آنية الورد
محمد حنونآنية الورداسترقت النظر نحو نافذتها.. تبدو الستائر هادئة، كانت الساعة قد تجاوزت الثامنة صباحا، اعتدت أن أري نافذتها مشرعة في مثل هذا الوقت، كانت روحي تتوهج كلما أطلت.. تتكيء بذراعيها علي حافة النافذة.. وتشعل سيجارتها، فتشعل معها قلبي الذي تقتله الأمنيات. كيف سأتحدث معها؟ ما الذي يمكنني قوله لامرأةٍ تحمل في كفيها صولجان السحر والدهشة؟ سأقترب منها حين أراها.. وسأقول ببساطة شديدة..ـ تبدين جميلة اليوم..لا بد وأن وجهها سيحمر خجلا، سترتبك وستتسمر في مكانها بعد أن سلبت عقلها وجعلتها تري في جُرأتي رجلا لا يضاهي، لا بد وأنها ستقضي يومها هائمة، سارحة الروح، أقسم أنها لن تفارق نافذتها المطلة علي نافذتي بعد ذلك. ربما سأتمكن من الخروج معها في اليوم ذاته لتناول القهوة. آه لا.. يجب أن أتمهل، يجب ألاّ أكون عجولا، سأجعلها تعيش حالة الفرح خطوة خطوة. في اليوم التالي سأكتفي بايماءة من كفي، يجب أن أكون حذرا، وأن أبدو وكأنني لست متلهفا.. لأنه قد يصيبها الذعر وتبتعد عني. أعتقد بأنني.. يجب أن أعطي انطباعا جيدا لديها قبل أن أبادر بالحديث معها.. أعرف تماما ما الذي يجب أن أفعله، سأضع آنية من الورد علي حافة نافذتي وسأقوم بسقيها كل صباح، وعليّ أن أتأكد أنها تراني.. عندها سيرق قلبها لي، فأي شيء أكثر سحرا وجاذبية من رجل يهتم بالورود ويسقيها كل صباح؟ الساعة الآن الثامنة والنصف صباحا… بعد قليل ستفتح نافذتها، بعد أن تكون قد انتهت من الاستعداد للخروج الي العمل، سأضع الآن آنية الورد علي حافة نافذتي وحين تفتح نافذتها ستراني. ها هي الستائر تفتح.. يجب أن لا أنظر نحو نافذتها لفترة وجيزة، حتي تظن بأنني لم أرتب للأمر وبأنني لم أنتبه لوجودها علي النافذة. لا بد وأنها تنظر نحوي الآن، سأضع ابريق الماء جانبا وأندمج مع احدي الوردات، سأمسح وريقاتها برفق. يا الهي.. لا بد وأنها قد أسرت الآن بهذا المشهد، الآن ستعرف أنني رجل رقيق يحب الورد؛ وستقابل محاولتي بالتقرب اليها بالقبول، يجب أن أنظر نحوها الآن! .. سأبتسم كما لو أنني تفاجأت بوجودها علي النافذة، ويجب ان ألقي عليها التحية..ـ صباح الخير.لقد ابتسمت لي ! تماسك .. تماسك، كل شيء يسير حسب الخطة، تماسك ولا تنفعل، حافظ علي هدوء ملامحك..ـ صباح النور، يا لها من ورود جميلة. يا لصوتك الرقراق، مباركة هي الدهشة، ومباركة هي النشوة التي جعلتك نطفة في رحم أمك!! صباح النور الذي هو نورك…ـ نعم، انها جميلة جدا… أحب الورود جدا، هل تحبينها؟ـ أنا أعشقها..فلا شيء يضاهيها..يا الهي كم هي رقيقة.. ويبدو أن قلبها قد بدأ بالميل نحوي، يجب أن أبادر الآن بالتقرب اليها. لا..لا تتعجل، تحدث اليها، لا تبدو كالأبله الذي لم يرَ امرأة في حياته!ـ انه الورد المفضل لدي..الورد الجوري الأحمر..ـ الجوري من الورود المفضلة لدي أيضا.. ولكنني أحب التوليب أكثر..اللعنة، فلتبتلعك حمم وشقوق جهنم!! كان يجب أن تحضر أنواعا أخري من الورود تحسبا لشيء كهذا. قل شيئا يا كتلة الغباء… ولا تقف كلوح خشب.ـ التوليب أيضا من الورود المفضلة لدي.. ولكن الورود تتشابه.. وكلها جميلة بالنسبة لي..ـ نعم صدقت.. كل الورود جميلة.ـ هل تسمحين لي، أقصد… أرغب أن أعطيك وردة؟ـ لا أرجوك.. الورود أجمل حين تبقي حية ونضرة، لا تقطفها..كدت أن أقع في الخطأ ثانية، فكر يا لوح …فكر، استخدم عقلك قبل أن تقول أي شيء، انها فتاة رقيقة جدا، ومن المؤكد أنها لن تقبل بقطف الورود، كم كان سيكون الأمر مختلفا لو أنك قلت..بأنك ترغب في إعطائها آنية الورد.. يجب أن تصلح الأمر… والا فاللعنة عليك ان ضيعت فرصة كهذه..ـ قصدت أن أقول.. هل تسمحين لي أن أعطيك آنية الورد هذه؟ ثم انني لا أحب قطف الورود أيضا، أشعر بأنها تتنفس ولها روح مثلنا.ـ كم أنت رقيق.. شكرا لك.ـ هل يعني هذا قبول هديتي ؟ـ نعم وسأكون شاكرة لك.. ولكن كيف سآخذها منك؟ـ دقيقة واحدة وسأكون أمام باب شقتك!! هل تمانعين؟ـ لا أبدا.. ولكن أرجو أن لا يكون في الأمر مشقة عليك؟ـ أبدا، دقيقة واحدة!حمل وليد آنية الورد، وقلبه يرقص فرحا، بدت له الغرفة أكثر اتساعا من أي وقت مضي، وشعر بأن ساقيه أكثر خفة. فتح باب غرفته وهو يدندن لحنا فرحا. في تلك اللحظات.. استنفر الممرضون في مشفي الأمراض العقلية حين شاهدوا وليدا يحمل دلو الحمام، مسرع الخطي ومتوجها نحو الخارج. قال أحد الممرضين دون انفعال.. “فليتصل أحدكم بالأمن..وليد يحاول الهروب مرة أخري..سأجهز ابرة المهدئ . كاتب وفوتوغرافي من فلسطين يقيم في أمريكا0