د. عمار علي حسن
قبل عقود عدة اطلق طه حسين قولته الشهيرة: لا ينبغي ان ننتظر تعليما صحيحا منتجا من جامعة لا يتمتع رجالها بالاستقلال والحرية، وقبل شهور قليلة اوجع اساتذة مصريون قلوبنا بعبارة مفعمة بالمرارة تضمنها بيان احتجاجي لهم قالوا فيه: الجامعات المصرية محتلة من قبل وزارة الداخلية، وجهودنا ستتواصل لتحريرها، وما بين قول طه حسين وما تضمنه هذا البيان شواهد لا تنتهي من اهدار استقلال الجامعات المصرية، التي تعد لها وزارة التعليم العالي حاليا قانونا، قد يجهز علي ما تبقي منها، ان استمرت احوال البلاد في ترديها.
فالعشرات من جامعاتنا لم تنج من حالة التمويت السياسي المنظم التي تعيشها مصر الآن، بل ان هذه الجامعات كانت في قلب المؤسسات المستهدفة لعملية مدبرة رمت الي اخراج قوي اجتماعية مدنية عدة من متن الفاعلية الي هامش عريض من الصمت والفراغ، لتزداد وطأة الركود السياسي، بمختلف اشكاله، من السلبية وغياب المشاركة، والاستسلام للامر الواقع واللامبالاة، والميل الي الحلول الفردية، والرضا بما تجود به السلطة المستبدة، مهما كان قليلا، وحتي لو كانت طريقة منحه مهينة للكرامة الانسانيــة، ولحقوق المواطنة.
والجامعات التي كانت معملا لتفريخ الطاقات الفكرية والسياسية لمصر، تحولت الي مجرد مدارس اولية لحشو الذاكرة بمعلومات ناقصة، كثير منها يذوب علي ارض الواقع، ولا يصمد امام مطالب حياة معقدة، لانه يفتقد الي روح المشاركة، ويفتقر الي المضمون الثري، ولا يعي في مجمله المثل الصيني المعبر الذي يقول اخبرني سأنسي. ارني فقد اتذكر. اشركني سأعي وافهم.
وغياب التفاعل بين الطالب والاستاذ، والذي يغذي قيمة المشاركة ويعزز القدرة علي التعامل مع مسار الحياة خارج اسوار الجامعة، يعود بالاساس الي توحش الوطأة الامنية، التي حدد لها قانون تنظيم الجامعات في مصر حماية المباني، فامتدت يدها الي مصادرة المعاني، وفي مقدمتها المعني السياسي، بشتي تجلياته وابعاده. وترتيب يوميات الجامعات المصرية يدل بجلاء علي قوة قبضة الامن التي تمسك بكثير من زمام الامور داخل الجامعات، وتدس انفها في تفاصيل كثيرة، دون سند من قانون، وفي تدمير منهجي لأحد الادوار المهمة التي تمارسها الجامعات في مختلف انحاء العالم. فالامن في كل الجامعات يتدخل في تعيين اعضاء هيئات التدريس بدءا من المعيدين وانتهاء برؤساء الجامعات، ويحد من حرية الحياة الاكاديمية، بتضييقه الخناق علي اساتذة بعينهم يطلقون افكارا لا تروق للنظام الحاكم، واشتراطه ان يطلع علي اي اتفاقيات علمية او ابحاث مشتركة مع جامعات او جهات اجنبية، او اي محاضر زائر من الخارج، بل يتدخل احيانا في وضع المناهج الدراسية وتوزيع المحاضرات، وحتي رحلات الترفيه التي تنظمها بعض الاسر الجامعية. ويتطور هذا التدخل الي حد الاعتداء البــدني علي اساتذة واعتقالهم. وكل هذا يشهد بان تمويت السياسة في مصر لم يقتصر علي الحركة الطلابية، انما امتد الي الاساتذة. وسلاح السلطة في هذا جهاز امن، لا يقدر ان الجامعات المتحفظ عليها، والموضوعة رهن الاقامة الجبرية، والمحبوسة علي ذمة الابعاد عن ممارسة السياسة ومشتقاتها، لا يمكنها ان تؤدي واجبها علي اي نحو. والخاسر الاكبر في هذا هو مستقبل مصر العظيمة، المرهون هو الآخر لحساب حاضر تعيس.
كما ان تقديم الامني علي العلمي في جامعاتنا، واعلاء الولاء للنظام علي مبدأ الاستحقاق والجدارة او تقديم اهل الثقة علي اهل الخبرة والدراية ادت الي تدهور مستوي التعليم الجامعي، حتي ان آخر تقرير يشمل افضل خمسمئة جامعة في العالم خلا من اي جامعة مصرية، بينما شمل جامعات في افريقيا وآسيا، كثير منها احدث من جامعاتنا. وامام هذا الوضع المخزي يهاجر اصحاب العقول المتميزة الي الخارج بحثا عن الجدوي والكرامة.
وبالطبع فان بعض اعضاء هيئات التدريس لا يقابلون سطوة الامن علي الجامعات بترحاب او سكوت، انما يناهضونها بطرق عدة، لكن هؤلاء قلة وسط القطيع الصامت، وحركتهم تفتقد حتي الآن الي قوة دفع والي حشد يكافئ ما يتعرضون له من انتهاكات، وما يقاسونه من تدخلات امنية سافرة، حولت بعض الجامعات الي سجن كبير. وهؤلاء الاساتذة لا يختلفون في ضعفهم هذا عن قطاعات اخري من النخب المصرية، لا تزال عاجزة عن تحقيق انتصــــارات ساحقة في معاركها المهنية الصغيرة، ولا في المعركة الاكبر، التي ترمي الي اصلاح ما فسد، واطلاق ما تعطل، والظفر بحياة سياسية سليمة البنيان.
اما ما اعدته وزارة التعليم العالي تحت عنوان رؤية لتطوير القوانين والتشريعات التي تحكم مؤسسات التعليم العالي فاذا امعنا النظر فيه، مفترضين حسن النية والرغبة الصادقة والجادة في التطوير والتحديث والاصلاح فسنجد في النص المجرد للمشروع جوانب ايجابية عدة، لكنها معرضة اما الي التجميد او غياب الفاعلية لحساب سلبيـــات عديدة تحذر منها الجماعة الوطنية عامة، والجماعة المهنية ممثلة في اعضاء هيئة التدريس الجامعي خاصة.
علي النقيض، وقياسا علي ما عودتنا عليه الحكومات الاخيرة، في كثير من قراراتها وخططها التي تتم علي حساب المكتسبات والمصالح الوطنية لصالح السلطة او وكلاء الشركات متعددة الجنسيات او فئات صغيرة وضيقة في المجتمع المصري ـ فان المشروع يرمي الي تمرير مسألة معينة وهي انسحاب الدولة خطوة اكبر الي الوراء في تقديم الخدمة التعليمية، مغلفة بمسائل اخري ظاهرها التطوير، لكن ليس هناك ما يضمن تطبيقها علي الوجه الاكمل، في ظل الفساد الذي يلطم الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في مصر، وفي ضوء التوحش الامني، الذي امتد الي الجامعة، وتغلغل في تفاصيل عملها وحياتها التعليمية بشكل مبالغ فيه.
لا احد، يعرف الحق ويخاف علي هذا البلد، ينكر ان التعليم الجامعي بات في حاجة ماسة الي التطوير، لكن هذا الفعل النبيل يجب ان يمتد الي المضمون ولا يقتصر علي الشكل، ويجب ان يكون لصالح الطبقة الاجتماعية العريضة، وليس لحساب شريحة صغيرة، لا تضنيها خصخصة التعليم من الحضانة الي الاستاذية، ذلك لان التعليم ركن متين من اركان حياة اي دولة، وجزء لا يتجزأ من امنها القومي، ورافد مهم لعملية التنمية لانه يوفر راس المال البشري، وما اغلاه، خاصة في بلد لا يملك كثافة في راس المال ولا الموارد الطبيعية مثل مصر. لكن يبدو ان المشروع لا يضع كثيرا من هذا في الاعتبار كما ينبغي، وبقدر ما يستحق من اهتمام. فقد انصبت اغلب مبررات اعادة صياغة اطار تشريعي جديد للتعليم العالي ـ كما جاء في مشروع الوزارة ـ علي البعد الاقتصادي مثل الحديث عن التغير في مقومات النظام الاقتصادي والحراك الاجتماعي و الاتفاقات الدولية المنظمة لتجارة الخدمات و دور المؤسسات التعليمية في برامج التنمية. ثم تاتي فلسفة التشريع المقترح لتتحدث عن الفصل بين ملكية المؤسسة التعليمية وادارتها وآليات تمويل الخدمات التعليمية وتظهر نية الوزارة صراحة في البند الذي يقول: مجانية التعليم هي علاقة مباشرة بين الطالب والدولة، اما علاقة الطالب بالمؤسسة التعليمية فهي علاقة بين طالب خدمة تعليمية ومقدمها بمقابل. وبقية المبررات والفلسفات التي تضمنها المشروع، اما انها اعادة صياغة لبنود تتضمنها القوانين والتشريعات الجامعية الراهنة، او انها صياغات عامة سيسكن الشيطان في التفاصيل التي ستضعها الوزارة، كما سكن في تفاصيل المادة 76 من الدستور وقانوني القضاء والصحافة. وعلي الارجح ستصدر القوانين والتشريعات الجامعية هذه رغم انف اعضاء هيئة التدريس والمطالبين بوقف انهيار التعليم العالي في مصر. وما طرحها للنقاش العام سوي محاولة لامتصاص الغضب وايهام الجميع بأنهم مشاركون في اعداد هذا القانون. فلو ان هناك جدية لهذا الطرح، لطلبت الوزارة من هيئات التدريس انتخاب لجنة تقوم بتلقي المقترحات والمساهمات التي تأتي تعليقا علي مشروع الوزارة العام والفضفاض ثم تقوم بصياغة قانون متكامل يعكس مصالح الجميع، وليس مصلحة فئة بعينها، او اتجاه معين في العمل السياسي والاقتصادي. كما ان مشروع الوزارة لا يبين اجراءات جلية ومتكاملة لتطبيق وتنفيذ ما تحمله البنود الجديدة، او ما يضمن تحقيق الاهداف المعلنة فيه بشكل عادل. فعلي سبيل المثال لا الحصر: ما الذي يضمن ان يكون البند الذي ينص علي ان الاعلان المفتوح هو الاساس في الترشيح/ الاختيار لكافة مستويات القيادات الجامعية هو باب خلفي آخر لمحاباة اشخاص من خارج كلية معينة علي حساب ابنائها؟ وما الذي يضمن ان يتم هذا الاختيار علي اسس امنية بحتة مثل ما يتم اختيار كافة قيادات الجهاز البيروقراطي والمؤسسات الصحافية والشركات الكبري؟
اما ما يثير الضحك فهو نص المشروع علي اشراك المجتمع المدني في ادارة ومراقبة اداء مؤسسات التعليم العالي… وتحفيزه علي المشاركة في اقامتها. فهذا من حيث المبدأ اقتراح رائع، لا جدال في ذلك، لكن كيف يمكن لمجتمع مدني مكبل بسلاسل من القوانين المقيدة للحريات والعمل ان ينهض بهذا الدور؟ ام ان المقصود هو فتح الطريق امام جهات بعينها، صنعت علي عين السلطة، لتتدخل في التعليم، ولا تكون سوي رؤوس حراب لمحاولة اصحاب الحظوة من رجال الاعمال لامتلاك كل شيء في مصر، حتي الهواء الذي يتنفسه الناس.
لقد اعلن جمال مبارك صراحة ذات مرة ان الدولة لن تظل ملتزمة بتقديم تعليم مجاني. ومنذ زمن انشئت المدارس الخاصة في المراحل قبل الجامعية، وتراجعت مدارس الحكومة الي درجة ان مجانية التعليم اصبحت وهما. والآن جاء الدور علي التعليم الجامعي، بعد سنوات من انشاء جامعات خاصة ضعيفة اكاديميا، وهذا هو الهدف الحقيقي لمشروع الدكتور هلال، وكل ما تضمنه المشروع غير ذلك هو دخان للتعمية علي نار الخصخصة المغرضة وغير المدروسة التي تمد السنتها لتحرق تباعا كل شيء في مصر.
ہ مدير مركز ابحاث ودراسات الشرق الاوسط ـ القاهرة8