موريتانيا: غلق باب الترشيحات للانتخابات النيابية وكتّاب يشنون اعنف حملة علي العقيد ولد فال منذ استيلائه علي الحكم

حجم الخط
0

العلاقات مع اسرائيل والانحياز للمرشحين غير المتحزبين تزرع الشقاق

نواكشوط ـ “القدس العربي” من عبد الله السيد:

سلمت وزارة الداخلية الموريتانية أمس الأربعاء تزكيات لـ440 قائمة مرشحة للانتخابات النيابية المقرر تنظيمها يوم التاسع عشر تشرين الثاني/نوفمبر المقبل.

وجاء في بيان رسمي ان من بين الـ440 قائمة مزكاة، هناك 260 قائمة تابعة لتشكيلات حزبية و32 قائمة لائتلافات حزبية ومستقلة و124 قائمة لمستقلين. وتأتي هذه الخطوة بينما تشهد الساحة السياسية الموريتانية اضطرابا سببه دعم السلطات الانتقالية لترشيحات مستقلة مما أثار شكوك الأوساط السياسية في نوايا المجلس العسكري الحاكم.

كما تأتي بعد أيام من تأسيس (يقال انه تم بايعاز من السلطة) لتجمع المستقلين يسود الاعتقاد هنا بأنه خطوة خطاها المجلس العسكري نحو انشاء حزب سياسي وريث له يكون نواة لحزب السلطة القادمة. ويأتي التجمع الجديد في خضم جدل سياسي محتدم بين الأحزاب والمجلس العسكري الحاكم، علي خلفية اتهامات متبادلة بين الطرفين. فالأحزاب السياسية اتهمت مرارا المجلس العسكري بالسعي الي تقليص دور المؤسسات الحزبية والايعاز لشخصيات قبلية قوية بالانسحاب من الأحزاب والترشح ضمن لوائح مستقلة.

ورغم ان المجلس العسكري لم ينف حصول اتصالات بين قيادته وشخصيات مستقلة، الا انه برر ذلك باستجابته لطلب تقدمت به تلك الرموز للقاء رئيس المجلس العسكري العقيد علي ولد محمد فال ولم يكن برغبة من هذا الأخير.

ومن المنتظر أن يثير الاعلان عن ميلاد التجمع الجديد للمستقلين زوبعة سياسية، خصوصا بعد ما ظهر أن أغلب مؤسسيه وقادته هم من رموز وأعضاء النظام السابق، الأمر الذي رأي فيه الكثيرون بداية اعادة لمشهد مماثل للمشهد السياسي الذي كان قائما في عهد الرئيس ولد الطايع.

وتحدث هذه التطورات متوازية مع حملة يشنها الكتاب الموريتانيون علي نظام الرئيس الموريتاني الانتقالي علي ولد محمد فال بعد أن اتضح، حسب الكتاب، وهم من آفاق سياسية متنوعة أن نظامه ماض في تخليه عن الحياد ودعمه لتجمع المستقلين الذي سيتمخض عن حزب السلطة المهيأ ليحكم موريتانيا بعد الاستحقاقات النيابية والبلدية والرئاسية التي ستتابع ابتداء من شهر تشرين الثاني/نوفمبر المقبل. وازدادت الحملة ضراوة بعد أن دافع الرئيس ولد فال في مقابلة مع قناة الجزيرة القطرية عن العلاقة مع اسرائيل واعتبر أن سلفه الرئيس المخلوع معاوية ولد الطايع كان محقا في اقامة هذه العلاقة معلنا بوضوح لو كنت مكانه لما ترددت لحظة في ربط هذه العلاقة. دفاعا عن التطبيعفتحت عنوان من يزرع الوهم يحصد العدم اعتبر الكاتب أحمدو ولد الوديعة أن مقولة هذا التغيير جاء لكي لا يكون تغييرا التي قالها رئيس فرع منظمة لجنة الأزمات الدولية في غرب افريقيا معلقا علي انقلاب الثالث من اب/أغسطس، ضمن مقابلة مع اذاعة فرنسا الدولية، تشكل تعبيرا مختصرا وتوقعا أثبت أنه الأصح ضمن عشرات التعليقات الحالمة التي انطلقت تبشر بأن موريتانيا دخلت التاريخ ولن تخرج منه وأن عسكر الثالث من اب/أغسطس سيكونون استثناء من عسكر موريتانيا والعالم وسينفذون وعودهم المغرية ويسلمون السلطة لمن يختاره الشعب.

وتحدث الكاتب الموريتاني بلهجة مريرة عن اجهاض الاجماع الذي تلا الأيام التشاورية التي نظمها المجلس العسكري الحاكم بعد قلبه نظام ولد الطايع فقال قبل الكثيرون بترسيخ مفهوم مسموم اسمه الاجماع الوطني ورضوا للعسكر أن يضفوه علي كل فكرة تنبثق عنها أحدي بنات أو أبناء أفكارهم، فبات استمرار التطبيع اجماعا وطنيا كما زعم رئيس المجلس العسكري يوما لصحيفة الأهرام المصرية، وطي صفحة الماضي والعفو عن أكلة المال العام والخائضين في الدم العام اجماعا وطنيا وترك مواطنين موريتانيين مشردين من وطنهم اجماعا وطنيا وسلب حرية شريحة كبيرة من المواطنين اجماعا وطنيا، وارتهان مواطنين في السجن دون محاكمة اجماع وطنيا، وحرمان مجموعة سياسية كبيرة من حقها السياسي اجماعا وطنيا الي غير ذلك من الأفكار الاجماعية التي تتفتق عنها عبقرية الرئيس بين الفينة والأخري والتي كان آخرها اجماعه الأخير علي أن تصريحات البابا اسيء فهمها في تكرار مستفز لتصريحات كبار كردنالات الفاتيكان.

وخلص الكاتب أحمدو ولد الوديعة الي أنه علي النخب السياسية الموريتانية أن تتحمل مسؤولياتها في حصاد أوهامها التي زرعت علي مدار أكثر من عام من حكم المجلس العسكري، ومراجعة سريعة تضع فيها حدا لتجارة الأوهام، وتتبني استراتيجية ناجعة لمواجهة سلطة منحرفة سائرة الي الدكتاتورية بسرعة البرق، وتقول لمن سيراهنون علي انتظار نتائج الاستحقاقات القادمة، من فضلكم لا ترموا بوهمكم الأخير في الأرض قبل أن تروا نتائج تزكيات وزارة الداخلية، و صناديق لجنة العسكر المستقلة للانتخابات.

حصاد الوهموضمن الحملة الحالية التي أصبحت الموضوع اليومي الأساس للصحف الموريتانية، أكد الأستاذ أحمد أبو المعالي في مقال بجريدة الاصلاح تحت عنوان العقيد الخلف وسيرة العقيد السلف أن الأيام الحالية تذكره أيام العقيد السابق معاوية حيث كانت الأزمة السياسية والاقتصادية تراوح مكانها ردحا من الزمن رغم خطورتها وتجاوزها للخطوط الحمراء المتفق عليها، ورغم ما تثيره من لغط سياسي وجدل اعلامي، لأن العقيد السلف، باختصار، كان لا يريد رأي اي أحد في سياسة مملكته الصغيرة مملكة العقل الواحد.

ويتحدث أحمد أبو المعالي عن الأزمة الحالية فيقول أزمة المجلس العسكري مع السياسيين ما تزال دون تقدم يذكر وما زالت الأحزاب السياسية تئن و تعاني من الطلقات النارية التي أطلقها عليها رئيس المجلس العسكري دون سابق انذار.

وفي نبرة ساخرة يضيف أبو المعالي قد يستشف أحدهم من هذه الأحداث المتلاحقة القلقة أن سياسات العقيد السلف قد فرخت وباضت في القصر الرمادي وامتلأت منها ردهاته وجنباته واستهوت العقيد الخلف، وفضلها علي التزام الشفافية والحياد الذي يلهج به حتي الآن.. لكن الأحداث والوقائع تثبت خلاف ذلك. وكانت الافتتاحية الأكثر حدة في هذه الحملة هي افتتاحية يومية السراج بعنوان لماذا جئتم وأين تذهبون؟ والتي خصصتها للتعليق علي تصريحات الرئيس فال لقناة الجزيرة ودفاعه عن العلاقة مع اسرائيل.

