اصلاح ضد الاصلاح!
بشير زعبيةاصلاح ضد الاصلاح!لا أعتقد أن أحدا مولع أكثر من النخبة العربية بتلقف ما ينتجه الآ خر من مصطلحات واستخدام هذه المصطلحات في سياق تلاعبات لغوية ومعارك صوتية لن تؤدي في الغالب الا الي تسطيح المصطلح وتجريده من مضمونه الحقيقي وقتله أحيانا في سياق المنتوج الصوتي اللغوي الذي نجيد صناعته مشكلا في تراكمه الظاهرة الصوتية التي ربما قصدها الكاتب السعودي المرحوم (عبدالله القصيمي) .. بينما نري كيف يتجسد المصطلح عند الآخر ويتحول الي فعل علي الأرض يؤسس وينمو ويتراكم وينتج التغيير وقد يكون هذا التغيير كبيرا وتاريخيا .. لنستحضر علي سبيل المثال مصطلحي (البيروسترويكا) و(الغلاسنوست) اللذين أطلقهما ميخائيل غورباتشوف وكيف أصبحا عنوانا رئيسيا للتغير المذهل والسريع الذي أطاح بما كان يعرف بالاتحاد السوفييتي منهيا قرابة السبعين سنة من الحكم الشيوعي والذي جر بدوره العالم الي تغيرات جيوسياسية واقتصادية وحتي اجتماعية لا زلنا نعيش تداعياتها حتي اللحظة.. وأنظر كيف رأينا مصطلح (النظام العالمي الجديد) مذ أطلقه صاحبه كيف تحول الي أساطيل وطائرات ودبابات وجيوش تتحرك وتضرب ودول تُحتل وأخري تحت طائلة التهديد وضغط رهيب يدفع أحد الرؤساء العرب الي دعوة القوم كي يحلقوا رؤوسهم قبل أن يحلقها لهم الآخرون وشاهدناه بالفعل في كرنفال انتخابي كبير وكأنه يقول للجميع ها أنا أبدأ بحلق رأسي!.آخر هذه المصطلحات التي أريد التوقف عندها هو (الاصلاح) .. لا أعتقد أن صحيفة أو اذاعة أو أي وسيلة اعلام عربية أخري خلت مؤخرا من خبر أو تعليق أو تحليل أو برنامج حواري تكررت فيه كلمة (اصلاح) .. وقد كتب لي أن أكون موجودا في عاصمة دولة عربية كبيرة عند ولادة هذا المصطلح وشيوع استخدامه بين النخبة وما تحت النخبة بقليل ..ولأن هذه الدولة تعيش حالة فوران سياسي واسعة فلا تمر ساعة الا وتسمع من يتحدث عن الاصلاح .. الجالسون علي كراسي الحكومة يعدون به قولا والمتربصون في صفوف المعارضة يريدونه فعلا.. والطريف أن الحكم أحيانا هو الذي يطالب المعارضة بالاصلاح بمعني أن أحزاب المعارضة لا بد أن تصلح من نفسها وتعيد ترتيب نفسها لتكون أهلا للمنافسة والطريف أيضا أن أحد أقطــــاب تلك المعــــــارضة عندما قرر اصلاح حزبه العريق اختار مسلك القمع والبلطجة فأشعل النار في مقر الحزب وأطلق النار علي بعض أعضائه وهو الذي ما فتيء يأخذ علي الحكومة انتهاجها أسلوب القمع والبلطجة ضد معارضيها.. ويستمر التراشق بـ (الاصلاح) وسط (همروجة) اعلامية لا تخدم في الحقيقة الاصلاح بل تجرّده اذ تحوله من (مشروع) للتغيير الي (شعار) للمزايدة تحمله المعارضة كما تحمله السلطة والمستقلون من النخبة أيضا فتتداخل المفاهيم وتنقلب وتصبح الطروحات الاصلاحية في هكذا فهم ومناخ اصلاحا ضد الاصلاح .. والا كيف يصبح المستهدف بالاصلاح أحيانا هو الذي يدعو الي الاصلاح؟ وكيف يكون مفهوم الاصلاح في خطاب النخبة هو فقط تبديل الكراسي دون الحديث عن الاصلاح كمنظومة متكاملة ومتلازمة يجب أن تكون هذه النخبة نفسها وخطابها أيضا في صلبها؟ الاصلاح (المشروع) يطال السياسي والاقتصادي وينعكس بالضرورة علي الاجتماعي ويغيره بما في ذلك العملية التربوية برمتها .. بغير ذلك لا أعتقد أن مصطلح (الاصلاح) سينجو من المصير الذي آلت اليه مصطلحات كثيرة سبقته وأودي بها خطاب النخبة العربية في النهاية الي رصيد العجز والبؤس المتراكم منذ أكثر من نصف قرن ومن ثم الي مزيد الاحباط ومزيد التخلف.كاتب ليبي0