الوضع الثقافي الجزائري في حاجة لمراجعة شاملة تعيد صياغته من جديد
الكاتب والناقد الجزائري إبراهيم صحراوي:الوضع الثقافي الجزائري في حاجة لمراجعة شاملة تعيد صياغته من جديدالجزائر ـ القدس العربي : إبراهيم صحراوي من الباحثين المجدين في مجال اختصاصهم النقدي، وكان من أوائل المبحرين في عالم الدراسات النقدية الحديثة، إلي جانب أنه من المتابعين باهتمام للتطورات الأدبية وتحولاتها في السرد الجزائري خاصة، وله حضور مميز في الساحة العربية من خلال ترجمة كتب علي قدر كبير من الأهمية كـ رجل الاستشراق لدانيال ريغ و مقاربات في الحداثة لجون ماري دومينيك، و فلسفات عصرنا لمجموعة من الباحثين، وقريبا سيناقش أطروحته حول فلسفة السرد العربي وفي هذه المؤانسة نجول في عوالمه وبعض الأسئلة المطروحة راهنا. مسارك النقدي ارتبط بالمناهج النقدية الحديثة.. هل تعتقد أن هذه المناهج (بنوية، سيميائية..) ساهمت في فهم النص الأدبي أم أفرغته من وعيه الفلسفي والفكري ومن سياق تاريخيته؟ لا إطلاقا، المناهج النقدية الغربية الحديثة (البنيوية والسيميائية تحديدا ومتفرعاتهما) في اعتقادي لم تُفرغ النص الأدبي والفكري عموما من وعيه الفلسفي والفكري ومن سياق تاريخيته، بل إنها علي العكس من ذلك ولاندراجها ضمن المسار الحداثي الغربي كانت بالضبط وعيَه الفكري والفلسفي في مرحلة ما وبالتالي جزءا من سياقيته التاريخية. فقد كانت بداياتها (نهاية القرن التاسع عشر وبدايات القرن الـ 20) كما نعلم ردَّ فِعل عنيفاً إلي حدٍّ ما علي ما كان سائدا حينها من مناهج وأدوات قرائية انحرفت بالظاهرة المدروسة -نصا أدبيا أو أي شيء آخر- عن هويته ومقاصده الفكرية الفلسفية واختزلته في محطات تاريخية جافة وإسقاطات ساذجة ممَّا خصَّ من تعلَّق به النصُّ أو تناولته الظاهرة وفترتَه ومحيطَه. فكانت الدراسات اللغوية الرائد الذي تبِعته العلومُ والدراسات الإنسانية والاجتماعية الأخري في تبنِّي هذه المناهج وتوظيفها. صحيح أن بعض هذه المناهج قطع الظاهرة المدروسة عن محيطها أو حدَّ من هذه العلاقة بشكل كبير لأنه ركَّز كلَّ جهوده في اكتشاف بنيتها وشبكة العلاقات التي تُنظِّمها وتعطيها هويتها الجمالية الفكرية المضامينية اعتمادا علي مقولة أن النص أو الظاهرة أيا كانت عالم مُغلَق قائم بذاته لا يحتاج إلي عوامل خارجية تُفسِّره. وبهذا أحدثت هذه المناهجُ نوعا من التوازن في الساحة النقدية الفكرية إزاء المناهج الأخري سيما الدوغمائية منها (الواقعية الاشتراكية مثلا..). ثم تطوَّرت هي الأخري وحدَّت من غلوائها بل وتراجع بعض أقطابها عن فكرة انغلاق الأثر كما فعل تزفتان تودوروف في مطلع التسعينيات قبل أن تترك مكانها لما توالد عنها أو عن غيرها من مناهج ورؤي أخري تسيطر حاليا كالقرائية والتأويلية مثلا.. والخلاصة أن هذه المناهج كانت نتاجا حتميا للتطور الفكري الفلسفي الغربي ومرحلة طبيعية من مراحل مسار هذا التطور. أما عن ارتباط مساري النقدي إلي حدٍّ ما بهذه المناهج فمردُّه دراساتي العليا، فقسم الدراسات العربية والإسلامية، النقد الأدبي التطبيقي تحديدا في جامعة السوربون الجديدة (باريس الثالثة) كانت تعتمد في برامجها هذه المناهج ولم يكن للطالب المسجِّل بها خيارٌ آخر..هذا عدا عن كون تلك المناهج كانت حينها اكتشافا جميلا ومغامرة شيقة أغنتنا عن اجترار ما كان سائدا من مناهج تقليدية في تلك المرحلة. ترجمت كتاب رجل الاستشراق لـ: دانيال ريغ. ما هي دوافِع الاهتمام بهذا الموضوع الخطير والإشكالي الذي أسال كثيرا من الحبر؟ كنت في شبابي مُغرَما بقراءة تاريخ مرحلة النهضة العربية (وهي بالمناسبة الفترة التي شَهِدت بدايات القصة العربية) منذ منتصف القرن الثامن عشر أي منذ بدايات الحركة الوهابية ومحمد علي الكبير وهو غير محمد علي مؤسِّس الدولة المصرية الحديثة في بداية القرن التاسع والدولة العثمانية والدور الأوروبي في الشرق الإسلامي حينها، وكان الاستشراق في أوجه في تلك الفترة وما تلاها حتي منتصف القرن الـ 20 تقريبا، والاستشراق هو الجانب الفكري العِلمي الذي صاحب وساند الدور السياسي الغربي في الشرق الإسلامي حينها. كما قدَّم الدعم المعلوماتي والمعرفي اللازم للاستعمار الأوروبي للعالم العربي. كانت تستهويني الكتب التي تتحدَّث عن هذا الدور. لما قرأت الكتاب المذكور وجدته مختلفا تماما وينظر للأشياء من زاوية أخري تكاد تكون مُعاكسة لأنه مؤلَّف من مستشرِق/مُستعربٍ فرنسي معاصِر (هو بالمناسبة أستاذي حينها المشرف علي بحثي) احتكَّ بمستشرقين فرنسيين بارزين (طبقة مستشرقي الخمسينيات والستينيات ومنهم تمثيلا لا حصرا بلاشير وبيلا ورودنسون وبيرك وغيرهم) عايشهم وتلقَّي تكوينه علي أيديهم. فكان كتابه قراءة للاستشراق من الداخل، قراءة نقدية نعتْه وبَشَّرَت بموته الوشيك أو علي الأقل انتهاء دوره التقليدي وانتقاله إلي مراحل جديدة تغير فيها شكلُه وتغيَّرت أدواته وأُعيدَت صياغة أهدافه ومقاصده إلي ما نراه اليوم من تنظيرات غربية للعلاقة بين الشرق والغرب وتجلياتها المختلفة في السياسة والفكر والاقتصاد..وهي عموما علاقة تحكَّمتْ فيها علي مدي التاريخ الرؤي الأصولية الراديكالية من الجانبين. منذ الفتوحات الإسلامية مرورا بحروب ومواجهات الثغور ثم الحروب الصليبية ثم فتح القسطنطينية عاصمة الإمبراطورية الرومانية الشرقية (بيزنطة) ثم سقوط غرناطة أربعين سنة من بعد وصولا إلي الاستعمار وحروب الاستقلال هنا وهناك وانتهاء بـ 11 ايلول (سبتمبر) وتداعياته بما يحدث في العراق ولبنان والسودان حاليا (وكذلك أفغانستان والشيشان وقبلهما البوسنة والهرسك وكوسوفو)، مع ضرورة التنبيه إلي أن الصراع العربي الصهيوني هو أحد تجليات العلاقة التصادمية بين الشرق والغرب، وجزء لا يتجزَّأ منه باعتبار إسرائيل مُكوِّنا أساسا من مكونات الغرب المسيحي اليهودي في مواجهة الشرق المُسلم. انتهيت من ترجمة الكتاب في بداية التسعينيات، عرضته بدءا علي سلسلة عالم المعرفة الكويتية قبل الغزو العراقي للكويت فاعتذرت عن نشره..ثم نُشِر في سورية في ما بعد. هل تعتقِد أن الغرب يفهمنا أكثر مما نفهم أنفسنا، وهل المعرفة مرتبطة بالهيمنة (إرادة المعرفة وإرادة السيطرة) بحسب مفردات فوكو؟ الإجابة عن هذا السؤال لا تحتمل لا فقط أو نعم فقط، بل تتطلَّب الصيغتين وبِنسبٍ متفاوتة بحسب المجالات. مصدر ما يبدو من معرفة الغرب عنا أو لنا هو الهيمنة المباشِرة التي توفَّرت له في مراحل معينة فمكَّنته من الوصول إلي مصادر هذه المعرفة فتمكَّن من استغلالها وتوظيفها، فكانت هذه المصادر غنيمة حرب مثلها مثل كل خيراتنا وثرواتنا التي نهبها واستغلَّها وما زال. أما مصدرها حاليا فهو أقماره وشبكاته التجسسية المباشرة وغير المباشرة (من أجهزة تجسُّسه غير المباشرة ما يحصل عليه من معلومات وتواطؤات جلية وضمنية من محبِّيه وأصدقائه وأتباعه والُمنبهرين به والحالمين بنعيمه من بني جلدتنا). لكن المعرفة في المُطلَق ليست رديفة في كل حالاتها وتجلياتها للهيمنة. لأن الهيمنة (إخضاعا وخضوعا) ليست قدرا من جهة، وليست شرطا من جهة أخري. قد تكون عاملا من عوامل المعرفة لكنها (قطعا) ليست شرطا. أنت مُطَّلِع بشكل ما علي الكتابة الأدبية في الجزائر، هل تشعر بأن هناك تحولات حدثت بالفعل…أم أن ما يُكتَب راهنا لا يستحقٌّ الانتباه؟ بالطبع هناك تحولات حدثت في الكتابة الأدبية الجزائرية كما في المجالات الأخري في أكثر من مستوي جماليا ومضامينيا وهذا شيء طبيعي يستدعيه التطور. فالظروف التي يعيشُها كتاب اليوم محليا وإقليميا ودوليا تختلف بصورة كاملة عن تلك التي عاشها أسلافهم في النصف الأول من القرن أو في الستينيات مثلا أو سابقوهم في السبعينيات والثمانينيات وبدرجة أقل في التسعينيات. اختلفت الأوضاع ومكوناتها فظهرت مضامين جديدة واختلفت الرؤي والجماليات وأعيد النظر في أشياء كثيرة..سقطت أوهام وقداسات ما تعلَّق منها بالأنواع مثلا..أو ببعض المضامين والموضوعات..أما فيما يخص الشقَّ الثاني من سؤالك فأري بأن القولَ بأن ما يُكتب راهنا لا يستحقُّ الانتباه قول مردود..ففي ما يكتب حاليا أشياء كثيرة جديرة بالاهتمام ومثيرة للانتباه..غير ان ما تجدر الإشارة إليه هو أن الناقِد ومتابِع الساحة الأدبية الثقافية ليس مُطالَبا بأن يتناول أو يتحدَّث عن كلِّ ما تلفظه المطابع، هذا إضافة إلي أن الكُتاب اليوم هم عدديا أضعاف ما كانوا عليه في الفترات السابقة، والنشر أسهل بكثير مما كان عليه لتوفُّر إمكاناته بشكل لافتٍ للنظر. أُثير موضوع سرقة العناوين في الصيف الماضي بين الطاهر وطار وواسيني الأعرج ولم يأخذ الموضوع حقَّه من النقاش النقدي وبقي علي مستوي تبادل التهم والسبّ..ما رأيك هل هي سرقة بالفعل؟ تأثُّر؟ تناص؟ ماذا نسمِّي ذلك؟ أنا معك في أن الموضوع لم يأخذ حظَّه من النقاش النقدي مثله مثل غيره من كثير من الموضوعات الأخري، لأن إثارته لم تكن طبيعية ولم تكتنفها ظروف نقدية جمالية فكرية فلسفية، بل كانت شيئا آخر تماما. لهذا لم تتجاوز القضيةُ مستوي السبِّ والشتم ولم يسمُ أصحابُها إلي مستوي سمعتهم الأدبية محليا وإقليميا، فبقيت للأسف الشديد معركة أشبه بمعارك الأزقة ومعارك العجائز في الشرفات وصراع الديكة ضرُّها وسلبياتها أكبر من نفعها وايجابياتها. أما عن تشابه العناوين وكيف نسمِّي ذلك، فالحقيقة أن فيها شيئا من كل ما ورد في السؤال: تأثُّر وتناص (مع شيء من التحفظ فيما يتعلَّق بالسرقة). والتناص يتماهي أحيانا مع السرقة (غير المقصودة بالطبع) ولنا في التاريخ الأدبي الفكري الإنساني أمثلة كثيرة. بشكل مُختصَر، ما هي معالم أطروحتك حول فلسفة السَّرد العربي؟ يتعلَّق الأمر بمحاولة فهم الظاهرة السردية العربية قديما من حيث الأسباب والوظائف والدواعي والمقاصد وفيما بين هذه وتلك الأنواع والأشكال والإجراءات الفنية وما إلي ذلك. كيف تُفكِّر في الوضع الثقافي الجزائري الراهن؟ ما هي الأسئلة التي تري أنه من الضروري طرحُها ولم تُطرَح بعد؟ الوضع الثقافي الجزائري الراهن وضعُ مختلُّ لاختلال العلاقة بين فاعليه في مختلف مجالات العلم والثقافة والمعرفة وفروعها وغيرهم من مكونات المجتمع الأخري. لذا فهو في حاجة لمراجعة شاملة تُعيدَ ترتيبه بل تعيدُ صياغته بما يتماشي والظروف الحالية بما يؤدِّي في مرحلة أولي إلي تناغم بين مختلف مكونات المجتمع ونُخبه في كل المجالات وإلي فهم دقيق للوضع ثانيا ينتُج عنه فرزٌ للمفاهيم وضبط لها، وبلورة مشروع ثقافي يمتلك تصوُّرا لما ينبغي فعله يُشاركُ في وضعه الجميع كي نصل أخيرا إلي ما نصبو إليه في كل المجالات وعلي رأسها مجال علاقتنا بالآخر وشكل هذه العلاقة بكل جوانبها وحيثياتها: أي ماذا نريد من هذا الآخر بكل أصنافه وبمختلف أطياف كل صِنف، وكيف نتعامل معه ومع ما يريدُه منَّا. وبديهي أن الغرب بأطيافه المختلفة يأتي في مقدِّمة هذه الأصناف. لأنه هو المهيمِن علي العالم الآن من جهة ولأنَّه يعتبرُنا من جهة أخري أقرب خطرٍ إليه لاختلاف منظومتنا الفكرية الثقافية عن منظومته إلي حدِّ التناقض. التقاه: بشير مفتي0