ربما كان اجتماع مكة للمرجعيات الاسلامية خطوة هامة علي طريق وقف الاقتتال المذهبي في العراق.
اهميته تنبع من ان الصراع الدائر اليوم قد اخذ هويته وعبرّ عن نفسه بشكله الحقيقي: صراع مذهبي يعود بالناس الي اكثر من الف عام وهو الامر الذي لم يعد ينفع معه القاء جميع تبعاته واسبابه علي الاحتلال الامريكي.. وتبدو محاولة تغطية هذا الصراع بمقولة (الاخوّة السنيّة ـ الشيعية) بسيطة وسمجة.. ولم تعد قابلة للتصديق. اجتماع مكة بيّن للعالم اجمع ان اطراف الصراع داخلية وهو امر حسن.. ان نعترف كحد ادني بحقيقة القتل الذي يعيشه الشعب العراقي اليوم فعمليات الاختطاف والاعتقال والتعذيب والقتل الهمجي والجثث التي بلا هوية.. فضلا عن التفخيخ والمجازر التي اكثر ما تستهدف المدنيين والابرياء يقوم بها (الاخوة!!) بحق بعضهم، انها خطوة نحو ادراك الواقع ونزع الشعارات والايديولوجيا عن طبيعة الصراع.
وبغض النظر عن بنود الوثيقة التي وقعت عليها اطراف هذه المرجعيات وهي بنود هامة بمجملها الا ان فاعليتها علي الارض قد لا توازي هذه الاهمية.. وهذا يعود لعدة اسباب اهمها، ان هذه المرجعيات تعتبر درجة ثانية بالنسبة لعموم العراقيين وتأثيرها محدود وغير فاعل بغياب مرجعيات الدرجة الاولي.
آية الله العظمي السيد السيستاني الذي يعتبر بحق المرجعية الممتازة عند الشيعة في العراق والذي اختصر كيسنجر اهميته ذات يوم حين قال (ان فتوي من السيستاني بمقاومة الاحتلال الامريكي كافية لخروج جحافلنا من العراق خلال ايام معدودة!!).. وبالطبع هي الفتوي التي لم يقم بها السيستاني.. وان كان الغموض يلف دور السيستاني الحالي ويكثر الحديث عن عدم قدرته علي اتخاذ القرار الذي يريد بسبب محاصرته والتعتيم عليه من قبل اطراف شيعية فاعلة علي الارض.. فلا احد يستطيع تأكيد او نفي حقيقة موقفه واسبابه في عدم حضور اجتماع مكة او كحد ادني ارساله ممثلاً شخصيا عنه.
وبدت رسالته الي الاطراف التي اجتمعت وتأييده ومباركته للوثيقة، غير مقنعة وغير فاعلة واقعيا لان اسباب عدم حضوره وتوقيعه ظلت مبهمة.
يري البعض ان احتضان السعودية لمثل هذا اللقاء قد يكون وراء عدم حضوره بسبب الصراع الضمني بين الرياض وطهران علي قيادة العالم الاسلامي والاهم بسبب مواقف الرياض مؤخرا من الحرب الاسرائيلية ـ اللبنانية وادانتها غير المباشرة لحزب الله واعتباره مغامراً بدماء الناس وارواحهم.
غياب السيستاني قابله غياب المرجعية الاهم عند العرب السنة في العراق وهو الشيخ حارث الضاري الامين العام لهيئة علماء المسلمين والذي يعتبر بحق ايضاً المرجعية القادرة علي توجيه غالبية العرب السنة في العراق.. فبعد ان كان الرجل متحمسا للقاء مكة عاد واكد ان تمثيل مرجعيات العرب السنة الدينية في هذا اللقاء سيكون بمستوي تمثيل مرجعيات العرب الشيعة الدينية وبالتالي غاب عن اللقاء مع غياب السيستاني.
كلا الرجلين يمثلان الجزء الاكبر من الارادة والذات والفعل عند العرب العراقيين شيعة وسنة.
كان يمكن لمؤتمر مكة ان يكون لقاءً تاريخياً ويوقف نزيف الدم العراقي بشكل حقيقي.. لو اجتمعت الارادة الاقليمية والدولية علي ذلك.. واشنطن، طهران، الرياض، وربما انقرة ودمشق والقاهرة.. الا ان المؤتمر بهذه الصورة لم يتعد صفحة من صفحات الراحل ديستوفسكي في روايته العظيمة (الاخوة كارامازوف)!!.. فخر الدين فياض/كاتب وصحافي سوريمدير تحرير جريدة الاخر6