مجتمع يدفع ثمن الفساد… والمفسدون ينتظرهم القدر!

حجم الخط
0

المسلسل السوري غزلان في غابة الذئاب:

دمشق ـ “القدس العربي” ـ من أنور بدر: عندما نحت الدراما السورية باتجاه القضايا الاجتماعية، كان طبيعياً أن نشاهد تكراراً في الكثير من الموضوعات المعالجة، وبشكل خاص قضايا الفساد باعتبارها عنواناً رئيسياً للواقع السوري، بل هي معاناة يومية للمواطن، ومع ذلك كانت تشكل خطاً أحمر سابقاً، لا يجوز الاقتراب منه أو تجاوزه، لكن الدراما السورية نجحت بتخطيه كما يري البعض، في حين يؤكد آخرون أنّ النظام نفسه الذي يرفع شعار مكافحة الفساد له مصلحة بالتشهير ببعض الفاسدين والمفسدين، خاصة إذا كانوا من ذوي الملفات المحروقة، وبعضهم يعتقد بوجود إدارة رقابية تقوم بتسريب تلك الملفات الفاسدة لتبرئة ذمة البعض ممن يرفع شعارات مضادة.

فمسلسل علي طول الأيام يتناول قصة رجل فاسد متورّط بقضايا أطعمة فاسدة ونفايات صناعية ملوثة، تحيل بالضرورة إلي نائب الرئيس السابق عبد الحليم خدام وأنجاله المتهمين بالتورط في قضايا دفن النفايات النووية والتي تمّ إثارتها في الإعلام وتحت قبة البرلمان- مجلس الشعب السوري- إثر انشقاق خدام من صفوف النظام والتحاقه بالمعارضة في الخارج. ومع ذلك لم يُعرف ولم يُسمع عن تحقيق قضائي نزيه بهذه المشكلة.

مسلسل غزلان في غابة الذئاب يتعرّض بدوره لمظاهر الفساد المستشري، من جراء الممارسات السيئة لبعض المسؤولين وأبنائهم، ويتوقف مع ابن أحد كبار المسؤولين والـــذي لا يتورع عن تصفية كل من يقف في سبيل نــزواته الدنيئـــة، مستغلاً سلطة والده، بل يصل الأمر حد سرقة الأختام الرسمية لوالده، لتسيير صفقاته المشبوهة. وقد أحال بعض الإعلاميين هذه القضية إلي رئيس الوزراء السابق محمود الزعبي الذي قيل أنه انتحر أثر فضائح الفساد التي فتحت ملفاتها عام /2000/، مع أنّ المخرجة رشا شربتجي تؤكد في لقاء مع وكالة الأنباء الفرنسية أنها لم تقصــد شخصاً بعينه، إلا أنه ورغــــــم كل الشكوك السابقة، لم ينج المسلسل من مقص الرقابة التي حذفت منه ساعة ونص قبل العرض، وهذا ما حوّل المسلسل من /30/ حلقة إلي /29/ حلقة فقط.

مما يميز الجرعة الدرامية لهذا الموسم أنها طالت الفساد في الأوساط الرسمية، فمسؤولون في قمة الهرم السلطوي يمارسون كل أنواع الفساد المادي والخلقي بآن ٍ معاً، وقد نجحت رشا شربتجي بتصوير ذلك علي خلفية التناقضات الطبقيّة والاجتماعية التي غدت حادة في سورية، ففساد المسؤولين ومافيا التجار ينعكس بشكل ٍ مباشر علي الطبقات الشعبية التي تشكل مرآة تعكس هذا الخراب أو التخريب، وهي في نفس الوقت مجال طمعهم وجشعهم أيضاً.

فمقابل سامر قصي خولي ابن المسؤول خالد تاجا والذي يستغل منصب والده لإرهاب الآخرين والتحكم في مصيرهم، وبشكل خاص الفتيات اللواتي هنّ مكمن رغباته المريضة، فيقيم علاقة مع أي فتاة تقع في طريقه، ورغماً عنها، ولن يتواني في تصفية أي شخص يعترض طريقه، مع الأخذ بعين الاعتبار أنّ الموظفات في مكتب والده هنّ بالضرورة محكومات بإقامة العلاقة التي يفرض هو شكلها كجزء من عملهم اليومي، ويصل به الأمر إلي ضربهن وامتلاك مفاتيح منازلهنّ، وحتي يمنع ارتباطهنّ الشرعي بأيّ رجل، وسق علي هذا. وأعتقد أنّ قصي خولي قد تفوّق كممثل في أداء هذا الدور علي كاتب السيناريو فؤاد حميرة، حتي أنّ أغلب المشاهدين تلبسهم الدور لدرجة أنهم كرهوا الممثل لكثرة نذالة الشخصية التي يلعبها.

إلي جانب قصي لعبت عبير شمس الدين دور الفتاة المدللة، التي تمارس سلطة والدها حتي علي زوجها، العصبية والمزاجية والحديّة العالية في التعامل، إلي جانب الهلوسات الدائمة المتعلقة بحب زوجها رافي وهبي لها أو خيانته، إنّ تمردّه علي أيّ من هذا سيعرضه لعقاب ٍ شديد من رجال والدها!

أقول مقابل هذا النموذج نجد أمل عرفة بائعة خضراوات في سوق التنابل، فتاة أميّة وبسيطة، تهرب من فقر الريف ومتسلطيه، لتقف أمام فقر المدينة وجبروت متنفذيها القساة، وحين تحاول بطبيعتها وسذاجتها الادعاء علي نجل احد المسؤولين، لا يتورع عن إيداعها مشفي المجانين، حيث تمارس عليها شتي أنواع الضغوط النفسية والجسدية وصولاً إلي الاغتصاب.

وفجيعتها الكبري عندما تخرج من المستشفي أنّ كل الناس الفقراء الذين توهمت أنها معهم وتدافع عنهم كانوا يرفضونها ويبتعدون عنها. لينتهي بها المطاف وقد قتلت نفسها.

النموذج الثالث كان ايمن رضا، وهو ينتمي لتلك الشرائح الفقيرة، يعمل بائع متجوّل في حارات دمشق، يبيع بطاقات اليانصيب والشوكولا والعلكة وغيرها ليتمكن من إعالة أسرته، فهو الأخ الأكبر وعليه تحمل مسؤولية تعليم أخوته الصغار، ومساعدة أخته الكبيرة أمل عرفة في مأزقها الصعب، يحاول تغيير عمله لتحسين مستوي دخله دون جدوي، فلا يجد مهرباً إلا بالإدمان علي تعاطي الحشيش.

النموذج شبه المطلق في سلبيته كان الأخ الأصغر لعب دوره محمد حداقي، ممثلاً عن كل أبناء الطبقات المسحوقة ذوي الطموح بالثروة والسلطة مهما كان الثمن، ولو وصل إلي عائلته من أخته أو والدته. لا يعرف للولاء معني، بل يبيع نفسه لصاحب الثمن الأعلي، وبين هذا وذلك تنسحق الفتاة الصغيرة ديمة بياعة في حب رجل ملتزم هو والد خطيبها جهاد سعد تبحث لديه عن معني الأب، عن قليل ٍ من الحماية وشيء من الهدوء. شخصيات مركبة اشتغلت عليها المخرجة بشكلٍ لا فت للانتباه، حتي أنّ أمل عرفة نالت في استبيان صحيفة الأنباء الكويتية 14/10/2006 ثاني أفضل تمثيل في الدراما السورية بعد بسام كوسا، علما أنّ الاستبيان شمل مساحة دول الخليج العربي بالإضافة إلي مصر ولبنان.

ولا يُمكن الحديث عن الممثلين في هذا العمل دون التوقف مع الدور الرائع لخالد تاجا المسؤول الذي يتغاضي عن هفوات أبناءه ونجله خاصة ً حتي يودي به إلي الموت، وكذلك الفنانة القديرة ثناء دبسي في دور أم العائلة الفقيرة التي تعمل في إعداد أنواع الخضار لسوق التنابل في حي الشعلان بدمشق، وهو من الأدوار الجميلة التي أعادت إلينا هذه الممثلة القديرة عبر شاشاتنا الرمضانية.

الملاحظة الأخيرة أنّ كاتب السيناريو فؤاد حميرة ربما يكون اتكأ علي حادث وفاة ثلاثة من أبناء المسؤولين في حادث سيارة، لينهي حياة بطل الفساد سامر عندما تنزلق سيارته من فوق جبل قاسيون، في الحلقة العشرين من هذا المسلسل. وهي النهاية التي شكلت نقطة ضعف للعمل أصلا، إذ ظهر القدر لينتقم لأولئك المسحوقين في ضعفهم. مع أنّ هذا الانتقام كان يجب أن يظل مساحة الفعل الدرامي بين قوي المال والسلطة وبين الناس وقوي المجتمع وفئاته الشعبية، حتي لو غابت تلك القـوي الثانية عن الفعل لأسباب ندركها نحن في سورية، إلا أنّ وجودها يشــــــكل بصيص الأمل الوحيد في حلكة هــــذا الواقع الفاسد، إلا أنّ المخرجة التي أفلحــت كاميرتها في دخول زوايا معتمة من مجتمعنا، وصورت في أحياء دمشق الفقيرة وبيوتها القديمة مقابل تصوير بيوت المسؤولين وبذخ الأثرياء، شاءت أن تطفئ ذلك البصيص من الأمل حين ذهب أيمن رضا إلي الإدمان، وخرجت أمل عرفة بيأس قوي جزاء تنكر المجتمع لها، ثم تدخل القدر أخيراً لينهي حياة قصي خولي بحادث سيارة.

السؤال: هل هي فعلاً سقطة العمل؟ أم أنّ المخرجة قد حملت إلينا كل هذا اليأس والقنوط من إمكانية الفعل أو التغيّر في الواقع؟! علامات استفهام تحتمل اللبس، لكن العمل سيبقي رغم ذلك من أقوي الأعمال الدرامية في هذه الدورة الرمضانية، ويؤكد أنّ رشا شربتجي التي شاهدناها العام المنصرم في مسلسل أشواك ناعمة وهذا العام بعمل غزلان في غابة الذئاب قد نجحت بوضع بصمتها بين كبار مخرجي الدراما السورية، بانتظار ما سوف تقدمه لنا مستقبلاً.

العمل من إنتاج مشترك بين شركتي لين و الشرق، وضمّ نخبة من نجوم الدراما السورية، خالد تاجا، ثناء دبسي، أمل عرفة، سامر المصري، أيمن رضا، سلمي المصري، صباح بركات، محمد حداقي، جهاد سعد، نادين تحسين بك، عبد الحكيم قطيفان، ديمة قندلفت، ديمة بياعة، عبير شمس الدين، وآخرين.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية