في حفل احياء ذكري التشكيلي اسماعيل شموط درويش: نحن شظايا قصائد أعاد الفنان تشكيلها وتجميعها في اطار

حجم الخط
0

نوال العلي

عمّان ـ “القدس العربي” مصغياً لأزيز الرصاص البعيد أحياناً، ومفتونا بالموسيقي والشعر وزوجي الكناري العاشقين أحياناً أخري استعاد الشاعر الفلسطيني محمود درويش في حفل احياء ذكري الفنان التشكيلي الفلسطيني اسماعيل شموط الذي أقيم في المركز الثقافي الملكي أول من أمس ذكرياته في بيت شموط وصورة الماضي الذي صاغته صداقة جمعت بين المبدعين، وكأنهما بلغاريان منفيان يتبادل درويش وشموط كلما التقيا فعل التذكر والحنين لمدينة صوفيا، حيث تآخيا كجناحي طائر منذ أربعين عاماً، درويش القادم من أرض ذاكرته، وشموط القادم من مستقبل منفي الشاعر. لم يكن درويش يقلب في صور الماضي بل كان يثير تساؤلات انسانية وأخري فلسطينية موجعة، أسئلة صاغت روح الاثنين معا، هل قدر للجماليات أن تبقي أسيرة التراجيديات؟. و هل حكم علينا أن ننشغل الي ما لانهاية بتقديم البراهين علي أننا نحن نحن، وعلي أننا كائنات بشرية لا أشباح، وأن لنا بلاداً هي أرض لا بطاقة بريدية؟. ويزيد درويش من وطأة الحيرة بقوله الي متي يظل الوطن في حاجة لبراهين جمالية، والي متي يظل الفن في حاجة الي براهين وطنية؟.

يقف درويش أمام فن شموط ويري انساناً كرس طاقاته الفنية وحياته كلها ليؤرخ للتراجيديا الفلسطينية المستمرة، فصار أيقونة فنية وطنية. صار الرسام هو اللوحة. ومن يمكنه نسيان شموط الذي لا يأذن لأحد بنسيانه، وهو الذي واظب علي الصداقة مواظبته علي العمل كما يصفه درويش، مستذكراً تفقده لأصحابه في كل مناسبة من دون أن يرحم قلبه المفتوح كحديقة عامة من أعباء الحب.

كان شموط صديق درويش الي حد لم يسأله لماذا لا يعلق له لوحة علي جدار، والي حد لم يسأله درويش لماذا لم ير له كتاباً في بيته. وافترق الصديقان من دون أن يقول أحدهما للآخر أيضاً أين ذهب الموضوع بالذات وأين جنحت الاستعارة بالموضوع.

الفنانة التشكيلية تمام الأكحل زوجة شموط منذ عام 1959 والتي حارت ماذا تقول بعد أربعة أشهر من الفقدان عن اسماعيل الحبيب، الزوج، الأب والجد عن بيتهما الذي سمي بيت الشعب وكيف صنع الاثنان الجمال من قسوة الحياة. واستغرقت في تداعيات حميمة كأنها تعيشها للمرة الأولي.

تقول الأكحل دعاني للغداء وكلمني عن حلمه الأكبر قائلا: (يد واحدة لا تصفق، ولا طير يطير بجناح واحد) ولما أجهده الخجل اختفت كلمات الحب عن لسانه مع أن عينيه كانتا تنطقان به، وعند لحظة الوداع سلمني رسالة تعلن عن حب في قلبه قد أورق.

لا زالت الأكحل منهمكة بيوميات الحبيب الراحل، لا زالت تفكر بتفاصيله الدقيقة: متي ينام؟ وماذا يأكل؟ فاسماعيل لا يحب المعجنات، و أغراضه مرتبة ومكتبته دقيقة التنظيم، ولا ينام الا بحبوب منومة. وعندما يشعر بأن لدي تمام رغبة في الرسم، يأخذ دور الأم والأب معا، و يقدمها عن نفسه أحيانا، فخورا بها كزوجة وأم وفنانة ورفيقة درب وعمر، ولم يكن أبا لابنائه فقط وانما كان أيضا أبا حنونا معطاء لكل الفنانين.

من لوحاتهما صنعا وطناً يعيش فيه المتلقي في الاغتراب، وجاهدا لتجميل الحياة، لأن فيها ما يستحق العيش من أجله، وتختم الأكحل حديثها الي شموط قائلة يا حبيبي يا اسماعيل حملت وطنك بين أضلعك فعاش معك أينما حللت في المنافي، وطلبت يا اسماعيل من الجراح الألماني: اذا كانت هناك خطورة يا دكتور اتركني لأرجع وأكمل لوحتين نفسي أعملهما من أجل وطني وشعبي، فأنا فلسطيني. سفيرة الأردن في روما الأميرة وجدان علي شاركت في هذه الذكري عبر كلمة بعنوان الفنان الفارس ألقاها نيابة عنها مدير المتحف الوطني للفنون الجميلة د. خالد خريس. وصفت فيها شموط بأنه الفارس الذي يختلف عن المحارب بأنه لا يترجل عن جواده أبداً. فلا زالت ريشته تنتظر ولوحته الأخيرة لم تنته وهو يسأل طبيبه متي يستطيع العودة ليتمها، وتري علي أن شموط استغل موهبته ليذود بها عن حقه المغتصب وأن العمل الفني لا يقتل ولا يسيل دماً ولا يخلف ضحية بل يغذي العقل ويبدل صورة نمطية رسمتها الأذهان المعادية، وتعد علي أعمال شموط توثيقاً لحكاية شعب سلبت حقوقه ولكنه ظل متمسكاً بانسانيته ليكشف بهدوئه وفنه كذبة أرض بلا شعب وشعب بلا قضية.

عضو المجلس الفلسطيني الأسبق الكاتب شفيق الحوت كان له دوره أيضاً، فهو رفيق شموط الذي يعرف تفاصيل طفولته ومعاناته، يقول الحوت كانت بداية مشواره من قاع الدنيا، بدأ اسماعيل الفتي اولي خطوات حياته بهموم الرجل المسؤول عن عائلة، فباع الكعك مقابل كعكة يأكلها، وباع حلوي الصغار من دون أن يجرؤ علي تذوق شيء منها، كان يلف طول النهار بين المشردين من امثاله يبيعهم ما يحمل فوق رأسه، وكانوا يردون له الثمن مشاهد من المأساة تنطبع في خياله ألوانا غاضبة. ووجوها تصرخ وعيونا تدمع بالدم. تحولت فيما بعد الي شهادات وثائقية عرفناها بأسمائها الحقيقية، مثل جرعة ماء، و الي اين و ذكريات ونار و هنا كان ابي وغيرها. ويضيف الحوت ستنسي الأجيال القادمة اسماء رجال كثر من تاريخنا الفلسطيني الحديث، لكن اسم اسماعيل شموط سيبقي خالدا في ذاكرة الأجيال كلما وقعت أعينهم علي لوحة من لوحاته التي كان يحملها كالصلبان فوق كتفه. وكان أمين عام زارة الثقافة الشاعر جريس سماوي استهل الحفل الذي أقامته مؤسسة التعاون ومؤسسة عبد المحسن قطان مستعرضاً مسيرة شموط الذي فتح عينيه علي المكان الفلسطيني قبل خرابه فتشكلت لديه الرؤية الأولي حتي نكبة عام 1948 حين هاجر وأطل علي رؤي بصرية أخري اختزنتها ذاكرته لرحلة الانسان الفلسطيني. بدأ الفنان مسيرته يرسم ما التقطته ذاكرته من نظرات الحيرة والتيه لجمع البشر وملامح الغضب والعناد الفلسطيني المقدس ورفع الهامة عالياً بحجم فلسطين.

انتخب في عام 1969 كأول أمين عام لاتحاد الفنانين التشكيليين الفلسطينيين كما أصبح أول أمين عام لاتحاد الفنانين التشكيليين العرب في عام 1971، أقام الفنان الراحل العديد من المعارض الفنية في شتي أنحاء العالم وله العديد من المؤلفات والكتب وله فيلمان وثائقيان وأسطوانتان موسيقيتان وحصل علي العديد من الأوسمة والدروع. كما أعلن مدير مؤسسة القطان عبد المحسن القطان عن جائزة للمبدعين سوف تخصصها المؤسسة باسم الفنان اسماعيل شموط، وذلك في كلمة تناول فيها علاقة شموط بالمؤسسة في سبيل العمل للمحافظة علي التراث الفلسطيني الذي راهن الاحتلال علي أنه سيتلاشي مع هذا العدد القليل من الشعب. ومن مريدي الصالون الموسيقي الذي أقامه شموط في منزله د. أيمن تيسير الذي قدم مقطوعة موسيقية مع مجموعة من العازفين من قالب السماعي الذي عشقه شموط الحريص علي دعوة الأصدقاء لتذوق الموسيقي العربية. وفي ختام الحفل قدم د.

حاتم الشريف بانوراما بعنوان ذاكرة بصرية بدأها بعبارة ذهبت الي حيث يذهب الجميع، وبقيت حيث يبقي الخالدون. واستعرض الشريف في البانوراما أهم أعمال الفنان الراحل متناولاً تطور مسيرته الفنية وتدرج مراحلها.

يده هي التي تري وقلبه هو الذي يرسم محمود درويش اذا كانت حياة الفنان المستمرة هي أعماله التي تجدد حياتها بمنأي عنه، فنحن اليوم، وغدا لا نودع اسماعيل شموط.. بل نستقبله عائدا من معركتين منتصرا:

الأولي ـ صراع الفن مع الموت القادر علي اتقان مهنته الأبدية، والعاجز في الوقت ذاته عن تعريف الخلود الذي لا شأن له به، فالخلود هو صناعة الفنان، آثاره التي نحدق اليها منبهرين بتحول المخلوق الي خالق.

والثانية ـ هي صراع الفن مع وحشية التاريخ الذي اقتلع بجرافته العملاقة شعبا من جغرافيته، وألقي بفتي يافع الي البرية، محمّلا بسؤال ما زال يطاردنا: الي اين؟

هل كان الفتي يعلم أن بوسع ريشته الطرية أن تعيد بناء ما انكسر من المكان والزمان؟ الموهبة تسبق وعي المهمة، ومن التجربة ولدت هذه الموهبة التي أدركت في ما بعد أن عليها أن تخوض حرب الذاكرة ضد النسيان، وانتصر الفنان علي ما أعد له ولشعبه من مشروع خروج من التاريخ الي التيه والنسيان.

نحن هنا، اذن، للاحتفال بقدرة الروح الابداعية علي الاختراق، وعلي تعميم الرجاء والعزاء لموتي لم يموتوا، ولأحياء لم يضيقوا ذرعا بحياتهم، نحن هنا لتحية اسماعيل شموط، لا لأنه كان رائد الفن التشكيلي الفلسطيني، كما درجنا علي هذا القول السهل الذي لا معني، فنيا، له، ولا لأنه أقام أول معرض للرسم الفلسطيني، ولا لأنه كان رئيس اتحاد التشكيليين العرب، فـــتلك أوسمة تليق بجنرال متقاعد، لا بفنان أمضي أكـــثر من نصف قرن في البحث عن هوية فنية متداخلة مع هوية شعب حرم من التأمل الحر في ذاته الانسانية خارج ما أُعد له من مصائر.

اسماعيل فينا سيرة ومسيرة، ذات ذابت في الموضوع، وأقامت الموضوع في الذات. ومن فرط ما هو هو وليس هو في آن واحد، ُخيّل الينا نحن المثبتين في زيت اللوحة، أننا شظايا قصائد أعاد الفنان تشكيلها وتجميعها في اطار.

لا يحتاج الفلسطيني كثيرا الي صرامة النظرية ليتساءل عن علاقة الشخصي بالعام، وعن تحديد مفهوم الالتزام، فهو يولد متورطا بالسليقة.

في كل سيرة شخصية سيرة عامة. وفي كل فرد جماعة، يكفي أن يتذكر اسماعيل طفولته في اللد ليرسم جمال الطبيعة، وهجرته ليرسم أحزان النكبة، وصباه بائعا متجولا للحلوي ليرسم الشجن، وتل الزعتر ليرسم المأساة والبطولة، وحصار بيروت ليرسم الصمود والغضب، وصبرا وشاتيلا ليرسم الضمير الانساني طعاما للكلاب الضالة، والانتفاضة ليرسم الأمل، ويكفي أن يتذكر الغد ليرسم المرآة.

في الذاكرة فــــردوس مفقــود، وفي الواقع، لا مكان للفرح الصغير الا اذا مر يــــوم واحد بلا مجزرة. عندها يرتاح اللون الأحمـر من الصراخ ليتقدم أصفر الاقحوان بحياء الي اللوحة. كأن اسماعيل لص نبيل يتربص بفرح قليل.. فيه من جمال السراب وعده بالعطش.

ولهذا تطل من سكتشاته الشفافة امرأة عارية كطيف سريع الاختفاء، لا خـوفا من تمــام، بل خــوفا من مشــاهدين ظـن اسماعيل انهم لن يغفروا للفلسطيني المنمط اختلاس النظر الي رخام أنثوي فاتن.

هنا، ينقضّ علينا السؤال: هل قدّر للجماليات أن تبقي أسيرة التراجيديات، ليس هذا قلقي وحدي، بل قلق اسماعيل الذي رسم لنا صورنا المتحولة، فرسمنا له صورته الثابتة كم حاول أن يتمرد علينا وعلي نفسه، وأبقي تمرده سرا للقلق. وحاول أن يغير ويتغير فعدّد أشكاله وألوانه وغيّرها داخل الثابت المتوقع، لا هنا الا هناك، لم يسع الي تحرير الذات المبدعة من موضوعها، بل حاول أن يوسع ضفاف الموضوع لتتسع لما في الذوات الفردية من تعدد وتفرد وطبائع ونوازع ليست كلها وطنية بالضرورة، لكنه توجَس من سوء فهم يضع حواجز التمييز بين الوطني والانساني، ولا يري مجالا حيويا للهوية الوطنية خارج الصدفة، من فرط ما تتعرض له هذه الهوية من تهديد خارجها.

هل حكم علينا بأن ننشغل الي ما لا نهاية بتقديم البراهين علي أننا نحن نحن، وعلي أننا كائنات بشرية لا أشباح، وعلي أن لنا بلادا هي أرض لا بطاقة بريدية؟ ربما.. ربما، ولكن في وسع الفن أن يستبدل البرهان بالبديهة، وأن يتساءل: الي متي يظل الوطن في حاجة الي براهين جمالية، والي متي يظل الفن في حاجة الي براهين وطنية؟ قال فنان فرنسي ان البراهين تضجر الحقيقة.

ومن سوء حظنا التاريخي أن هذا القول قد لا يخصنا.

هل لنا ان نسأل ان كان اسماعيل شموط قد ضحي بامكانياته الفنية الهائلة من اجل البرهان؟ كلا، الأصح هو أن نقول انه كرّس طاقاته الفنية وحياته كلها ليؤرخ للتراجيديا الفلسطينية المستمرة، بلوحات تشهد علي بطولات شعب حوّل اليومي الي اسطوري بصموده أمام مشروع الموت السياسي، وبشبقه الي حياة لا تعرّف ماهيّتها الا بالحرية، وتشهد علي قوة الروح الابداعية المنتصرة علي الزائل بالخالد، فصار اسماعيل أيقونة فنية ووطنية، صار الرسام هو اللوحة.

لا يأذن اسماعيل لأحد منا بأن ينساه، فهو المواظب علي الصداقة مواظبته علي العمل، يتفقدنا في كل مناسبة، ولا يرحم قلبه المفتوح كحديقة عامة من أعباء الحب. هو الصديق الدائم المبتسم المتواضع المحتشم كعشبة، كان صديقي الي حد أنه لم يسألني لماذا لم أعلق لوحة له علي أحد جدراني المتنقلة، وكنت صديقه الي حد أنني لم أسأله لماذا لم أر كتابا لي في بيته، وكان لصداقتنا مكان ولادة بعيد: صوفيا، هناك التقينا منذ حوالي أربعين عاما، وتآخينا كجناحي طائر: أنا القادم من أرض ذاكرته، وهو القادم من مستقبل منفاي، وكلما التقينا تذكرنا صوفيا كأننا بلغاريان منفيان!

وفي بيروت، مع شفيق الحوت وسائر الأحبة، صرنا أسرة واحدة منكبة علي قراءة أحوال الغيب والغد، سالمين من عدوي الوهم تارة، ومصابين بتداعياته تارة أخري، وفي بيت اسماعيل، نسمع أزيز الرصاص القادم من حماسة الجامعة العربية، ونواصل الاستماع الي الموسيقي والشعر. وبينما يصمت زوجا الكناري العاشقان، تواصل أسماك الحوض الملونة سباحة النوم. أما سمسم السعدان الذي اكتفي من لغة البشر بالاشارات الخائفة، فقد لجأ الي روضة أطفال لتعليم الاشارات بعيدا عن لغة الرصاص.

افترقنا، دون أن اسأل اسماعيل: لماذا لا يرسم سمسم والسمك وزوجي الكناري؟ ودون ان اقول له: حافظ علي الذاتي، ولو قليلا، من جشع الموضوع، ودون ان يقول لي: حافظ علي الموضوع من جنوح الاستعارة!

اسماعيل شموط: يده هي التي تري وقلبه هو الذي يرسم!

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية