مبارك حسني
جنب البحر وحيدا يقبع القبر أعلي بناء شاهق من الصخر المسنن القديم. وحده فوق تبدو شاهدتاه، الصغيرة والكبيرة، مستطيلا، كأنما يراقب البحر القريب العاتي في الدنو والنأي معا، سواء بسواء.
هو مثل بناء عجب عجاب يتمدد فوق الصخرة العمودية منسلخا عن باقي الصخر الكثير الطاغي يمينا وشمالا وداخل البر الجبلي الملاصق.
يتمدد السؤال والدهشة التي تعقد ألسنة كل من قد يأتي به الركب الي المكان ويراه هناك وحيدا منتصبا بين زرقة السماء وزرقة البحر، علي ما يشبه جذعا شجريا عتيقا ويقول الواحد من هذا الكل: كيف تم دفن صاحب هذا القبر في هذا القبر؟ فلا يرد سوي هدير البحر الـــدائم مثل موسيقي فاكنرية نــــذرية قيامية، ولا يجيب غير اصطخاب الموج عاليا وهو يصطدم بالصلابة الصخرية فينفلت الماء مثل لهب بركاني يضرب كل ما يعترضها فتقفز الأفئــــــــدة من مكانها وتصيب الرهبة الأرواح والعيون، حتي لا تخال أن الطبيعة سوف تنهد خالقة عصرا جيولوجيا جديدا.
جنب البحر.
يكمن القبر، يظل مكانه، ثابتا، صامدا، لا يتزحزح ولا ينفلق. يحضن القبر صاحبه، عظام صاحبه من التلف، من الصوت ومن العدم.. فلا يزداد السؤال الا كبرا والدهشة الا غرابة، وهي تري الموج يزمجر ولا يمس القبر كما لو كان يمر من فوق ويداعبه فقط… وهو الذي نحت كل الصخر حواليه حتي عزله!! كيف؟ أهو الموت؟
يمر علي صفحة القبر، يغطيه كأنما ليمسد عليه أو يداعبه ويمرر عليه أنامل الرحمة، وينسحب مطأطأ الرأس، خاشعا، وقد ترك بعضا منه فيه، تخطيطات منكسرة وتلاوين ودوائر ورسوم.. تتكاثر وتتسع مرة تلو المرة.
جنب البحريقع هذا كل ليلة. سواء كانت القمرة نيرة تلون الوجود بردائها اللامع أو كان الظلام شاملا يسود الكل كأنما لا شيء في العالم سواه.. لون فقط. ولما يذهب الليل تاركا للدنيا حصة النهار اللازمة يكون القبر بالبياض والهيئة اللذين له أول ما يطالع النظر، نظر القادم اليه ليراه. والقادم هذا قد يكون امرأة عازبة تتغيا ادراك قطار الزواج الراحل عنها. وزوجة مسكونة بهواجس الرجل المنفلت الرغبة الزائغ النظرات تجاه ما حرم الله. تأتي مهرولة وقد حزمت علي وسطها رزمة ملابس وبعض خبز والكثير من الأعشاب وفي فمها ترديد لا يكل لأدعية كثيرة. وقد تكون عجوزا خانها الزمن وحرمها لذة عيش حتي اندحرت ركبتاها.
تأتي أحيانا علي أربع أقدام تحبو، وأحيانا أخري علي ثلاث أرجل وفي مرات أخري مجرورة فقط، وبين أسنانها القليلة بعض كلام غير مفهوم فيه الشتم والسب للزمن الغدار.
نساء فقط يأتين يقفن علي أقرب نقطة منه في الجهة الأخري. يقفن ينتظرن مقدم الموجة العليا التي قد تمر من فوق القبر يأخذن حصة من الرذاذ والموج الذي عمده القبر المعزول فيضرب أسافلهن المتهالكة العارية كي تتعمد بالماء الوحيد وتصير للأسافل هاته قوة جذب لا تقاوم وتصير برائحة المثيرات ويتخلصن من الموت القريب، قوة للرغبة في جلودهن المكرمشة. من الموت يأملن العودة الي حياة مفتقدة اذن. واذن من يكون القبر؟ وكيف يكون صاحبه؟ القبر الذي فيما بين السماء والأرض وفيما الجبل والبحر، ممددا كأنه تابوت لا يأتيه الهلاك بعد أن استقبل صاحبه ذات زمن قديم. هناك في نهاية الطبيعة وبدايتها.
ہہہجنب البحرلا غرابةذات يوم حل رجال شقر محملون بالحبال والفؤوس الصغيرة والأحزمة والألبسة البلاستيك وتسلقوا الصخر العمودي حيث يتمدد القبر. الوقت صباح صيفي باكر والموج يتهدهد ببطء. ووقفوا ينظرون وهم معلقون بالحبال الغليظة. وتأملوا التلاوين والانكسارات المرسومة.
وقرؤوا بلغة تيفيناغ: غيد ايلآ القبر نو أمدياز أقديم الي ايفلن الدونيت ايعامين ليغ تيتغدر تسمونتنس.(هنا قبر الشاعر الذي طلق دنيا العوام بعد أن غدره زمن الرفيقة وابتلي بالشعر). كاتب من المغرب