بدأت يومية السراج افتتاحيتها قائلة حين تابعنا زيارة سامي كليب الخاصة لرئيس المجلس العسكري التي بثت علي قناة الجزيرة في عطلة الأسبوع وجدنا أنفسنا في مواجهة سؤالين بسيطين ولكنهما صعبين أولهما: تري لماذا انقلب العقيد اعل ورفاقه علي ولد الطايع ما دام أنهم لا ينقمون عليه أي شيء؟ وثانيهما: الي أي حد تراهم جادون فيما كانوا يكررون صباح مساء من أنهم سيتركون السلطة في نهاية المرحلة الانتقالية، ويسلمونها لمن يختــاره الشعب؟. وتابعت السراج قائلة رغم كل الهالة التي حاول الصحافي اللبناني أن يحيط بها مزوره الخاص فقد كان مثيرا – ان لم نقل مستفزا ـ أن الرجل كان مصرا علي الدفاع بحماس عن كبريات خطايا سلفه العقيد ولد الطايع، وهو ما ظهر جليا في دفاعه المستميت عن أحمق خطوة قام بها الرجل ألا وهي التطبيع مع الكيان الصهيوني حيث قال انه لو كان رئيسا حينها لاتخذ نفس الخطوة التي حاول ـ عبثا ـ أن يجد لها تبريرا في مقولة رضينا بما رضي به الفلسطينيون ومنظمتهم التي تعتبر ممثلهم الشرعي الي آخر الأغنية الممجوجة، متجاهلا أن الفلسطينيين هؤلاء هم من صوت قبل أشهر وبأغلبية تقارب الثلاثين لبرنامج سياسي شديد الوضوح في رفض اوسلو وأخواتها، ذاك هو برنامج حماس الذي تدفع أمريكا اليوم عشرات ملايين الدولارات للمرتبطين بها من حركة فتح من أجل افشاله، ولن يكونوا علي ذلك من القادرين.

وأضافت السراج وحين حاول الصحافي المؤدب جدا أن ينبه الرئيس ولد محمد فال الي أن ما تحرر من الأرض العربية حتي الآن انما تحرر عن طريق المقاومة كما هو الحال في جنوب لبنان وغزة، وقع العقيد في حالة من الارتباك جعلته يتلمس فروقا بين تفريعات النزاع مع الصهاينة. ولما لم يوفق في ذلك عاد مرة أخري للتمترس خلف موقف المنظمة وما تقوله المنظمة وما تراه المنظمة. وحتي حين حاول سامي كليب أن ينتزع منه موقفا عاطفيا بدعم المقاومة من خلال فرحه بما حققته من انتصارات لم ينجح في ذلك فاكتفي ولد محمد فال بالقول انه مسرور بأي شبر يتحرر من الأراضي العربية بغض النظر عن وسيلة تحريره مقاومة كانت أم مفاوضات. لا سوار الذهب في موريتانياوتساءلت السراج في الأخير قائلة: هل سيترك هؤلاء العسكر السلطة كما ظلوا يؤكدون أم أنهم فيها باقون بهذه أم بتلك؟ ثم أجابت أن كل ما سبق لا يدفع للحماس كثيرا بأن نموذج آمدو توماني توري وسوار الذهب في طريقه للتحقق في موريتانيا. وفي تحليل بعنوان المشروع السياسي للمجلس العسكري.. الحقيقة والمعلن، قال الكاتب ابراهيم ولد اتليميدي لا شك في أن انقلاب الثالث من اب/أغسطس جاء في الوقت المناسب، وصحيح أن مقاربته للوضع الموريتاني كما تجلت في البيان رقم واحد، كانت موفقة الي حد بعيد، ولكن مابدأ يتجلي ويتضح أيضا هو أن كل ذلك كان مجرد كلام معسول ودغدغة لمشاعر شعب مكلوم قد ضرجته أيادي الاستبداد الطائعـــي اللعين. وأما الحل، فيري الكاتب، أنه لا يمكن الا بدخول كل القوي الحية في المجتمع في حلف فضول وطني يعمل جاهدا وبكل الوسائل علي الضغط علي العساكر فضلا عن العمل علي فضح ألاعيبهم أمام العالم الخارجي.

وكان المقال الذي نشرته صحيفة الاصلاح للكاتب أبو خالد بعنوان ابن خلدون والمجلس العسكري اضافة هامة للحملة التي يشنها الكتاب وأوساط الصحافة المستقلة علي النظام الموريتاني. ويتساءل الكاتب في لهجة مباشرة أي منطق يقبل أن يتحول شخص (يقصد الرئيس ولد فال) كمدير أمن الرئيس السابق معاوية واحدي أهم ركائز نظامه طوال العشرينية السوداء الماضية بين عشية وضحاها الي صالح مصلح يسعـــي لتأسيس نظام سياسي عادل شفاف وديمقراطي؟.

وتابع أبو خالد قائلا واذا ما سلمنا مع البعض جدلا أن المهم هو الاصلاح، ولو جاء من غير صالح، ألم يكن علي النخبة السياسية، بدل التصفيق والتلميع والدعم غير المشروط للعسكريين، أن تكون قد أخذت الاحتياط ووضعت آليات عملية مدروسة للضغط الفعال علي العسكريين اذا تراجعوا عن وعودهم كما كان متوقعا وكما حدث بالفعل، بدل المساهمة في تمرير مشروعهم الذي لن يختلف عن سابقه الا في الشكل وفي الاخراج. ومضي متسائلا هل كتب علينا أن نظل ضحايا لعسكريين متسلطين فاسدين ولنخبة سياسية مغفلة وعاجزة الي الأبد؟.

تحالفات العسكرأما النخبة السياسية التي سيعتمد عليها العسكريون الموريتانيون في مشروعهم الحالي، فيري الكاتب أنها ستتشكل أساسا من زعماء القبائل والجهات مع ما يعنيه ذلك من احياء للأطر القبلية والجهوية، اضافة الي مجموعات من أصحاب المصالح من رجال الأعمال والنفعيين من الأطر السابقين المتخرجين من مدرسة ولد الطائع لتكوين وتوظيف أصحاب الضمائر الميتة والأيادي المصفقة وسيكون ذلك علي حساب التيارات والنخب السياسية التقليدية التي أثبتت غباءها وعجزها كما أثبتت عشقها للسلطة حين توهمت في لحظة من لحظات اللعبة أنها اقتربت من الوصول الي السلطة فتراجعت عن مبادئها وكشفت عن أنانيتها وفرطت في نصاعتها وأحتضنت رموز الفساد ووقعت للعسكريين علي بياض وتحولت أهدافها من بناء ديمقراطية حقيقية وراسخة الي تسابق مكشوف الي السلطة.

وتساءل الكاتب فهل ستكتمل المسرحية ويكتب علينا من جديد أن ننتظر عشرين سنة أخري لنستمع الي البيان الأول للمجموعة العسكرية القادمة سواء كانت لجنة أو مجلسا ولنري هل كانت العشرين سنة كافية لنخبتنا السياسية لتقـــــرأ مقدمة ابن خلدون ولتستوعب حقائق العمران؟.

وتعكس هذه المقالات وغيرها من الأعمدة والزوايا والرسوم الساخرة، الحالة السياسية المتأزمة التي تعيشها موريتانيا الآن مع اقتراب أولي استحقاقاتها السياسية المتمثلة في الانتخابات النيابية والبلدية المقررة يوم التاسع عشر تشرين الثاني/نوفمبر المقبل.

ويتساءل الجميع الآن عن مستقبل البرنامج السياسي لموريتانيا الذي خرج قطاره عن السكة مرارا وقد لا يعود اذا هو خرج بعد اليوم حيث لن تجدي التقويمات والمصالحات والتهدئات بعد.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية