سامي مهدي
بمصادفة سارة عثرت علي كتاب (إبراهيم شكر الله – الأعمال الكاملة) ہہ الذي أعده وقدم له الأستاذ عبد العزيز موافي ونشره المجلس الأعلي للثقافة في مصر عام 2003. فقد لفت الشاعر شكر الله نظري منذ أول قصيدة قرأتها له عام 1957 وأنا، يومئذ، ما أزال طالبا في الثانوية، وظل اسمه عالقاً بذاكرتي برغم أنني لم أقرأ له، أيامها، سوي ثلاث قصائد نشرتها له مجلة شعر اللبنانية حتي أنني كتبت عنه عدة أسطر بعد نحو ثلاثة عقود في كتابي (أفق الحداثة وحداثة النمط) الصادر عن دار الشؤون الثقافية العامة في بغداد عام 1988 (ص25). ذلك أن هذه القصائد قد نمّت يومئذ عن صوت شعري جديد من شعراء الحداثة، صوت مختلف وقوي، لا تنقص من قيمته وأهمية وعوده تأثيرات ت. إس. إليوت المباشرة عليه، وهذا ما لفت نظري إليه في تلك السن المبكرة.
أخذت الكتاب بلهفة وكأني أبحث عن شيء ضائع مني. ربما هو الحنين إلي عهد فات أو الرغبة في معرفة مآل هذا الشاعر وإنتاجه الشعري. فحتي حصولي علي هذا الكتاب لم أكن أعرف عنه سوي القليل: اسمه، و قصائده الثلاث، وقصيدة أخري اطلعت عليها في ما بعد في عدد من أعداد مجلة الأديب اللبنانية، وبعض النتف الإخبارية التي نشرتها عنه مجلة شعر نفسها، ولم أتوصل إلي أكثر من ذلك، برغم متابعاتي واستقصاءاتي وسؤالي عنه بعض أصدقائي من شعراء مصر وأدبائها. ولا غرابة، فهو لم ينشر سوي تلك القصائد، وقسم من مسرحية ت. إس. إليوت مقتلة في الكاتدرائية قام بترجمته ونشره في المجلة نفسها، ودراسة عن مصارع العشاق نشرها في مجلة لبنانية أخري هي مجلة أدب.
وقد علمت الآن، من الكتاب الذي أعده الأستاذ موافي، أن شكر الله نشر مسرحية شعرية من فصل واحد عنوانها رحلة السندباد الأخيرة في جريدة العرب ولكن مكان صدور هذه الجريدة، وتأريخ نشر المسرحية ظلا مجهولين عندي، لأن معدّ الكتاب لم يتوصل إلي معرفتهما في ما يبدو.
كما علمت، من الكتاب نفسه، أن شكر الله نشر في لندن كتاباً بالإنكليزية تضمن مختارات من الشعر العربي قام هو نفسه باختيارها وترجمتها، وعنوان الكتاب صور من العالم العربي، ولكن الأستاذ موافي لم يذكر اسم ناشر الكتاب ولا تاريخ النشر، ويبدو أنه عرف به ولم يحظ بنسخة منه ليعطينا مثل هذه التفاصيل. ويبدو أيضا أن الأستاذ موافي لم يطلع علي أعداد مجلتي الأديب و شعر اللتين نشرتا نصوص شكر الله الأربعة، ولا أعداد مجلة شعر التي تضمنت نتفاً إخبارية عنه، ولذا فاته توثيق نشر تلك النصوص، كما فاته أن يعرف أن شكر الله ترجم مسرحية ت. إس. إليوت مقتلة في الكاتدرائية و نشر القسم الأول منها في العدد الخامس من مجلة شعر الصادر شتاء 1958، وأن إدارة المجلة نشرت في ما بعد ترجمة المسرحية الكاملة في كتاب ضم مختارات أخري من شعر إليوت. (راجع خبر ذلك في: شعر/ العدد التاسع /شتاء1959/ ص 131 ـ 132). كذلك فات الأستاذ موافي أن يعرف أن شكر الله حاول كتابة القصة القصيرة، ولذلك لم يبحث عن قصصه في أوراقه، ولم يشر إليها في ما كتب عنه أية إشارة. فقد نقلت مجلة شعر سطوراً من رسالة كتبها شكر الله إليها وقال فيها.. لم أكتب في الشهور الأخيرة شعراً أو نقداً، ولكن كتبت قصصاً قصيرة ومقالاً طويلاً في مصارع العشاق.. الخ.. (شعر/العدد الرابع/خريف 1957 /ص121). تري أخاب أمله في القصص التي كتبها فأهملها ولم يحتفظ بمسوداتها مع أوراقه؟ ربما.
ثمة سؤال آخر تثيره سطور شكر الله هذه هو: أكان يكتب النقد حقاً؟ وماذا كتب منه؟ وهل نشر بعضه؟ وأين؟ أم أن قوله لم أكتب في الشهور الأخيرة شعراً أو نقداً كان مجرد استطراد عابر؟
إنني لم أعثر لشكر الله علي أية مقالة نقدية، ولكنني تذكرت دراسة له شاملة وعميقة عن الرومانسية عنوانها الحركة الرومانسية في الأدب والحياة، وهي في خلاصتها النهائية دفاع عن الرومانسية ودعوة إلي استمرارها، في وقت كان فيه الأدب الرومانسي يلفظ أنفاسه الأخيرة في الوطن العربي، و تتصاعد الدعوة إلي كتابة أدب واقعي جديد ينحاز إلي الشعب ويتبني قضاياه. (راجع هذه الدراسة في: الآداب/العدد الرابع- السنة الثانية نيسان ـ أبريل 1954). وفي أية حال، لم يتضمن الكتاب الذي أعده الأستاذ موافي من أعمال شكر الله سوي: مجموعته الشعرية، ومسرحيته رحلة السندباد الأخيرة، ودراسته عن مصارع العشاق. و ضم المعدّ إليها من تأليفه: ما سمّاه بطاقة تتضمن معلومات عامة موجزة تلخص سيرة الشاعر، ودراسة عن المؤثرات الغربية والإسلامية عليه، وأخري عن مفاهيمه الشعرية، وثالثة عن رؤيته الصوفية. وبذلك بلغ مجموع صفحات الكتاب (270) صفحة.
ويتضح من كل ذلك أن شكر الله لم ينشر في مصر أي شيء من نتاجه الشعري والأدبي حتي عام 1982 عندما نشر مجموعته الشعرية الوحيدة مواقف العشق والهوان وطيور البحر، ولذلك ظل مغموراً حتي في بلاده، ولمّا التفت موافي إليه وجده مريضاً غير قادر علي النطق. والواقع إن شكر الله كان موسمياً في كتابة الشعر، ومقلاً، بل أكثر من مقلّ، في نشره. وهذا ما تنبئنا به تواريخ كتابة قصائده وحصيلة منشوراته. وإذا كان قد ذكر في المقدمة التي كتبها لمجموعته أنه حاول معالجة الشعر منذ نهاية الأربعينيات، فمن الظاهر أنه لم يقتنع بمحاولاته الأولي، ولذلك أهملها ولم ينشر شيئاً منها. ومن يراجع تواريخ كتابة قصائده يجد أن أقدمها هي قصيدة موقف المعصية التي نشرت في مجلة الأديب اللبنانية في كانون الأول (ديسمبر) عام 1954 ولم ينشرها في مجموعته، ثم قصائده الثلاث التي نشرها في مجلة شعر وقد كتبت عام 1956. وتلي هذه القصائد في القدم قصيدة سان باولي المكتوبة عام 1960، ثم قصيدة غزلية حسن مفتاح المكتوبة عام 1961، ثم قصيدة في الذكري الأولي لوفاة أبيه المكتوبة عام 1962، فقصيدة كلكتا المكتوبة عام 1975، وقصيدة موعظة علي الجبل المكتوبة عام 1979. غير أنه كتب عام 1980 أربع قصائد، وكتب عام 1981 خمس عشرة قصيدة، وكانت هذه خاتمة ما كتب من شعر في ما يبدو، إذ لا توجد في مجموعته قصيدة تحمل تأريخاً يأتي بعد هذا التاريخ، ولم يعثر معدّ الكتاب، كما هو واضح، علي قصائد أخري في الأوراق التي وضعت بين يديه، وإلا لكان ضمها إلي أعماله.
وهكذا يبلغ مجموع ما أنتجه هذا الشاعر (ثمانياً وعشرين) قصيدة فقط، تسع عشرة منها أنتجها في عامي 1980 و1981، بينما لم ينتج منذ عام 1956حتي عام 1980 سوي ثمان، وهذا قليل جداً من دون ريب.
أما علي صعيد النشر فهو لم ينشر سوي أربع قصائد، كما ذكرنا، هي: موقف المعصية وقد نشرت في عدد مجلة الأديب اللبنانية الصادر في كانون الأول عام 1954 و موقف اللذة و موقف الخوف و غزلية حسن مفتاح، وقد نشرت في أعداد مجلة شعر: الأول والثالث و الثامن عشر. وعدا ذلك لم ينشر في مجلة شعر سوي القسم الأول من ترجمته لمسرحية إليوت التي سبق ذكرها. وهذا يجعلنا نفترض أن الأستاذ موافي لم يكن دقيقاً حين ذكر أن شكر الله نشر في هذه المجلة أربع قصائد. (راجع الهامش 1 ص25 من الكتاب). لقد كان بإمكان شكر الله أن ينشر قصائد أخري لو أراد، فالمنابر في ستينيات القرن الماضي وسبعينياته كانت متوفرة، إن لم يكن في مصر فخارجها، ولكنه لم يفعل لسبب مجهول، وليس لنا من سبيل إلي معرفته غير التخمين والتأويل، وهذا ما لا نريد المغامرة فيه.
إذن لا عجب إذا ما ظل هذا الشاعر مجهولاً أو شبه مجهول. فنشر أربعة نصوص لا يكفي لانتشار شاعر وبيان أهميته وتثبيت مكانته، في حقبة كثر فيها الشعراء المبدعون وتوالت دواوينهم، حتي وإن كانت نصوصه الثلاثة ذات قيمة فنية متميزة. فكم من الشعراء من نشروا في بداياتهم نصوصاً متميزة، أو ديواناً متميزاً أو أكثر من ديوان، ثم طواهم النسيان حين انقطعوا عن النشر؟! فكيف والنصوص الثلاثة التي نشرها شكر الله كانت ما تزال نصوصاً تجريبية، وكان ما يزال يبحث فيها عن شخصيته الشعرية؟!
ولست أدري كم وفق الأستاذ موافي حين رأي أن شكر الله يمثل الذاكرة المضمرة داخل قصيدة النثر المصرية (ص17). ربما كان هذا ينطبق، بقدرما، علي الشعر السوريالي في مصر الذي كتب خلال الثلاثينيات والأربعينيات (شعر جورج حنين وكامل زهيري ومحمد منير وغيرهم) وليس علي شعر شكر الله. فمن الثابت أن شعره كان صوتاً خافتاً لا صدي له في حركة الشعر الحديث في مصر وتفاعلاتها و تحولاتها. وهذا مما أدي إلي إغفاله من قبل مؤرخي هذه الحركة ونقادها. و لقد قرأت مؤخراً مجموعة شهادات لمن اصطلح علي تسميتهم في مصر بمصطلح شعراء السبعينيات، ووجدت في كل شهادة أسماء شعراء عديدين أعجب بهم هؤلاء السبعينيون، أو هم تأثروا بشعرهم قليلاً أو كثيراً، ولكنني لم أجد أي واحد منهم يذكر شكر الله حتي مجرد ذكر، بمن فيهم من كتبوا قصيدة النثر. (راجع: شعبان يوسف / شعراء السبعينيات / المجلس الأعلي للثقافة/ القاهرة 2001). بل إن الأستاذ موافي نفسه يخبرنا بأن قصائد السبعينيات (في مصر) تأثرت بنتاجات جماعة شعر، خاصة النموذج الأدونيسي ولا يذكر لشكر الله أي أثر. (كتابه: قصيدة النثر من التأسيس إلي المرجعية/المجلس الأعلي للثقافة القاهرة 2004/ص140). وأغلب ظني أن السبعينيين في مصر لم يكونوا يعرفونه، ومن عرفه منهم لم يطلع علي شعره في حينه، وهم في ذلك معذورون. فقد اختار الرجل العزلة والصمت. فهو لم ينشر من شعره إلا القليل الذي ذكرناه، وحتي هذا نشره خارج مصر. وهو لم ينشر أي مقال، أو أي حديث، عن الشعر، لا في مصر ولا في خارجها، مع أنه عمل في الصحافة مدة طويلة. وبذلك لم يدخل شعره في أي حوار أو جدل مع حركة الشعر في مصر ولم يتمفصل معها، بل ظل معزولاً عنها وعن شعرائها حتي النهاية.
ولست أعرف أي صدي خلفه صدور مجموعته الشعرية في القاهرة عام 1982، ولكن يبدو أنها لم تثر أي صدي، أو أن صداها كان ضعيفاً جداً إلي حد غير مسموع. ولعل مما له دلالة في هذا المجال أن الأستاذ موافي نفسه لم يشر إليه بأية إشارة في كتابه قصيدة النثر، مع أن هذا الكتاب صدر عام 2004، أي بعد الكتاب الذي أعدّه عن أعمال الشاعر الكاملة بعام أو نحوه.
وإذا كان هذا هو حال شعر شكر الله مع الشعر في مصر، فإن حاله مع الشعر العربي عامة ليست بأفضل منها. فلم يكن له أي دور في تحولات الشعر العربي وجدلها الصاخب الواسع. بل هو لم يكن ذا دور مؤثر في حركة مجلة شعر نفسها. صحيح أن المجلة رحبت به، ونشرت بعض نتاجه القليل، ولكن دوره، المنظور منه في الأقل، لم يزد عن نشر هذا النتاج. ربما كان سيكون له دور لو أنه التزم بالوعد الذي وعد به المجلة وقام بكتابة رسائل من القاهرة عن الشعر ترغمه علي إعطاء آراء واطلاق أحكام، وتجره إلي الدخول في حوار أو جدل مع الشعراء والنقاد في مصر وخارجها، ولكنه آثر السلامة في ما يبدو، وتنصل من وعده للمجلة بهدوء. (راجع /شعر/ العدد الأول/ص109)والحق أننا ينبغي ألا ننتظر من شاعر لم يكتب منذ عام 1956 حتي عام 1980 سوي تسع قصائد، ولم ينشر من هذه القصائد سوي أربع، أن يكون له دور، أو صوت مؤثر، أو حتي مسموع، بين أجيال من الشعراء المبدعين الذين أنتجوا دواوين ودواوين، ونظّروا للشعر، وحضروا المؤتمرات والندوات والمهرجانات، وتحاوروا، وتنافسوا، واشتبك بعضهم ببعض، وواجهوا النقاد، فكان لكل ذلك أثر ليس في انتشارهم وشهرتهم حسب، بل كذلك في تطوير تجاربهم وتهذيبها والصعود بها علي سلم الإبداع، وهذا بعكس ما فعله صاحبنا شكر الله.
لذلك يبدو من المبالغة، بل من المجازفة، القول إن مجلة شعر استندت إلي قصائد شكر الله في تأصيل موقفها الشعري كما يذهب الأستاذ موافي في مقدمته للكتاب (ص17). فالواقع هو عكس ذلك. إن مجلة شعر هي التي قدمته للملأ واحتضنته وشجعته وهو بعد في أول عهده بالنشر، وهي التي ساعدته في تأصيل موقفه الشعري و بلورة مفاهيمه. وهذا ما تكشف عنه المقدمة التي كتبها لمجموعته بعد أكثر من عقدين. ولسنا هنا في معرض إجراء مقارنات تجرنا إلي الاستطراد والتطويل، ولكننا نكتفي بذكر مثال واحد هو موضوع الكتابة بلغة جديدة وتأثر شكر الله الواضح بآراء أدونيس حولها، أدونيس الذي كان أول من لفت نظر الشعراء إلي النفّري ولغته وحاول الإفادة منها، وجاء شكر الله ليعيد إنتاج ما قاله بشأنها. لا شك في أن عنوانات بعض قصائده المبكرة (مثل: موقف المعصية، موقف اللذة، موقف الخوف، موقف العشق) تنبئنا بأنه كان أسبق من أدونيس في التعرف علي النفّري ومواقفه ومخاطباته، ولكن هذه القصائد نفسها تكشف بأن تأثره الشعري بالنفّري كان حتي ذلك الحين سطحياً، وشكلياً، لم يتعدّ حدود اختيار هذه العنوانات، ولم يتجاوزه إلي جوهر اللغة وطبيعة تراكيبها وإيقاعاتها.
ولعل من الضروري هنا القول إن شكر الله لم يتحدث في مقدمة مجموعته عما سماه الأستاذ موافي حائط اللغة (ص 17). فهو يعرف، كما أحسب، المقصود بهذا الحائط الذي توهم وجوده الشاعر يوسف الخال، ولا أظنه قد وافقه عليه. فقد قصد الخال بحائط اللغة، أو جدار اللغة كما سماه في حينه، هو أن اللغة العربية الفصحي أصبحت جداراً يعيـــــق تقدم حركة تحديث الشعر العــربي فإما أن تخــــــترقه أو أن تقع صريعة أمامه. ولذا دعا إلي الكتابة بما سماه اللغة المحكية حيناً و اللغة الدارجة حيناً آخر، في حين أن شكر الله كان يريد الكتابة بلغة جديدة علي وفق المفاهيم الأدونيسية، كما هو واضح في مقدمة مجموعته الشعرية.
وبعد، فإن هذه الملاحظات والاستدراكات لا تقلل من قيمة مبادرة الأستاذ عبد العزيز موافي وجهده الكبير في إعداد هذا الكتاب، والتقديم له، وفاء لشاعر طليعي لم تسمح له الظروف الخاصة والعامة كثيراً بتطوير تجربته الشعرية وبلوغ المكانة التي تستحقها موهبته ويؤهله لها وعيه الشعري. فللأستاذ موافي التحية والتقدير.
شاعر من العراقإبراهيم شكر الله (1921) أحد الشعراء العرب الذين نشروا شعراً حراً حديثاً Free verse منذ أواسط خمسينيات القرن الماضي. وقد تعمدت هنا استخدام صفة (حديث) لأميز بين المحاولات البسيطة الأولي التي كتبت من هذا الشعر مثل محاولات اللبناني أمين الريحاني والعراقي روفائيل بطي، وتلك المتطورة التي كتبها في ما بعد شعراء آخرون مثل: توفيق صايغ و شكر الله نفسه.