الناس تماما انه لا يمكن الخروج او تغيير ذلك الموروث الثقافي، وهنا تبرز المهمة الكبيرة امام المثقفين ونشطاء المجتمع المدني وهي مهمة التأسيس الثقافي لمفهوم الديمقراطية في الوعي الفردي والجمعي حتي يتحقق الانتشار العام داخل المجتمع لثقافة سياسية حديثة تخلق وعيا وممارسة وقيما وتصورات واتجاهات تدعم عمليات التحديث بكل مجالاتها اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا. في هذا السياق يمكن القول ان المجتمع اليمني المعاصر يمر بمرحلة انتقالية نحو عالم الحداثة سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وهي مرحلة هامة لا بد من تجاوزها بنجاح، وتكمن اهمية هذه في انها تؤسس وتضع القواعد والمرتكزات للمستقبل. فهي تهيئ الافراد والجماعات ثقافيا وسيكولوجيا، وتضع الاسس اللازمة للولوج الي عالم الحداثة والتطور خاصة ونحن نشهد بداية الالفية الثالثة، ويتضمن ذلك ضرورة الاستيعاب الايجابي والعقلاني لكل ما يحتاجه حاضرنا ومستقبلنا من تاريخنا ومن انجازات الاخر المعاصرة. تأسيسا علي ذلك يتناول الباحث في هذه الدراسة اهم التحديات الاجتماعية التي يعيشها اليمن حاليا والتي يجب ان تكون محل اهتمام خاص في العملية السياسية الراهنة المرتبطة بالانتخابات الرئاسية والمحلية ومحل اهتمام آني ومستقبلي لجميع الاحزاب والتنظيمات السياسية ومختلف مؤسسات المجتمع المدني. صفوة القول ان المنطلق الوطني لاهتمام الفرد بشؤون بلاده يجعله يحس بالقلق الشديد لواقع الدولة والمجتمع في عالم متغير. هذا الاهتمام لا يعكس الرغبة في توجيه نقد للنظام بقدر ما يعني رغبة الفرد وطموحه وتمنيه ان تكون بلاده متجهة في مسار التقدم والتطور، اي ان تكون ضمن الدول المتطورة والمتحضرة التي تحترم مواطنيها وتحمي حقوقهم وكرامتهم، الأمر الذي يعمق من الولاء الوطني ويخلق دوافع قوية لدي كل مواطن للمشاركة والاسهام الفاعل في مختلف عمليات التنمية والبناء. اولا: التعويم التاريخي للمجتمعنقصد بهذا المفهوم اعتماد النخب الحاكمة في خطابها السياسي لغة تجعل من اليمن الدولة والمجتمع اسيرين للماضي في بنيته ومنظومته الثقافية وهو الأمر الذي تسثمره جيدا في اللعبة السياسية من اجل صرف الانظار عن القضايا والعمليات التحديثية التي يطالب بها المجتمع وللالتفاف علي هذه المطالب تقول بان الديمقراطية لا تناسب اليمن وان كثيرا من التحديث السياسي والاجتماعي والاقتصادي سيؤدي الي تناقض واقصاء للتقاليد والقيم. هنا يري النظام السياسي بوضوح ان الحداثة السياسية هي مطلب غربي وقال احد اهم اركان النظام السياسي والقبلي ان الديمقراطية اذا تعارضت مع القبيلة فسيختار القبيلة حيث الاولوية لها. ولتغييب وعي المجتمع باهمية معرفته لأسس الدولة الحديثة واقصد بذلك انها دولة القانون والمساواة فالنظام الحاكم يعمل جاهدا علي اعادة انتاج البني التقليدية وتعميق الارتباط بها حتي لا يقع تحت طائلة المساءلة المجتمعية وانه يبرر قصور فعل الدولة الانمائي بالمعارك الوهمية مع اعداء الوطن كما انه يتحدث عن التنمية والتطور كتعبير شكلاني مظهري مقابل واقع يزداد فقرا وحرمانا وتتسع فيه اللامساوة ويتزايد الاستقطاب بين اقلية حاكمة وثرية واغلبية محكومة وفقيرة. ووفقا لهذا السياق الذي يستهدف التعويم التاريخي للمجتمع اليمني تبرز اهم التحديات والاشكالات الاجتماعية (والسياسية ايضا) التي ينجم عنها مظاهر خطيرة متعددة ومتنوعة اذا لم تتم معالجتها ستؤثر سلبا في بنية الدولة والمجتمع الي درجة يصعب التنبؤ بكل مخاطرها علي حاضر ومستقبل اليمن . ولتكثيف التحليل لمفهوم التعويم التاريخي للدولة والمجتمع في اليمن نعرض بايجاز الي طبيعة البنية الاجتماعية وتشكلاتها في اطار المتغيرات السياسية والاقتصادية. 1 ـ البنية الاجتماعيةوتشكلاتها (صورة بانورامية):يتصف اليمن بتعدد التكوينات الاجتماعية التقليدية وببنية جغرافية متنوعة (مناطق جبلية، ساحلية ،الهضاب) تتباين فيها طبيعة المناخ بين مناطق حارة واخري باردة. ولضعف عملية التحديث والتنمية لا تزال المراكز الحضرية صغيرة الحجم ومن ثم فان غالبية السكان يعيشون في الريف. ووفقا لاعتبارات اجتماعية واقتصادية وتاريخية موروثة يتصف التركيب السكاني بالتشتت حيث يعيش كثير من السكان في قمم الجبال ضمن جماعات صغيرة العدد. وبشكل عام يمكن القول ان التركيب العام للسكان يشمل اربعة مستويات (سكان الحضر، سكان الريف، سكان الجزر، البدو الرحل)ويتصف المجتمع اليمني بانه مجتمع فتي غالبية سكانه من الاطفال الذين تقل اعمارهم عن 15 سنة. وتشهد اليمن تحولا ديموغرافيا اهم ملامحه زيادة معدلات النمو الطبيعية السريعة للسكان وانخفاض مستمر للوفيات (الأمر الذي يعمق من ازمات الدولة الراهنة من خلال ان الهيكل السكاني الشبابي يجعل الدولة تحت ضغوط شديدة لتخصيص المزيد من مواردها لتقديم الخدمات الصحية والتعليمية والاجتماعية). اجمالي سكان اليمن 19 مليون نسمة. نسبة السكان في الحضر 26 بالمئة نسبة السكان في الريف 74 بالمئة نسبة السكان اقل من 15 سنة، متوسط حجم الاسرة 4 ـ 7 معدل النمو السنوي للسكان 33 بالمئة. نسبة الامية 47 بالمئة وفي الاطار المذهبي تصنف اليمن في عدد من الدراسات الاجتماعية العربية والاجنبية وتدمج في مجموعة الاقطار العربية الاكثر تنوعا مثل (سورية، لبنان، موريتانيا، السودان، جيبوتي، المغرب) في هذا السياق يري سعد الدين ابراهيم ان السكان في اليمن ينقسمون الي جماعتين رئيسيتين هما (الشيعة الزيدية/السنة الشافعية) وتكاد تتساوي كلاهما من حيث الحجم السكاني مع وجود جماعات صغيرة من الاباضية واليهود. وتتركزمعظم الجماعة الاولي في المناطق الجبلية والشمالية ولا يزالون ينتظمون في تشكيلات قبلية. الجماعة الثانية تتركز في السهول والسواحل وهي اكثر استقرارا في المدن واقل انتظاما في تشكيلات قبلية. هذا يعني ان الانقسام المذهبي في اليمن يتطابق مع الاستقطاب الجغرافي والايكولوجي والاجتماعي والاقتصادي. ومع ان السنة الشافعية يمثلون اكثر من نصف السكان الا ان السلطة السياسية بيد الجماعة الزيدية. في هذا السياق يمكن القول ان التكوين الاقتصادي الاجتماعي للمجتمع اليمني يتسم باستمرار البني الاجتماعية التقليدية خاصة البنية القبلية بمحدداتها الثقافية الموروثة. وتتباين القبائل من حيث الحجم ونمط المعيشة ودرجة قربها أو بعدها عن نسق السلطة الرسمي. وتعتبر الأسرة الممتدة هي القاعدة العريضة التي تتكون منها القبيلة. وتعتبر الرابطة القبلية العامل الرئيسي والأكثر أهمية في البناء القبلي خاصة في مناطق الشمال والشمال الشرقي من البلاد، في حين تتسم العلاقات الاجتماعية بالطابع الفلاحي والفردي المعتمد علي أساس الارتباط بالأرض الزراعية والاندماج في اطار السلطة الادارية والسياسية للدولة المركزية في كل من تهامة، تعز، أب، عدن (مناطق الجنوب/الوسط/الساحل). فالبناء الاجتماعي في هذه المناطق يرتكز علي عامل الارتباط والاشتراك في المكان أكثر مما يجمع بينهم عامل النسب، اي يرتكز علي التنظيم الاداري والاقامة وما يرتبط بها من عمليات الاتصال وتنمية المصالح المشتركة. ويلعب الأساسي الاقتصادي دورا هاما في تحديد العلاقات الاجتماعية داخل القبيلة. فلما كان الأساس الاقتصادي الذي ترتكز اليه القبيلة أساسا غير مستقر ومعـــــرضاً للأزمات المتلاحقة فان ذلك يحتم عليها السعي الي الحفاظ دائما علي أعلي درجات التضامن فيما بينها. معني ذلك ان تضامن أعضاء القبيلة شرط ضروري للبقاء ولا يقتصر التضامن علي العمليات الانتاجية بل يتعدي ذلك الي درء خطر داهم. فالتضامن اذاً يفترض أعلي درجات التلاحم وأقواها كما تبلورها العصبية وكما يتجسد في منظومة القيم والعادات والتقاليد المشتركة التي تدفع بالتضامن لأعلي مستوياته.2 ـ ملامح التحول في البنية الاجتماعية: ان عملية التغلغل الرأسمالي السلعي (المادي/الفكري) وتزايد اندماج اليمن في النظام الاقتصادي الرأسمالي العالمي عمل ويعمل علي تخلخل التركز الجغرافي للسكان واهتزاز البناء الاجتماعي التقليدي. فمع اتساع السوق الوطنية المستوردة وتزايد حجم الهجرة من الريف ومع تزايد عمليات التحديث والتنمية التي قادتها الدولة خلال العقود الاربعة الماضية ترتب علي جميعها ظهور ثلاث مستويات من الحراك الاجتماعي: الحراك الجغرافي (التنقل السكاني). الحراك المهني (الاشتغال باعمال ومهن جديدة). الحراك التعليمي (من خلال المدارس والجامعات والبعثات الخارجية). ولما كان تغلغل العلاقات الرأسمالية الحديثة هو احدي ركائز نشأة الطبقات الحديثة وتبلورها فهذا التغلغل لم يكن شاملا ولم تتصاحب معه تغييرات جذرية في القاعدة المعرفية والعلمية والتكنولوجية ولم تتسع القاعدة الانتاجية الاقتصادية. الا انه يمكن القول بوجود طبقة وسطي حديثة وبداية واضحة لطبقة عاملة (طبقة في طور التكوين) في بداية مستوياتها التكوينية والتشكل البنائي الحديث. ولا يمكن القول بوجود طبقة رأسمالية بل هناك بيوتات تسمي نفسها رجال الاعمال أو القطاع الخاص. ومع ذلك يمكن الاشارة بوضوح الي الطبقة الوسطي التي تتبني وتطرح افكارا جديدة عن الليبرالية والاصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي وبناء الديمقراطية والمجتمع المدني ومنها تشكلت التنظيمات الحزبية بمختلف ايدولوجياتها (القومية، الاشتراكية، الاسلامية)، والتنظيمات الجمعوية (نقابات، جمعيات، منظمات ..) بل وقادت النضال الوطني ضد الاستعمار في الجنوب وضد الامامة في الشمال، والكثيرمن موظفي الدولة مدنيين وعسكريين هم من ابناء الطبقة الوسطي. ثانيا: تشوه ملامح البنية الاجتماعيةواثرها في مبدأ المواطنة المتساوية:ان الفئات المهيمنة في قمة السلم الاجتماعي الاقتصادي والسياسي في الجزيرة والخليج (كما يري خلدون النقيب) هي امتداد حديث لتكوينة التحالف القبلية التقليدية نفسها، اضافة الي ظهور تحالف بين القوي التقليدية والقوي الحديثة. في هذا السياق ظهرت اعادة تحالف بين العناصر المتبقية من القوي التقليدية مع السلطة السياسية في الدولة وبعض كبار القطاع الخاص وهنا ظلت الدولة متحكمة في المجتمع من خلال تحكمها المنفرد بالاقتصاد مع تغيير في الممارسات والتحالفات. فالمشائخ كقوة تقليدية تم دعم نفوذها القبلي والاجتماعي بالنفوذ السياسي في مؤسسات الدولة الرسمية وتم دعم نفوذها الاقتصادي من الدولة من خلال العطاء المادي الكبير (دعم عملهم في شركات وتوكيلات تجارية). هنا يمكن القول ان الاستفادة اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا من الدولة تكون عن طريق التنظيمات التقليدية العصبوية والعلاقات الشخصية والقرابية والمصالح المتبادلة خاصة وان الدولة بما تملكه من الريع النفطي وغيره يجعلها القوة الرئيسية في توزيع الثروة والمنح والامتيازات والاراضي والخدمات والوظائف الكبيرة في جهازها الاداري. وهنا تزايدت عملية التداخل والترابط بين النخب الاجتماعية التقليدية والنخب الحديثة (السياسية، العسكرية، رجال الاعمال). فالعائلات التجارية ـ القطاع الخاص ـ تعتمد علي الدولة من حيث حصولها علي عقود التوريد وبناء المنشآت والمقاولات والتوكيلات التجارية، (اي انه من خلال الدولة والارتباط بها ظهرت مجموعات تجارية كبيرة) هنا يظهر بوضوح الخلل الكبير في توزيع الثروة والدخل وما يولده من مشكلات اجتماعية عميقة ومتعددة، اهمها ظهور تمييز معلن بين المواطنين (من خلال الوظائف المدنية والعسكرية والامنية والدعم الاقتصادي والسياسي والخدمي) يتم الحديث عنه علنا بل واصبح مجالا للحديث العام في مختلف الصحف خصوصا الحزبية. في هذا السياق تتفوق المعايير التقليدية علي المعايير الحديثة في تحديد مكانة الفرد اجتماعيا وتحديد دوره السياسي والاقتصادي.ثالثا: دور البنية الاجتماعية التقليديةفي اعاقة بناء الدولة المدنية:ان عملية بناء الدولة الحديثة في اليمن مرت حتي وقتنا الراهن بثلاث مراحل بدءا بالمرحلة الاولي التي ظهرت في الخمسينات وشكلت امتدادا تاريخيا لخطاب الحركة الوطنية حول الدولة الحديثة واهميتها في واقع اجتماعي كاليمن. المرحلة الثانية ظهرت في الستينات من القرن العشرين في اعقاب نجاح الثورة اليمنية في كلا شطري اليمن، تميزت هذه المرحلة بوجود نظامين سياسيين يختلفان في التوجه السياسي والايديولوجي. المرحلة الثالثة ظهرت مع بداية حقبة التسعينات والتي ارتبطت بدولة الوحدة واقترانها بالديمقراطية. ولعل اهم دلالات التباين في ولادة الدولة الحديثة في اليمن (شمال اليمن62/جنوب اليمن67) يكمن في تباين القوي الاجتماعية والسياسية التي تسلمت السلطة (نوعيتها وايديولوجيتها وتحالفاتها ومشروعها السياسي).لقد حاولت الدولة الحديثة (في مرحلتي التشطير والوحدة) اجراء تغييرات وتحولات بنيوية ومؤسسية مستمدة من حداثة الغرب منها بناء مؤسسات جديدة (حكومة، نظام سياسي مقنن، بيروقراطية، جيش) ثم حاولت احداث تنمية اقتصادية اجتماعية لاشباع الحاجات الاساسية وتلبية لطموحات المجتمع والحفاظ علي الاستقلال وتكريس الهوية الوطنية (تضمن الخطاب السياسي الدعوة الي ادماج كل افراد المجتمع وتكويناتهم المختلفة في بوتقة واحدة وخلق هوية مشتركة). فقد تبنت سياسات التعليم الالزامي والمجاني وتوسعت في انشاء المدارس ثم الجامعات وهنا تزايد الطلب من المواطنين علي الخدمة التعليمية لابنائهم باعتبارها وسيلة للحراك الاجتماعي الصاعد (الواقع ان الدولة اهتمت كثيرا ببناء وتطوير مؤسساتها العسكرية والامنية مع اهمال كبير لعملية التنمية التي هي اهم وسيلة للادماج الوطني). وكان اهتمامها بالتعليم من اجل بث مفاهيمها وايديولوجيتها وتعميقها في المجتمع ثم من اجل خلق كوادر بشرية مدربة هي في حاجة اليها من اجل تسيير الاجهزة والمؤسسات الجديدة. فقد مارست الدولة سياسات التدخل الكثيف في شؤون الاقتصاد والتعليم والصحة. وروجت الدولة لأيديولوجية سلطوية شمولية ينتفي معها التعدد الفكري والاجتماعي والسياسي والحزبي وكان تغيير النخب الحاكمة يأتي فقط من خلال الانقلابات العسكرية. ولما كان المجتمع اليمني مجتمعا مركبا يتصف بتعدد البني القبلية والعصبوية التي تناقض نظام الدولة وضوابطها فان ذلك يستلزم ضرورة بناء الدولة الحديثة (دولة تعبر عن كل فئات المجتمع، تتسع فيها قاعدة التمثيل السياسي، ومن ثم عدم احتكارالسلطة) وذلك يتطلب ان تتحول الولاءات القبلية الي ولاءات وطنية عامة نحو الدولة المركزية التي يجب ان تشكل الاطار المرجعي والرمزي لكل مواطن، بمعني آخر يمكن القول يجب علي الدولة ان تعمل علي مركزة الولاء العام وطنيا وان تعقلن أداءها ونشاطها الانمائي. فالمبدأ الاساسي الذي تقوم عليه الدولة الحديثة هو المواطنة المدنية المتساوية، ووفقا لهذا المبدأ تؤسس اهم مقومات واركان الدولة الحديثة. والدولة اليمنية في سعيها الي التحديث والتنمية ـ كانت ولا تزال ـ تعتمد آليات تقليدية بل وتعيد انتاج البني والثقافة التقليدية وهي في ذلك تزاحم عمليات التحديث او تشوهها. هنا تبرز اهم معوقات بناء الدولة اليمنية الحديثة واهم اشكالات الاندماج الاجتماعي، فالاحتكار العصبوي للسلطة والثروة تكمن دلالاته في التعبير عن غياب دولة العموم التي تسمح بتداول المواقع والمراتب والمنافع بشكل قانوني، هنا يغيب التوازن الاجتماعي ويضعف الاندماج الوطني. وهذا الاخير يصبح مشكلة اجتماعية وسياسية في آن واحد تبرز بوضوح عندما يصبح للتمايز الاجتماعي والعصبوي وجود سياسي واقتصادي مميز. فالتمايزالسياسي يصبح وسيلة لتحقيق المصالح الاقتصادية والاجتماعية للبعض ضد مصالح البعض الاخر او علي حسابها او بالانتقاص منها. وهذا الاخير ينعكس في سلوك الدولة اليمنية الراهنة حيث تتدخل بشكل مباشر وغير مباشر في المسار الاقتصادي بهدف اعادة تشكيل علاقات القوة والضبط الاجتماعي السياسي وخلق توازنات بين الجماعات التجارية والاقتصادية الناشئة وفقا لاصولها الاجتماعية والمذهبية. اضافة الي ذلك فان عدم تكافؤ الفرص واستمرار الرشوة والفساد وبالتالي انسداد فرص العمل وزيادة معدلات العاطلين والفقراء وتزايد حجم الحرمان البشري لغالبية افراد المجتمع، يتولد عنه تزايد الوعي تدريجيا بعدم المواطنة المتساوية وضعف الاندماج الاجتماعي وصولا الي الاحساس بالاغتراب عن النظام السياسي (عن الدولة) حيث يحس الافراد والجماعات بان النظام السياسي الحاكم يعمل ضد مصالحهم ومن ثم فهو لا يمثلهم ولا يعبر عن اهدافهم. ان ضعف التنمية في اليمن سبب رئيسي في جمود البناء الاجتماعي وضعف الحراك الاجتماعي الصاعد. في هذا السياق تبرز اشكالات مجتمعية تولد ازمات متعددة وتتفاقم خطورتها عندما تعجز طبقة اجتماعية واسعة او عدد كبير من افراد المجتمع عن تحقيق مواطنيتها. ولما كانت مؤسسات المجتمع المدني تتسم بالضعف الشديد هنا يرغب الافراد في اعادة احياء وتفعيل المؤسسات التقليدية من اجل دعم مصالحهم وطموحاتهم. الجدير بالذكر ان تزايد اندماج اليمن في السوق العالمية في اطار حركة العولمة واعتمادها علي الريع النفطي ساعد النخبة الحاكمة علي التحكم بالبني الاجتماعية التقليدية وضبط تمرداتها نسبيا. فالدولة خلال اكثرمن ثلاثة عقود لم تتمكن من تجميع ومركزة انتماءات وولاءات االقبائل وضبط ممارساتها الخارجة علي القانون في حين تمكنت من ضبط علاقات وممارسات المؤسسات المدنية الحديثة (احزاب، نقابات…). في هذا السياق يمكن القول ان تعميق الاندماج الاجتماعي والوطني يتطلب علي الصعيد السياسي آلية تقوم بتسوية التناقضات الاجتماعية والاقتصادية الناتجة عن غياب عملية تكافؤ الفرص وعن التمييز وعدم المساواة، وتحقيق نوع من الاجتماع السياسي ومركزة الولاء الوطني وتحقيق مطابقة بين الانتماء الوطني والشعور بالهوية المشتركة وفرص المشاركة في بناء وتطوير الشأن العام. فالمشاركة في العمليات السياسية/الانمائية تعمل علي تعميق الاندماج الاجتماعي والوطني من خلال تفعيل دور كل مواطن في المجال العام. هنا تبرز أهمية الديمقراطية في بناء الدولة الوطنية الحديثة، ذلك ان سلطة الدولة تكون ذات مضمون وطني عندما تتجاوز الانتماءات العصبوية وتخلق صيغة جديدة لتوزيع السلطة والثروة (خلق فرص للتعايش السلمي داخل المجتمع) فالدولة تعتبر العامل الذي يحقق تماسك التكوين الاجتماعي (الدولة محور لتكامل العناصر التي يتألف منها النظام الاجتماعي) فالعمل السياسي اما ان يؤدي الي المحافظة علي وحدة التكوين الاجتماعي في مرحلة معينة وتجميده او ان يؤدي الي تحويله وتغييره اي خلق حركية الصعود والهبوط في مختلف هياكله وابنيته.7

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية