كل صورة بما فيها تنضح: عن المأزق التاريخي للذكوريَّة العربية
عبدالله حبيبكل صورة بما فيها تنضح: عن المأزق التاريخي للذكوريَّة العربيةهاتان صورتان التقطتهما من زاوية بمستوي النظر كاميرا فيديو ثابتة ذات تركيزٍ بُؤْرِيٍّ ودرجةٍ إيضاحيَّةٍ كفؤين، وذلك في نفس المكان وتحت نفس الظروف، مع فارق لا يكاد يُذكر إلا علي مستوي دقائق معدودة في الزمان، وقد بثتهما قناة الجزيرة الإخبارية، ثم نشرتهما في موقعها الإليكتروني في نفس الفترة حيث يبدو الكادران المعزولان والثابتان في النشر الإليكتروني مثل صورتين فوتوغرافيتين. وتُري تينك الصورتان المواطنتين العراقيتين نور الشُّمري ووداد جميل اللتين نفذتا عمليتين استشهاديتين أودتا بثلاثة جنود أمريكيين (ورقم 3 ينطوي، بالطبع، علي دلالة خاصة في التقاليد المسيحية) جميعهم من الذكور أثناء مقاومة الغزو الأمريكي للعراق، وتحديداً في أوائل إبريل من عام 2003. وقد التقطت الصورتان هاتان في نفس الوقت الذي كان فيه الديكتاتور “يقود” المقاومة مختفياً ومحاطاً بحراسة وحماية عاتيتين في أحد مخابئه السريِّة الحصينة في العاصمة العراقية، وذلك قبل أن يلقي الغزاة القبض عليه بعد وقت طويل نسبيَّاً من ذلك وهو، حرفيَّاً، مضطجع في حفرة في أرض الوطن كما يضطجع الجنين في رحم أمِّه، أي حين كانت نور الشّمري ووداد جميل قد عادتا إلي الأصل الأول حيث أصبحتا رماداً ورميماً مطحونين في ثري البلاد.تواجه المرأة الأولي المُشاهِدَ، ولكن نظرتها (بمعني gaze) لا تتجه إليه مباشرة، بل تنحرف قليلاً إلي اليمين (بالنسبة إلي المنظور البصري للمُشاهِد)، بمعني أن النظرة ليست موجهة إلي الوعي الحاضر للمتفرج بل إلي اللاوعي الغائب؛ إنها موجَّهة إلي الـ”ذلك” وليس إلي الـ”هذا”؛ إلي الـ”هناك” وليس إلي الـ”هنا”. وتعتمر المرأة هذي شماغاً أحمرعلي هيئة عمامة أو لَفَّة بدوية بصورة مُعْتَنَيً بها، وإن كان من الصعب في الصورة تحديد ما إذا كانت العمامة أو لفَّة الرأس رجالية أم نسائية أم هي مزيج من الاثنين. بَيْدَ أنه ليس من الصعوبة بمكان القول إن لون قماش لفَّة الرأس النسائية، خاصة حين تتخذ هذا الشكل، في البادية العراقية التي يشيع فيها هذا الزي، أسود وليس أحمر؛ فالثاني يكاد يكون حكراً علي عمائم ولفّات الرجال بتنويعاتها المختلفة. كما أنه ليس من العسير القول إن هذا النوع من لفَّات الرأس النسائية ترتديه غالباً النساء الأكبر سنَّاً من الشابَّات، وإن اللون الأحمر اتَّخذ دوماً في الثقافة العربية كما في غيرها من معظم ثقافات العالم (باستثناءات قليلة منها الثقافة الروسيَّة) دلالات حسيَّة، وأيروسيَّة، وعَرْبَدِيَّة كما في قولنا: “قضيت ليلة حمراء البارحة”، ودلالات أخري تتعلق بالاستشهاد أو المَصَارِعِ والقتل في الحروب كما في قولنا: “ستكون الأرض حمراء بعد المعركة”. غير ان العمامة أو لفَّة الرأس النسائيَّة التي ترتديها نور الشّمري ليست حمراء تماماً، فهي مُمَوْسَقَََةٌ بصرياً بخطوط ونقاط بيضاء نألف رؤيتها في مثل تلك الشّماغات. لونا الشّماغ (الأحمر والأبيض) يتناغمان، إذاً، مع لوني الثلثين الأعلي والأوسط من العلم العراقي (الأحمر والأبيض)، وهو طبعاً رمز الوطن والشعب في الثقافة العربية كما في غيرها من ثقافات العالم، في خلفية الصورة.كما يتساوق الظهور الجزئي للونِ الثُّلث الأعلي (الأحمر) من العلم مع جزئية وجود اللون الأحمر في عمامة أو لفَّة الرأس النسائية لنور الشمِّري، بينما يتناغم بصرياً لون ثوبها القاتم مع اللون الأسود للثُّلث الأسفل من العلم المنحنية قماشته؛ بل إن الانطباع اللوني والشكلي للتركيب المشهدي (mise-en-scene) يجعل نور الشمري تبدو وكأنها تقريباً “خرجت” من ذلك الجزء من العلم، كما خرجت حواء من ضلع أعوج من ضلوع آدم. وفي الوقت الذي تضع فيه المرأة راحة يدها اليمني علي كلمة الله كما هي مدوَّنة ومحفوظة في المصحف (يمكن هنا لمن أراد العودة إلي التمييز المهم الذي يؤسسه نصر حامد أبو زيد بين “المصحف” و”القرآن”)، وفمها مفتوح وهو يتلفظ بصوتها الأنثوي ناطقاً عهد الشهادة الوشيكة، فإن يدها اليسري تمسك برشَّاش من طراز “أي كي 47” وتضمُّه قريباً من النصف الأيسر لجسدها. ومع ان فرويد نفسه يحذِّرنا من مغبَّة الاستسلام للتبسيطيَّة والمجَّانيَّة لدي قراءة الرموز الجنسيَّة في تفسير الأحلام -التي هي طبعاً نوع من أنواع الفوتوغرافيا والسينما (“أحلام”/”أفلام”)- كما في مقولته الشهيرة “إن السيجار في بعض الأحيان ليس إلا سيجاراً”، إلا إني لا أستطيع أبداً غض النظر عن ان هذا النوع من الرَّشاشات تحديداً ليس فحسب السلاح الأوتوماتيكي الفردي الأكثر تفضيلاً لدي “المتمردين” و”العُصاة” و”مثيري المشاكل والقلاقل” حول العالم منذ اختراعه في روسيا أثناء مقاومة النَّازي في الحرب العالمية الثانية نظراً لكفاءته العالية وحاجته إلي صيانة سريعة وبسيطة فحسب وذلك في أسوأ الظروف المناخية والطبيعية، بل إنه كذلك الرمز القضيبيُّ الأكثر كلاسيكية ووضوحاً بامتياز في أدبيات القراءة الرمزية عموماً وفي الصورة هذي خصوصاً، حيث ينتصب الرَّشاش في وضعٍ قائم، وفوهة ماسورته موجهة إلي الأعلي في الفضاء الواقع خارج إطار الصورة التي تختفي منها بالكامل أيُّ رموز نهديَّة أو فرجيَّة كالاستدارات، والتكوُّرات، والنتوآت، والشقوق، والفتحات، والتجاويف، ومثيلاتها.وتحجب ماسورة الرّشاش جزءاً من اسم الجلالة “الله” بينما تظهر النجمة الخضراء الأولي التي تزيِّن الثلث الأوسط من العلم كاملة. أما النجمة الوسطي فيغطيها رأس نور الشُّمري باستثناء خُمْسَيْها اللذين يبدوان وكأنهما منبثقان من رأس المرأة، أو أن رأس المرأة يبدو وكأنه طالع من النجمة، بينما توسطت ماسورة الرَّشاش المسافة بين الرأس والنجمة الخماسية الأولي الواقعة في منتصف الثلث الأوسط للعلم إلي اليمين (بالنسبة إلي المنظور البشري للمشاهد). أما المرأة الثانية، وهي وداد جميل الأصغر سناً من الأولي، فتواجه المُشاهِدَ ونظرتها (بمعني gaze مرة أخري) تتجه إليه مباشرة عكس الصورة الأولي؛ إنها، إذاً، تتجه إلي الوعي وليس اللاوعي؛ إلي الـ”هذا” وليس إلي الـ”ذلك”؛ إلي الت”هنا” وليس إلي الـ”هناك”. وقد تركت المرأة هذي أحد طرفي الشماغ الأحمر المنقَّط بمساحات جزئية بيضاء (أي أنه من ذات نوع الشماغ الذي رأيناه في الصورة، بل ربما كان نفسه في الحقيقة).. تركته، إذاً، ينسدل بصورة عَرَضِيَّة مثل خصلة شعر كبيرة من نوع “ذيل الجواد” مغناج ومهمَلة علي اثنين من أكثر علامات أنوثتها وإنسانيتها، أي ثديها الأيسر وقلبها، هذا في الوقت الذي يُكوِّن فيه الطرف المنسدل للشماغ ما يشبه سهماً مخروطيَّاً أو شبه مخروطي مُهَلْهَل وينتهي رأسه عند المنتصف الأمامي لجسدها تماماً، قُرَيْبَ الرمز القضيبيِّ المنتصب، رشّاش الـ “أي كي 47″، ذو السمعة الحسنة لدي “المتمردين” و”العُصاة” و”مثيري المشاكل والقلاقل”، والذي تتجه فوّهة ماسورته إلي الأعلي خارج إطار الصورة التي بدورها تختفي منها بالكامل أيُّ رموز نهديَّة أو فرجيَّة كالاستدارات، والتكوُّرات، والنتوآت، والشقوق، والفتحات، والتجاويف، ومثيلاتها ، والذي- أي الرَّشاش- تُمسك به بيدها اليسري، في الوقت الذي استقرت فيه يدها اليمني علي كلمة الله كما هي مدوَّنة في المصحف. غير أنه علي خلاف الصورة الأولي فإن المسافة بين الجسد الأنثوي والرمز القضيبي أكبر قليلاً (مُذكِّراً هنا بمفارقة أن وداد جميل تبدو أصغر سنَّاً من نور الشُّمري).وفي الوقت الذي يُغلِّف فيه الإبهامُ الهــوية “الجَنْــدَرِيَّة” لِعمامة أو لفَّة الرأس النســائية لنور الشمَّري في الصورة الأولي، فإن الكيفية التي تلفُّ بها وداد جميل الشماغ علي رأسها وعنقها وكتفيها وصدرها رجاليَّة علي نحوٍ لا لبس فيه، وهي صورة مألوفة لدي الجميع في المناطق التي يشيع فيها ارتداء الشماغ كالعراق، وبلاد الشام التاريخيــــة، وفلسـطين، والخليج العربي. كما أن الهندسة اللونيَّة والشكليَّة في الصورة الـــــثانية مختلفة عنها في الأولي؛ إذ يشير التَّساوق هنا ليس إلي إلغاء الحضور الميثــــــولوجي والميتافيزيقي بالكامل، ولكن إلي تهميشه لصالح انتهاكٍ بصريٍّ يُمثِّله النََّشَازُ الناجم عن اختراق شماغ وداد جميل (الأحمر والأبيض) للثُّلث الأسفل من العلم (الأسود) من المنتصف تماماً، وإن كانت الثلاثيَّة اللونيَّة هذي تتصادي بصرياً مع الألوان الثلاثة للعلم، أو رمز الشعب والوطن، معيدة بذلك إنتاجه علي هذا النحو، والذي- أي العلم- حلَّ فيه رأس وداد جميل محل النجمة الخماسية الوسطي في منتصف الثلث الأوسط من العلم تماماً، في الوقت الذي غطَّت فيه ماسورة الرشَّاش خُمْسَي النجمة الأولي الواقعة في منتصف الثلث الأوسط للعلم إلي اليمين (بالنسبة إلي المنظور البشري للمُشاهِدِ) متيحة بذلك لاسم الجلالة “الله” أن يظهر كاملاً وذلك عكس الصورة الأولي تماماً وبالضبط. وإن كان هناك أي شيء علي الإطلاق تشترك فيه الصورتان فيما يخص الجزئيات والتفاصيل الصغيرة فهو بلا أدني شك الفم المفتوح في حالة المرأتين كلتيهما، والذي ينطق بعهد الشهادة الوشيكة. يمكن تفكيك الشيفرات الثيابيَّة، واللونيَّة، والهندسيَّة، والرمزيَّة في الصورتين بطريقة أكثر تفصيلاً اتكاءً علي منهجيات قرائية مختلفة، منفردة أو مجتمعة (كما فعلت أنا بصورة مبدئية)، كالمنهجية البارتيَّة (نسبة إلي رولان بارت كما في كتابه “الكاميرا الضوئية” وعدة أبحاث مهمة أخري تضمنها كتابه “الموسيقي، الصورة، النص”)، أو هوليَّة (نسبة إلي ستوارت هول كما في بحثه التشريعي “تحديد الصورة الفوتوغرافية”)، أو برغريَّة (نسبة إلي جون برغر كما في كتابه الكلاسيكي “طُرُقٌ للرؤية”)، إلخ. علي أني في القراءة الأوليَّة العجلي هذي أود أن أكتفي بطرح السؤال البسيط التالي فحسب: تُري أهناك تِبْيانٌ أكثر صراحةً، وأكثر وضوحاً، وأكثر فضيحةً للمأزق التاريخي للذكوريَّة العربيَّة مما يبدو عليه الأمر في هاتين الصورتين؟!.شاعر وناقد من عْمان يقيم في امريكا0