التحديات الاجتماعية التي تواجه اليمن في الفترة 2006 ـ 2015 (2 من 2)
نخب تبحث عن الاثراء السريع وتمارس التهريب ومجتمع تنهار فيه قيم العمل وجودة الاداءثقافة العولمة يجب استيعابها ايجابيا عبر اطر مؤسساتية رسمية واهلية والتنمية البشرية المستدامة هي الحلالتحديات الاجتماعية التي تواجه اليمن في الفترة 2006 ـ 2015 (2 من 2)د. فؤاد الصلاحيہرابعا: تناقض البنية الاجتماعية التقليديةمع الدولة ولوازمها التحديثية: ان قراءة سوسيولوجية لتطور النظام السياسي والحزبي في اليمن، تؤكد حقيقة بالغة الأهمية هي أن القوي المضادة للتحديث وعصرنة المجتمع (اي التيار التقليدي ـ القبلي/الاصولي) اعتبرت التحديث والديمقراطية خطراً يهدد مقومات الأمة ومرتكزاتها الأساسية، فالديمقراطية كما يراها اكبر الاحزاب الدينية في اليمن (تعتبر مفهوما أقل أهمية في بناء الدولة من مفهوم الشوري الذي يعد قيمة سياسية وقانونية لأزمة تحدد طبيعة نظام الحكم، وهو نظام عام يصبغ مختلف جوانب الحياة). وكما قال رئيس مجلس النواب وشيخ قبيلة حاشد ورئيس حزب الاصلاح انه اذا تعارضت الديمقراطية مع القبيلة فانه يفضل القبيلة. في هذا الصدد يري بعض الباحثين اليمنيين أن صناع القرار اليمني قد ثابروا علي اتخاذ قرارات تهدف الي الترويج لقيمهم وبالتالي مصالحهم الشخصية، هذا يعني أن الدولة لا تزال ضعيفة وغير قادرة علي نشر وفرض مشروعها الحداثي بكل محدداته، وأن ضعف الدولة في فرض وجودها القانوني والمؤسسي وبالتالي وجودها الثقافي والرمزي أدي بالأفراد الي الارتباط بالعصبويات التقليدية من أجل تمرير متطلباتهم وتحقيق مصالحهم، وأدي بهم الي البحث عن وسائل تحكيم وضبط اجتماعي غير رسمي بدلا من وسائل الضبط الرسمية القانونية التي يجب أن تكون أهم آليات الدولة الحديثة. لقد حولت النخب الحاكمة مشروعية بناء الدولة الحديثة من كونها منبعاً لقيم الحرية والمساواة الي دولة رديفة للقيم القهرية وأداة استلاب تحكمها عقلية القبيلة والغنيمة. هنا يمكن القول بصعوبة البناء الديمقراطي (ترسيخ الحداثة السياسية) في اطار مجتمع تقليدي الأمر الذي يجعلنا نتساءل عن مدي استجابة البني الاجتماعية التقليدية للتعددية الحزبية. معني ذلك كما يري الباحث ان بناء الديمقراطية والمجتمع المدني يستلزم بالضرورة احداث تحولات بنائية وهيكلية شاملة في الدولة والمجتمع بل وفي سيكولوجية الفرد والجماعة. ففي مجال بناء الدولة الحديثة والديمقراطية الذي رفع كشعار سياسي لا يكاد يخلو أي خطاب حزبي أو رسمي من اشارة الي أهميته، لا نجد اتساقا بين مضمون هذا الخطاب ووسائل تنفيذه التي تعتمد آليات تقليدية في بناء دولة حديثة من اهمها: تغييب الأطر القانونية لهذه الدولة مقابل تدعيم العلاقات القبلية ومنظومتها في الضبط الاجتماعي، اضافة الي اتجاه النخب الحاكمة نحو اعادة انتاج Reproduction القبيلة ومنظومة القيم المرتبطة بها (وفق مصالح خاصة بالنخبة الحاكمة او متبادلة مع المشائخ). الجدير بالذكر ان استمرار البني التقليدية في اليمن المعاصر ليس كمظاهر ماضوية بل باعتبارها بني فاعلة ومقررة في مختلف جوانب المجال العام، وهو الأمر الذي يخلق في واقع المجتمع ممانعة قوية تعيق تأصيل وتجذر النشاط الحزبي والاهلي الحديث وتكبح تطور مأسسة الدولة. ومع ذلك لا بد من الاقرار بان ملامح التحديث السياسي والاقتصادي تنتشر ببطء ووفق عملية مزدوجة تأخذ طابع التوفيق/التلفيق بين التقليد والحداثة، مما يعطي شكلاً مشوها لطبيعة الدولة وآليات عملها، هذه الازدواجية ترجع الي ازدواجية مماثلة في نمط الانتاج ومنظومة العلاقات الاجتماعية، حيث ان تغلغل النمط الرأسمالي للانتاج لم يستطع ازاحة النمط التقليدي السابق، بل تتمفصل علاقاتهما بحيث تبدو مظاهر التحديث متجاورة ومتشابكة مع المظاهر التقليدية في صورة تشوه البناء الاجتماعي والنظام السياسي العام في الدولة والمجتمع.ان التحول الديمقراطي يتطلب بالضرورة نسقاً ثقافياً وقيمياً يعبر في دلالته عن ذلك التحول الذي نقيسه أمبيريقيا من خلال مؤشرات ومحددات تتبلور في أنماط السلوك والعلاقات والتفاعلات السائدة يومياً بين الدولة والمجتمع وبين مختلف الأفراد والجماعات والقوي السياسية والاجتماعية. ذلك يعني أن الدولة اليمنية المعاصرة في تمثلها نسق سياسي ليبرالي لا بد وان يرتبط به بالضرورة تغيير ثقافي يطرأ علي النظام الاجتماعي وعلائقه المتعددة (أفقياً وعمودياً). في هذا الصدد يري Michael Hudson أن المؤسسات السياسية الحديثة في اليمن قامت علي البني التقليدية التي عملت بدورها علي اعاقة التقدم السياسي والاجتماعي. ويشير Paul Dreish الي أن القبائل اليمنية التي تعبر عن البنية الاجتماعية التقليدية قد استطاعت أن تبسط نفوذها علي الحكومة وأن تردد مصطلحات وقيما حديثة كانت حكراً علي الدولة، وذلك يعني في دلالته أن القبيلة كمؤسسة اجتماعية تقليدية تسمح للتحولات السياسية الحديثة، ولكنها لا تتيح لهذه التحولات أن تتجذر وتتمأسس في الواقع وفق شروطها الخاصة، ومعني ذلك ان زعماء القبائل يشكلون باستمرار جماعات ضغط تقليدية تتناقض مصالحها مع المصالح العامة للمجتمع، فهي ذات عقلية براغماتية، ترتبط بجهاز الدولة طالما تستفيد منه مادياً ومعنوياً، وتنفصل عنه بل وتدمره اذا ما حاول تقليص مصالحها او تحجيم نفوذها (قوة القبيلة تطغي علي سلطة الدولة وآلياتها القانونية في كثير من الأحيان). خامسا: ضعف البناء الديمقراطي ومنظومته الثقافية:ان واقع المجتمع وتركيبته الاجتماعية لم يسمح بتبلور المجال المدني الحديث الذي يعبر عن تزايد حجم الفاعلين باستقلال عن الدولة والقبيلة في آن واحد. فالتطور السياسي والاقتصادي الذي تشهدة اليمن حاليا في اطار تزايد اندماجها في النظام الاقتصادي الرأسمالي لا يصاحبه بنفس السرعة والوضوح تشكل المجال المدني والسياسي الحديث. ولما كانت الدولة لم يكتمل بناء مقوماتها الحداثية (المؤسسية والادارية والتنظيمية) فهي لذلك تعبر عن عدم اقتناعها باستقلالية العمل الحزبي والاهلي باستمرار سعيها المباشر وغير المباشر نحو اختراق الفضاء المدني الحديث رغم اتجاهها في خطابها السياسي الرسمي الي التأكيد علي دعمه وتشجيعه وضمان استقلاليته، هنا تبرز الازدواجية في شخصية الدولة التي تكشف عن اسسها التقليدية الراسخة. صفوة القول ان الديمقراطية اليمنية تنتمي الي تكتل الديمقراطيات الناشئة وهي لذلك تعتبر تجربة حديثة تمارس في اطار مجتمعي تقليدي يتصف بقوة التكوينات العصبوية التي تمارس تأثيرها علي مجمل انماط العلاقات والتفاعلات الاجتماعية بل وعلي السلوك السياسي في الدولة والمجتمع. في هذا السياق يري مايكل هدسون أن بعض القيادات التقليدية والسياسية الحديثة في اليمن لا تزال تعتقد أن المجتمع اليمني المعاصر (غير جاهز للديمقراطية) وأن ذلك يعبر عن رغباتها الخاصة في الانقياد لغرائزهم ونزعاتهم المضادة للديمقراطية. فالقول بعدم جاهزية اليمن للديمقراطية مجانب للصواب فالتناقض والصراع القيمي السائد منذ اعلان الوحدة لا يدل ـ في مجمله ـ علي عدم تقبل قيم الحداثة السياسية بل (وهو أمر طبيعي) يدل علي تداخل وتفاعل منظومتين من القيم السياسية والاجتماعية تعبران عن تأرجح المسار العام للتطور في الدولة والمجتمع بين التقليدية والحداثة. في هذا السياق يمكن رصد ثلاثة انواع من الثقافة السياسية السائدة في اليمن تعكس اهم ملامح تجربة التعددية الحزبية مع العلم ان الواقع المجتمعي في اليمن لايعرف صورة نقية من هذه النماذج بل يقدم مزيجا مختلطا منها. ثقافة سياسية ضيقة: يقتصر دور الفرد علي تلقي مخرجات النظام السياسي ـ فالافراد ليست لديهم الرغبة في التعبير عن ذواتهم كمشاركين سياسيا، اما انهم لا يملكون حدا ادني من المعرفة او لعدم القدرة علي ذلك او انه لا يعرف اية بدائل اخري. ثقافة سياسية تابعة: اي تواضع اسهام المواطنين في الممارسات السياسية بالرغم من ان لديهم معرفة تامة بالنظام السياسي وبمخرجاته وبقواعد اللعبة السياسية وانما ينبع عزوفهم عن المشاركة السياسية من ادراكهم عدم جدواها.ثقافة سياسية مشاركة: ترتبط بمعرفة الجماهير ووعيها بالنظام السياسي في حركته وقواعده ومؤسساته (اي مدخلاته ومخرجاته) فهم افرادها المشاركون بفاعلية من خلال (احزاب، منظمات، نقابات)، او من خلال التصويت والترشيح في الانتخابات، او غير ذلك.سادسا: غياب الترابط بين الديمقراطية والتنمية:يشهد العالم تحولات بنيوية واسعة النطاق افرزت متغيرات ذات اهمية كبيرة في مجال التحول الديمقراطي. هذا التحول اثار مجموعة من التساؤلات حول العوامل التي تجعل من بلدان معينة اكثر ايجابية في التحول الديمقراطي وفي بلدان اخري اقل ايجابية. وهنا نتساءل عن المداخل النظرية التي حاولت ولا تزال تقديم تفسيرات لانماط ذلك التحول في مختلف البلدان ومنها اليمن. وهذ المداخل ثلاثة هي: اولا: المدخل التحديثي يؤكد علي المتطلبات الاجتماعية الاقتصادية (يربط بين الديمقراطية الليبرالية والتنمية الاقتصادية). الليبرالية السياسية شرط ضروري للاداء الفعال لاقتصاد السوق فهذا الاخير يتطلب اقل تدخل من الحكومة. ومن اشهر المنظرين لهذا المدخل النظري ليبست حيث قدم اطروحته لاول مرة عام 1959 وفي عام 1960 نشر كتابه الانسان السياسي حيث يربط في اطاره النظري مجموعة من العوامل التفسيرية مثل درجة التصنيع، النمو الاقتصادي، التعليم، التحديث الاجتماعي، وجميعها عوامل تسهل بناء الديمقراطية. وهو هنا يقول بوجود علاقة سببية مباشرة او ارتباط متبادل بين الديمقراطية والتنمية. ثانيا: المدخل الانتقالي يركز علي العمليات السياسية من خلال مبادرات النخب لتفسير عملية الانتقال من حكم تسلطي الي حكم ليبرالي. ثالثا المدخل البنيوي يهتم بتغير بني القوة والسلطة. ولما كانت الخريطة الاجتماعية في اليمن اتخذت ابعادا جديدة وخلقت تكوينات مستحدثة فان تزايد تعقدها ارتبط بمجمل التحولات السياسية والاقتصادية (الدولية والمحلية) وخاصة التحول الداخلي نحو اقتصاد السوق وتزايد الاندماج في النظام الرأسمالي العالمي الأمر الذي تطلب تجديدا في عمليات التنمية ومفاهيمها ومؤشراتها، فمعيار الزيادة الكمية في الناتج الاجمالي القومي او في دخول الافراد لم يعد هو الغاية، ومع اننا لا نستطيع وليس مطلوبا رفض اقتصاد السوق بل يجب ان نجعل الاسواق تعمل لصالح الناس. في هذا السياق كانت اهم مقترحات جون ماينرد كينز لتهذيب قوي السوق من خلال الدور الفاعل الذي يلعبه التدخل الحكومي في المجالين الاقتصادي والاجتماعي (فالسوق له فاعليته المستمرة لكنه بلا عقل ولا قلب) من جانب اخر يمكن القول ان اليمن تمر حاليا بعمليتي تحول هما: التحول الديمقراطي والتحريرالاقتصادي. في اطار هذه التحولات والمتغيرات يحتاج الناس الي دولة تحميهم من غلو السوق وتوحشها حتي يتمكنوا من عبور محطات التحول الرئيسية التي تمر بها الدولة والمجتمع في اليمن، وهنا وجب القول ان اعتماد اقتصاد السوق لا يستدعي ان يكون انتصارا للجشع الشخصي والانانية، وان فشل التخطيط المركزي او تجاوزه لا يستدعي او يعبر عن زوال الاهداف الاجتماعية للتنمية.ولنجاح هذا التحول يتطلب الامر جهودا كبيرة لم تعد الدولة بمفردها قادرة عليها وهنا ظهر المبرر الموضوعي علميا وعمليا لعملية الشراكة مع المجتمع المدني، فلا بد من آليات السوق وتنظيم ممارساتها، ولا بد من تعزيز الديمقراطية وخضوع الحكومة للمساءلة، ولا بد ان يكون للناس القدرة علي انتخاب حكامهم وممثليهم محليا ووطنيا، ولا بد لهم من التأثير في السياسات والقرارات التي تؤثر علي حياتهم (اي لا بد من اللامركزية والمجتمع المدني ). وهنا تبرز العلاقة العضوية بين التنمية والديمقراطية حيث تميل كل منها الي تعزيز الاخر وتطويره وهنا يمكن القول ان الديمقراطية تشكل ضرورة لاستدامة التنمية لانها توسع من حجم المشاركة الشعبية وتضمن ممارساتها لكل الافراد. فالحكومة الجيدة او الحكم الجيد ليس من قبيل الترف بل باعتباره ضرورة حيوية، فالسوق ذاته لكي يتطور ويحقق نموا اقتصاديا يحتاج الي دولة تسنده وتنظم نشاطاته وتحمي عمليات المنافسة داخله وتمنع الاحتكارات وتجدد التشريعات والقوانين اللازمة، وتدعمه بتطوير البني التحتية التي من دونها لا ينجح السوق في مهامه. اي انه مطلوب دولة قادرة علي عملية التوفيق بين ديناميات الرأسمالية ـ السوق ـ وتحقيق الاستقرار الاجتماعي والسياسي: دور محدود للدولة اقتصاديا ودور فاعل اجتماعيا وسياسيا. ان الديمقراطية والحكم الجيد يضمنان توظيف الموارد بطريقة افضل ويلزمان الحكام بتجنب السعي نحو تحقيق مصالح خاصة بل يفرضان عليهم تحقيق المصالح العامة. سابعا: الفساد ودوره في اعاقة التنمية والديمقراطية: اصبح الفساد مدرجا في اجندة جميع المنظمات الدولية و الاقليمية والمحلية وينظر اليه كسبب رئيسي في جهود التنمية البشرية وبناء الحكم الجيد. فالفساد كظاهرة يعني استخدام الوظيفة العمومية للمصالح الشخصية، اي التملك الشخصي للمناصب العمومية الذي يدفع أصحابها الي استغلالها في غير الغايات المحددة لها قانونا. كما انه نتاج ضعف مأسسة الدولة والياتها القانونية وتفاقم الازمة الاقتصادية وما رافقها من سوء الادارة اضافة الي ضعف القضاء وتدخل الحكومة في شؤونه وتأثيرها علي البرلمان مما افقده دوره الاساسي في الرقابة والتشريع. ولما كانت الشفافية احدي ميكانزمات البناء الديمقراطي والتي تمكننا من كشف عمليات الفساد فان وجود قوي في جسم الدولة تعارض بشكل غير مباشر التطور الديمقراطي حيث تري فيه آلية لهدم مصالحها الخاصة التي تعودت علي كسبها من خلال الهيمنة واستغلال النفوذ وهنا تتم اعاقة التطورالديمقراطي بهدف اعاقة الكشف عن الفساد. في هذا السياق يمكن القول ان التحول الحالي في بعض الدول العربية (منها اليمن) نحو الديمقراطية تحكمت النخبة الحاكمة في مسار تطوره وتشكله ضمن نطاق محدود لا يسمح بتجسيد قدرة المواطنين علي انتاج حياتهم الخاصة وتنظيمها بمعزل عن تدخل الدولة. ان الواقع المعاش يشهد اتساع حجم القوي المنادية بالاصلاح والتغيير السياسي وتزايدا في عمليات النقد من خلال الصحافة الحزبية والاهلية. ومع غياب مشروع التغيير او الاصلاح من قبل احزاب المعارضة (جميع الأحزاب والتنظيمات السياسية( حتي الحزب الحاكم (لا تمتلك رؤية متكاملة تتضمن مشروعا وطنيا في الاصلاح السياسي) برزت ظاهرة اهتزاز ثقة الشعب بالحكومة وسياساتها الاقتصادية التي نظر اليها غالبية الأفراد خاصة الطبقة المتوسطة انها لا تحمل في ذاتها أي أمل حقيقي في تحسن أحوالهم المعيشية حاضراً وتزيد من تخوفهم مستقبلاً. اضافة الي اهتزاز او غياب ثقة الشعب بالمعارضة التي اعتبرت غير فاعلة في الشأن العام مقابل بروز فاعليتها في تحقيق المكاسب الخاصة بقياداتها. فالطبقة الوسطي منذ قيام الثورة وحتي اليوم لعبت دورا قياديا فاعلا في عملية التحديث الاقتصادي والاجتماعي والسياسي وقد حصلت علي مكاسب متعددة تم تدميرها باعتماد سياسة اقتصادية جديدة منذ عام 95 في نفس الوقت استفاد من هذه السياسات كبار موظفي الدولة (مدنيين /عسكريين) والقريبون من دوائر صنع القرار الاقتصادي والسياسي فهؤلا يستغلون مواقعهم في ادارة مؤسسات الدولة وتجميع ثروات طائلة دون محاسبة قانونية. ذلك ان احتكار السلطة ادي الي احتكار مماثل للثروة ولحماية هذا الاحتكار كان لا بد من اضعاف او تغييب المشاركة الشعبية واضعاف الممارسة الديمقراطية او تغييبها. هذا الاحتكار مسؤول عن حالات التفاوت الشديد في توزيع الدخل والثروة وتهميش قطاعات واسعة من المجتمع. هنا برز تحالف قوي شكل نخبة متعددة المنابع (كبار المدراء للمؤسسات المدنية والعسكرية مع رموز النظام القبلي مع المستثمرين والشركات الاجنبية ) تعتمد الفساد والافساد والاثراء غير المشروع ونهب المال العام وتهريبه الي الخارج. بمعني آخر ان هذا التحالف شكل طبقة طفيلية تعتمد الريع السياسي اسلوبا للكسب الاقتصادي والوجاهة الاجتماعية ارتبط بها ظهور السوق السوداء والتهريب واضعاف فاعلية المؤسسات العمومية وتغييب دولة القانون واعتماد سياسات خارجية مضادة للمصلحة الوطنية. ثامنا: دور الدولة في اضعافوتدمير ركائز الطبقة الوسطي:الطبقة الوسطي مصطلح واسع في دلالاته ويفتقر الي تحديد تخومه. ولكن اهم ما يميز هذه الطبقة ان دخل افرادها الاساسي ناجم عن العمل الذي يغلب عليه الطابع الذهني والتقني. وهي تنقسم الي ثلاث شرائح عليا ووسطي ودنيا. وقد اتسع حجم الطبقة الوسطي في اليمن منذ ثلاثة عقود باعتبارها نتاجا لعملية التحديث والتنمية الا انها لم تكتمل في نموها الطبقي فلا تزال مشدودة عاطفيا الي البني التقليدية التي انحدرت منها.ولكن كيف تشكلت هذه الطبقة؟ يمكن القول انه في اطار تزايد عمليات التنمية الاقتصادية والتحديث الاجتماعي تبرز تقسيمات اجتماعية جديدة من خلال ظهور شرائح وفئات طبقية جديدة كنتاج لعملية التعليم والتحضر والتصنيع والاعمال التجارية والخدمية والصناعية وبروز المرأة الي سوق العمل والتعليم وتزايد الهجرة الريفية نحو الحضر وهنا تتسع الطبقة الوسطي كما وكيفا. الا انها تتسم بالضعف (ضعف الفاعلية والقدرة) الامر الذي ادي الي عدم توازن القوة بين الدولة والمجتمع فظهور الهيمنة المطلقة للدولة علي المجتمع يغيب معه المجتمع المدني ويضعف او يغيب البناء الديمقراطي كما ان وجود دولة ضعيفة يفرز تنازع القوي المجتمعية مع ميل الي سيطرة القوي التقليدية. ففي حالة البلدان ذات المستويات المنخفضة في التنمية مثل اليمن تسيطر الدولة علي معظم الفرص الاقتصادية المهمة، ومن ثم التحكم في السلوك السياسي للافراد. هنا تضعف فرص التعددية السياسية وتضعف فرص المشاريع الاقتصادية الفردية بسبب تقليص منافسة القطاع الخاص ومزاحمته من الحكومة او من ابناء المسؤولين واقاربهم. هنا يصبح الفساد السياسي والنشاط الريعي الادوات الرئيسية للحركية الاجتماعية والاقتصادية، وهنا يكون الاقتصاد مسيساً ويكون الكسب الاقتصادي الفردي نتاجا للوصول الي السلطة والقوة السياسية او الارتباط بها وليس نتيجة لزيادة الانتاجية والكفاءة. واهم ملامح الوضع المأساوي للطبقة الوسطي (وغالبية افراد المجتمع) ما يلي: تدهور الوضع الاقتصادي للطبقة الوسطي من خلال الانخفاض الكبير في الاجور الحقيقية، فقدان فرص العمل (غلق التوظيف الحكومي وغياب التوظيف الخاص)، زيادة معدل البطالة، زيادة الاعباء المالية التي تتحملها هذه الطبقة نتيجة للسياسات الاقتصادية الجديدة المتمثلة في تحرير الاسعار والاسواق والخصخصة وزيادة الضرائب واعطاء القطاع الخاص مميزات اعفائية وغيابها عن الفقراء وعن الطبقة الوسطي اضافة الي ارتفاع سعر الطاقة وما يترتب عليها من متغيرات عدة. اضافة الي خفض الانفاق العام الموجه للخدمات الاجتماعية (التعليم الصحة المرافق العامة مشروع الضمان الاجتماعي. غياب كلي للتأمين الصحي). ومع التطور الكبير في سوق العمل ومتطلباته من حيث المهارات المصاحبة للتطور التقني ومع رداءة التعليم اليمني فان خريجي الجامعات لا يجدون فرص عمل ملائمة ولا يحصل العاطلون علي فرص عمل اذا لم يتم تدريبهم واعادة تأهيلهم لمواكبة سوق العمل (الحاجة الي تعليم مستمر والي تدريب متواصل). هذه العملية بكل مؤشراتها عملت علي اعادة توزيع الدخل القومي لصالح النخبة الحاكمة والجماعات المتحالفة معها. كل ذلك ترتب عليه اثار سلبية خطيرة (اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا) في عموم المجتمع، اهمها شعور ابناء الطبقة الوسطي بالخوف من المجهول ومن المستقبل غير المضمون نجم عنه حالة من الاغتراب (ضياع المرء وغربته عن ذاته ومجتمعه) وترتب علي ذلك مزيد من العزلة واللاانتماء وتضخيم الشعور بالعجز والانفصال عن المجتمع ومن ثم الميل والاتجاه الي العنف والتطرف والانتقام من النظام السياسي ومن المجتمع. الجدير بالذكر ان ضعف البرجوازية الحضرية (التجارية والصناعية) ساعد في دعم استمرار نفوذ كبار الملاك ومشائخ القبائل وهؤلاء عملوا علي بناء التحالفات مع كبار موظفي الدولة مدنيين/عسكريين (ومعني ذلك ان مصالح الطبقة تتغير باتساع ممارساتها النوعية، اي ان حدود الممارسة الطبقية هي انعكاس للبنية الاجتماعية فالمصالح الطبقية هي مصالح موضوعية وليست متخيلة). هذا التحالف اثر سلبا في بناء الديمقراطية ويتعاظم هذا التأثير في حالة ضعف الدولة ومؤسساتها الرسمية كما اثر سلبا في ضعف المجتمع المدني وحامله الاجتماعي (الطبقة الوسطي، الطبقة العاملة الحضرية). وهنا اصبح الحصول علي عقد عمل مع الشركات الاجنبية وفي الخارج حلم يداعب مخيلة غالبية افراد الطبقة الوسطي وخاصة اساتذة الجامعات للبحث عن نمط جديد للحياة والاستهلاك مقابل ان المجتمع اليمني اخذت تنهار فيه قيم العمل وجودة الاداء لتحل محله قيم الثراء السريع والكسب غير المشروع.تاسعا: العولمة وتأثيراتها الثقافية والاقتصادية والسياسية:بعيدا عن التنظير حول مفهوم العولمة يمكن القول ان المتغيرات الدولية التي تسارعت وتيرتها منذ بداية التسعينات في القرن الماضي وتعددت مظاهرها وآثارها لم يعد بامكان اي مجتمع او دولة ان يعزل ذاته عنها سلبا اوايجابا فالعولمة كحركة تاريخية تستند الي بنية علمية غير مسبوقة في التطور. ولعل اهم سماتها انها جعلت العالم اشبه بقرية صغيرة. هنا يمكن القول ان العولمة عملت علي انكماش مفهومي الزمان والمكان واصبحت الحدود مفتوحة لحركة رأس المال والسلع والاشخاص. ولعل اهم تأثيرات العولمة ليس كما يري البعض في الجانب الاقتصادي بل في الجانب الاجتماعي والثقافي والسياسي. فالعولمة عملت علي تزايد المتغيرات الثقافية واصبحت اهم سمة لعصرنا الراهن انه عصر المعلوماتية حيث الفضائيات والانترنت تقدم لكل فرد مزيدا من المعارف والبيانات والمعلومات بشكل يتجاوز حتي قدراته علي استيعابها. وهنا تبرز تحديات هامة وخطيرة امام الدولة والمجتمع في اليمن ذلك ان مجمل المتغيرات العولمية لا بد من استيعابها ايجابيا من خلال اطر مؤسسية رسمية واهلية وهو الامر الذي يتطلب مزيدا من بناء القدرات واعادة التأهيل المستمر للقوي البشرية. ومعني ذلك ان التنمية البشرية المستدامة هي المدخل الاساسي بل والوحيد للتعامل الايجابي مع العولمة وهذا هو التحدي الذي يجب مواجهته. 7