معني العراق: للولايات المتحدة، للمنطقة، وللوضع العالمي

حجم الخط
0

معني العراق: للولايات المتحدة، للمنطقة، وللوضع العالمي

د. بشير موسي نافعمعني العراق: للولايات المتحدة، للمنطقة، وللوضع العالميجادلت خلال العامين أو الثلاثة الماضية، في هذا الموقع وفي مواقع ومناسبات أخري، بأن العنف الذي يسم العلاقة بين الولايات المتحدة والعالم الإسلامي هو في جوهره تعبير عن أزمة قوة أمريكية، وبأن الإخفاق الامريكي في العراق ستكون له نتائج وأصداء أوسع بكثير من العراق ذاته. ما أقصده في المسألتين هو التالي: ان الولايات المتحدة، باعتبارها أهم القوي الكبري في العالم، تسلك في الحقيقة سلوكاً امبراطورياً، سواء قبلت النخبة الامريكية بهذا التوصيف لدورها أو لم تقبل. ربما لا تبدو الولايات المتحدة في علاقاتها بالشعوب والدول الأخري كما بدت الإمبراطورية الرومانية، أو العثمانية أو البريطانية؛ بمعني اننا لسنا إزاء إمبراطورية كلاسيكية. ولكن هذا لا ينفي حقيقة منظومة السيطرة التي ورثتها الولايات المتحدة عن القوي الغربية الإمبريالية السابقة، والتي حاولت واشنطن طوال أكثر من نصف قرن تطويرها وجعلها أكثر فعالية. الولايات المتحدة، إضافة إلي ذلك، لا تمارس استغلالاً اقتصادياً مباشراً لمناطق العالم الأخري، ولكن ذلك لا ينفي وقوفها علي رأس نظام اقتصادي غير عادل، يصب في النهاية لصالح المحافظة علي التفوق الاقتصادي الامريكي.كما كل الإمبراطوريات، لا يفترض ان تقوم الهيمنة الامريكية علي التوظيف الدائم لوسائل القوة والعنف. الانظمة الامبراطورية تستند إلي دلالات القوة، إلي خشية الآخرين من التعرض لغضب القوة الإمبراطورية وبطشها. إن اضطرت الإمبراطوريات إلي اللجوء المستمر إلي الوسائل العسكرية، فإن تكاليف الهيمنة قد تصبح أكبر بكثير من عائداتها. ولكن ما عرفه التاريخ دائماً ان من غير الممكن لنظام إمبراطوري ان يستمر علي ما هو عليه، وان عوامل عديدة، ثقافية، واقتصادية، وسياسية، تؤدي في النهاية إلي انحطاط نظام إمبراطوري وصعود آخر. في اللحظة التي تستشعر فيها قوة إمبراطورية ما بأنها تواجه تحديات متصاعدة لهيمنتها، تصبح أكثر عنفاً وشراسة، وأكثر استعداداً للجوء إلي وسائل القمع والبطش المجردة؛ أو تصبح، بكلمة أخري، أكثر دموية. خلال القرن أو القرنين الأخيرين من حياة روما، كان جيش الإمبراطورية يخوض المعارك علي كافة الجبهات؛ وخلال القرن الأخير من حياة الإمبراطورية العثمانية، كان الجيش العثماني ينتهي من حرب في اليونان ليواجه أخري في البلقان، وما ان ينتهي من البلقان حتي يواجه تحدياً في اليمن أو نجد. وليس ثمة من شك في ان الاستخدام الامريكي المفرط للقوة خلال السنوات القليلة الماضية هو تعبير عن شعور وتقدير متزايدين في الولايات المتحدة مفادهما ان القوة الامريكية فقدت قدرتها الردعية، وان من الضروري استعادة أداة الردع مهما بلغت التكلفة العسكرية. هذه بالطبع لحظة الأزمة الإمبراطورية، وهي اللحظة التي قد يتجاوزها النظام الإمبراطوري بنجاح، أو تنتهي بالوبال.ما أحسبه فيما يتعلق بالمسألة الثانية ان المشروع الامريكي في العراق قد أخفق، وأخفق إخفاقاً ذريعاً، وان العامل الرئيس وراء هذا الإخفاق هو المقاومة العراقية. قد لا تكون الولايات المتحدة قد هزمت بالمعني العسكري البحت، وهي علي أي حال لم تهزم عسكرياً في فيتنام، التي تحضر دائماً في معرض المقارنة بالوضع العراقي. الولايات المتحدة دولة تملك آلة عسكرية هائلة، وثروات لا تقارن بها ثروات أي من القوي الكبري المعاصرة، وخسارة بضعة آلاف من المعدات وخمسين ألف إصابة في فيتنام خلال عشر سنوات، أو ثلاثة آلاف إصابة في العراق خلال ثلاث سنوات، لا تمثل هزيمة عسكرية. ولكن المشروع الامريكي في كلا الحالتين أخفق، لأنه لم يعد من الممكن سياسياً تسويغ الخسائر بحجم المردود الذي يجني من استمرار الحرب والاحتلال. كما وصل الشعب الامريكي، والعالم أجمع، في مطلع السبعينات إلي أن واشنطن لم تعد تستطيع تبرير الموت والدمار الذي كانت توقعه الحرب الفيتنامية، فإن الرأيين العامين الامريكي والعالمي يصلان الآن إلي ذات القناعة فيما يتعلق بالعراق. هذا لا يعني ان الانسحاب الامريكي بات وشيكاً؛ ولن يكون من المستغرب ان تحاول الإدارة الامريكية اللجوء إلي استراتيجيات جديدة للتغلب علي الأزمة المتفاقمة في العراق، بما في ذلك التوصل إلي صفقة (أو صفقات) مع دول الجوار. ولكن هذا في رأيي لن يخفف من وقع إخفاق المشروع الامريكي في العراق، أولاً لأن المتوقع ان تفشل كل المقترحات المتداولة حالياً في التوصل إلي حل انقاذي لهذا المشروع، وثانياً لأن بعض ما هو متداول الآن يمثل في حد ذاته توكيداً علي إخفاق المشروع واضطرار واشنطن إلي طلب الإنقاذ ممن كانت تعتبرهم هدفاً لمخطط التغيير الشامل في المشرق العربي والإسلامي.أحد أهم أسباب إطالة أمد المأساة العراقية، مأساة الموت والدمار والتشظي التي نجمت عن الغزو والاحتلال، ان الإدارة الامريكية منقسمة بين تقدير وزن الآثار المترتبة علي الاعتراف بالفشل والإخفاق في العراق وتلك المترتبة علي مواصلة الحرب والاحتلال. وهذا ما يأخذني إلي القسم الآخر من هذا التعليق. فقد نشرت صحيفة الغارديان البريطانية في عدد الخميس 19 تشرين الأول (الاكتوبر) الحالي مقالة لمارتن وولكوت، أحد أهم معلقي الصحيفة وبريطانيا في الشأن الدولي، تحت عنوان الواضح ان الولايات المتحدة لم تقرأ دروس السويس . وتستند مقالة وولكوت إلي كتاب له سينشر نهاية هذا الشهر في لندن. الذي يقوله وولكوت ان الأزمة الامريكية في العراق (وهو يري انها أزمة بريطانية بالإلحاق وليس بالأصالة تشبه إلي حد كبير ما واجهته بريطانيا في مغامرة السويس في 1956 وما بعدها. هذه، يقول وولكوت، ليست أزمة عابرة، بل انها أزمة تتعلق بهيبة الإمبراطورية وموقعها ودورها العالمي. عبد الناصر، حتي بعد تأميم قناة السويس، لم يكن يشكل خطراً فعلياً علي بريطانيا، ولكن بريطانيا رغم ذلك تورطت في شراكة ثلاثية مع فرنسا والدولة العبرية لاحتلال القناة. الدافع البريطاني وراء الغزو كان أبعد من قيمة قناة السويس الاستراتيجية، كان يتعلق في الحقيقة بهيبة بريطانيا، بقدرتها الإمبراطورية الرادعة التي وجه لها عبد الناصر الإهانة، بعد سنوات قليلة فقط من انتصار بريطانيا في الحرب العالمية الثانية. وبالمقارنة، فإن لا صدام حسين ولا الدولة العراقية شكلت تهديداً للمصالح الامريكية، ولا كان للعراق أدني علاقة بهجمات الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) 2001 الإرهابية. غزو العراق كان جزءاً من مشروع ترميم الهيبة والردع الإمبراطوري، في المشرق العربي ـ الإسلامي، وعلي الصعيد العالمي ككل.بيد ان بريطانيا أخفقت في السويس، ليس بالضرورة عسكرياً، ولكنها أخفقت علي أية حال. وكان للإخفاق في السويس اثاره بعيدة المدي، إذ ان بريطانيا انتهت كقوة إمبراطورية، وتراجع دورها في الساحة الدولية طوال سنوات، إلي ان ارتضت بدور الشريك الأصغر في العلاقة الخاصة مع القوة الإمبراطورية الامريكية الصاعدة. الولايات المتحدة، بالطبع، ليست في وضع مماثل لوضع بريطانيا في منتصف الخمسينات، ذلك ان الأخيرة خرجت من الحرب العالمية الثانية بانتصار مكلف أوصلها إلي حافة الإفلاس. كما أنها وجدت نفسها في مواجهة مطالب استقلالية في كل أنحاء الإمبراطورية، من شبه القارة الهندية إلي مصر إلي قلب إفريقيا، وهي المطالب التي وجدت تشجيعاً آنذاك من الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة، القوتين الصاعدتين علي المسرح الدولي. الولايات المتحدة ليست دولة مفلسة، وما تزال القوة العلمية والبحثية الأهم في العالم، كما أنها تمثل قاطرة الاقتصاد العالمي كله، سواء علي صعيد السوق والاستهلاك أو علي صعيد الاستثمار العابر للقارات. ولكن ذلك لا يجب ان يلغي التشابه بين الحالتين. فالعراق لم يكن مقصوداً لذاته، مهما قيل عن ثرواته النفطية وموقعه الاستراتيجي. مشروع غزو واحتلال العراق كان مشروعاً لإعادة بناء نظام الهيمنة الإمبراطوري علي قواعده التقليدية، قواعد الردع، ليس فيما يتعلق بالخصوم مثل سورية وإيران وقوي المقاومة الإسلامية في فلسطين ولبنان وحسب، بل وفيما يتعلق بالأصدقاء في مصر والسعودية ايضاً، وربما حتي تركيا؛ ومن إعادة بناء نظام الهيمنة في المشرق إلي إعادة بنائه في الساحة الدولية ككل. احتلال العراق وصياغته من جديد وتحويله إلي أداة أمريكية وصورة استعراضية لما تستطيعه القوة الامريكية كان درساً للصين ولأحلام العودة الروسية إلي منتدي الصفوة من أصحاب القرار في العالم. عندما ينهار مشروع العراق، وهو قد انهار بالفعل، فسيفرض علي منطق القوة التراجع، والاعتراف بأن العالم أكثر تعقيداً من الانصياع لإرادة البطش الإمبراطوري.كلما أسرعت الولايات المتحدة في إدراك هذه الحقائق كان أفضل، ليس للعراق والعرب وحسب ولكن أيضاً لمستقبل الموقع والدور الامريكيين في العالم. محاولات الإنقاذ العبثية للمشروع الامريكي في العراق، المحاولات المستمرة بلا نجاح منذ ثلاثة أعوام، لن تؤدي إلا إلي مزيد من الألم والمعاناة والموت بالنسبة للعراق وأهله، ومزيد من الخسارة بالنسبة لوزن الولايات المتحدة الدولي. لا تسليم العراق لنظام عسكري، لا صفقة مقاولات من الباطن مع إيران وسورية، ولا تعليق الأمل علي قيام حكومة المالكي البائسة في فرض الأمن بالقوة، سيحول الإخفاق إلي نجاح. الحل الوحيد هو التفاوض مع قوي المقاومة ومع القوي الوطنية التي عارضت الاحتلال وترفض تقسيم البلاد، والتفاوض لإنهاء الاحتلال وتعويض عراق المستقبل ومساعدته علي الخروج من حالة الخراب الشاملة التي أوقعها الاحتلال وحلفاؤه. كل المشاريع الأخري التي يجري تداولها الآن في واشنطن ستأتي بنتائج أسوأ بكثير من حالة الإخفاق الحالية، من تصعيد حالة العداء والمرارة والكراهية بين شعوب المنطقة للولايات المتحدة وسياساتها، إيصال التوتر بين العالم الإسلامي والكتلة الغربية إلي مستوي الانفجار والفوضي، انتشار العنف في أنحاء المشرق العربي ـ الإسلامي كله، تحويل العراق إلي كتل متصارعة في حرب أهلية طويلة تجر قوي أقليمية إلي وحلها، إلي توفير مقار آمنة لتنظيمات وعناصر إرهابية من كل صنف ونوع. وربما هنا يأتي دور أصدقاء واشنطن العرب والأوروبيين في إقناع الإدارة الامريكية بأن الخروج السريع من العراق هو الخيار الأنجع، وان التفاهم مع القوي الوطنية وقوي المقاومة هو الطريق الأسلم. في النهاية، علي الدول العربية والإسلامية ان تعيد قراءة المسألة العراقية بصورة أشمل، صورة تأخذ في الاعتبار دروس التاريخ والمتغيرات الحالية علي الساحة الدولية. ما فعلته هذه الدول في 2003 انها تعاملت مع غزو العراق واحتلاله بمقاييس أنانية، صغيرة، وضيقة، إذ طالما كانت العصا الامريكية موجهة للغير، فلا ضير من التفاهم معها. فعلياً ومعنوياً، كل دول الجوار العراقي كانت شريكة في الغزو. الآن، وبعد أن أوصل العراقيون مشروع الهيمنة إلي نهاياته، فينبغي رؤية الهامش الكبير الذي سيوفره الإخفاق الامريكي في العراق لشعوب المنطقة ودولها علي السواء. ما يتضح سريعاً، وأسرع مما توقع كل مراقبي الشأن العالمي تقريباً، ان عالم القرن الحادي والعشرين لن يكون عالم التفرد الامريكي، بل عالم تعدد القوي. لربما لن يعرف العالم لعدة عقود قادمة دولة كبري تمتلك كل أدوات القوة الامريكية مجتمعة: المال والسلاح والعلوم والاقتصاد والبشر والثقافة والترفيه. ولكن العالم يشهد بالتأكيد بروز دول تمتلك كل واحدة منها عاملاً أو أكثر من عوامل القوة هذه، وهو ما يفتح الباب لعلاقات دولية أكثر عدلاً وتوازناً. 9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية