غموض نوويّ
اماني عوادغموض نوويّ لا تقرّ اسرائيل رسمياً ولا تنفي امتلاكها برنامجاً نووياً، فسياسة الغموض النووي التي اعتمدتها لعقود شكّلت درعَ حماية كافياً لتطوير تقنيتها في هذا المجال، اّمّا وكالة الطاقة النووية الاسرائيلية: فميزانيتها سرية ومنشآتها سرية وموظفوها يتعرضون لاقسي العقوبات اذا ادلوا بمعلومات عن طبيعة عملهم، وخير دليل علي الحظر المفروض علي عمل الخبراء في هذا المجال الثمنُ الباهظُ الذي دفعه التقني النووي (مردخاي فعنونو)، حين نشرت صنداي تايمز اللندنية مقالاً عام 1986 قدم فيه معلومات وصوراً بيانية عن البرنامج النووي الاسرائيلي، اذ قال حينها: ان اسرائيل انتجت من البلوتونيوم منذ عام 1964 ما يكفي لصنع مئة قنبلة نووية، محذراً من ان حادثة تشيرنوبل قد تتكرر في اي مكان من العالم بما في ذلك ديمونة! وتشير المعلومات المتوفرة عن المشروع النووي الاسرائيلي من مصادر عربية الي ان لدي اسرائيل ترسانة كبيرة تجعلها تتبادل الموقع الخامس والسادس مع الصين، فهي تمتلك بحسب (الخبير النووي المصري الدكتور فوزي حماد) ما بين 300 ـ 400 قنبلة نووية اضافة لصواريخ حاملة لرؤوس نووية بعيدة المدي (200 كيلومتر)، كما ان لديها كل انواع القنابل الهيدروجينية والنيترونية، دون ان ننسي هجرة المئات من العلماء النوويين الروس الي اسرائيل بعد انتهاء الحرب الباردة.. ترفض اسرائيل الانضمام الي معاهدة حظر الانتشار النووي بل وترفض اجراء اي نقاش حول تقنيتها النووية قبل حصولها علي ضمانات سياسية وامنية ليست باقل من انهاء الصراع العربي ـ الاسرائيلي وتطبيع كامل للعلاقات معها، مع اعطائها الاولوية للتفاوض علي الاسلحة التقليدية والجيوش النظامية قبل الحديث عن اسلحة الدمار الشامل، مع ضمان احتفاظها بقدرات تسليحية كبيرة لتوفير سلامتها الاقليمية: ففي بداية عام 1966 كان لدي اسرائيل كميات كافية من البلوتونيوم لتطوير سلاحها النووي، وقد امر رئيس الوزراء الاسرائيلي حينها (ليفي اشكول) بوضع هذا الخيار في المواجهة العسكرية مع العرب عام 1967 اذا ما دعت الحاجة. وبعد ذلك بقيت القوة النووية الاسرائيلية ورقة يشهرها المسؤولون الاسرائيليون متي شاؤوا للحصول علي تنازلات من العرب ولتوسيع هامش المناورات السياسية، ففي عام 1998 اعترف رئيس الوزراء الاسرائيلي السابق (شمعون بيريز) بتطوير اسرائيل سلاحاً نووياً لضمان تنفيذ اتفاقية اوسلو! اما (ارييل شارون) فرفض طرح القضية من اساسها ما دامت عملية السلام مع الفلسطينيين تراوح مكانها!! ومما لا شك فيه ان النشاط النووي الاسرائيلي الذي يتم في اطار من السرية المغلقة، ما كان له ان يستمر دون توفير الغطاء من الولايات المتحدة التي تولت تعزيز تلك القدرات بعد ان تكفلت فرنسا ببناء مفاعل ديمونة عام 1963 بموجب اتفاق مع اسرائيل عام 1957، وحتي يومنا هذا لا تزال واشنطن تتبني ذلك الموقف الداعم للتفوق العسكري الاسرائيلي في منطقة الشرق الاوسط: حيث صرح وزير دفاعها (دونالد رامسفيلد) اكثر من مرة بان اسرائيل دولة صغيرة، لها الحق بامتلاك سلاح نووي حتي تتمكن من الدفاع عن نفسها، اما مبررات هذا الموقف فيمكن ارجاعها الي اهمية احتفاظ اسرائيل الحليف الاستراتيجي الاول للولايات المتحدة بقوة نوعية تستخدمها للضغط علي الدول العربية لضمان الحفاظ علي مصالحها ودورها في المنطقة، دون ان ننسي قوة وتاثير اللوبي الصهيوني علي مواقع صنع القرار في الولايات المتحدة، حيث لعب دوراً فعالاً في اسقاط اسم اسرائيل (كقوة نووية) من تقارير الاستخبارات الامريكية التي تقدمها للكونغرس عن الدول التي تطور اسلحة الدمار الشامل، وهذا ما يفسر غض الطرف الامريكي عن ترسانة اسرائيل النووية التي تشكل تهديداً حقيقياً للمنطقة برمتها في الوقت الذي تنحاز فيه واشنطن للتشدد ازاء دول مثل كوريا الشمالية وايران… فالموقف الامريكي الذي يعتبر قوة اسرائيل النووية والعسكرية حقّاً وجودياَ، يتناقض مع كثير من الدعوات التي اطلقها كبار السياسيين في البيت الابيض و(في مراحل مختلفة) لتجريد منطقة الشرق الاوسط من اسلحة الدمار الشامل، ومن الامثلة علي ذلك: مبادرة الرئيس الامريكي (جورج بوش الاب) في ايار (مايو) 1991 التي دعا فيها دول المنطقة لتطبيق حظر امتلاك المواد التي تستخدم في صنع الاسلحة الذرية، والانضمام لمعاهدة عدم انتشار الاسلحة النووية.. ومن الملفت ان اسرائيل تجاهلت عن عمد كل تلك الدعوات، كما تجاهلت قراراً صدر عن مجلس الامن (بعد تدميرها مفاعل تموز العراقي عام 1981) يدعوها لوضع منشآتها النووية تحت اشراف الوكالة الدولية.. ناهيك عن عدد من المبادرات العربية بهذا الشان كاعلان دمشق في اذار (مارس) 1991 والمقترحات المصرية للامين العام للامم المتحدة في 4 تموز (يوليو) 1991.المشروع النووي الاسرائيلي وما يكتنفه من سياسة غموض استراتيجية سيبقي خطراً يهدد المنطقة في ظل: 1 ـ سعي اسرائيل الدائم للعمل علي تقويض اي مشروع نووي في المنطقة من شأنه تحقيق معادلة توازن الرعب معها، ولا ادل علي ذلك من تدميرها للمفاعل العراقي، ووضعها الملف النووي الايراني علي راس اولويات حكومتها عبر استحداث وزارة جديدة للشؤون الاستراتيجية تعني بهذا الملف، ولا شك ان وعود (افيغدور ليبرمان) بتجنيد طاقات وزارته الجديدة لمواجهة ما اسماه الخطر النووي الايراني ودعواته السابقة للمبادرة بالهجوم علي ايران وتدمير مفاعلها النووي، انّما تعطي انطباعاً عن آلية مواجهة محتملة قد تستهدف اسرائيل بموجبها اهدافاً ايرانية نووية ما دام الحديث عن عقوبات عسكرية يفرضها مجلس الامن علي طهران، لا يزال مستبعداً في الوقت الراهن. 2 ـ اخفاق الدول العربية اكثر من مرة (في مجلس الامن وفي مؤتمرات الوكالة الدولية للطاقة الذرية) في تمرير قرارات لاجبار اسرائيل علي فتح منشآتها النووية امام المفتشين الدوليين. 3 ـ الانحياز الامريكي لاسرائيل والاتفاق المشترك بينهما علي عدم الضغط عليها للانضمام لعملية تجريد المنطقة من اسلحة الدمار ما لم يتم تحقيق السلام الشامل مع العرب وفق المتطلبات والشروط الاسرائيلية. 4 ـ مخاطر لوجستية تتمثل بقدم مفاعل ديمونة وانتهاء عمره الافتراضي وتعرُّض اجزاء منه للاهتراء، حيث يعمل المفاعل بضعف طاقته بمعدل 16 ساعة يومياً بدلا من 8، كما لم يتم تزويده بابراج تبريد جديدة منذ عام 1971 مما يزيد من امكانية حدوث تسرب اشعاعي اضافة للمخلفات الناتجة عن معالجة اليورانيوم في المفاعل…، ففي محاضرة القاها بمجمع النقابات المهنية بالاردن عام 2004.. افاد (الدكتور/ سفيان التل ـ المستشار الدولي في شؤون البيئة) ان اسرائيل دفنت نفاياتها النووية في الاراضي الفلسطينية والنقب وفي الاردن ومصر (سيناء) وسورية (الجولان) ولبنان (الشواطئ والجنوب)، مما يزيد من حجم المخاطر البيئية والصحية علي سكان هذه المناطق. 5 ـ غياب خطة طوارئ عربية يمكن تنفيذها في حال انفجار اي من المفاعلات النووية الاسرائيلية او حدوث تسرب اشعاعي منها، 6 ـ كما ان سياسة الغموض النووي افقدت اسرائيل قدرتها علي معالجة الاعطاب في هذه المفاعلات مما فاقم حجم الخطر! اذن: كيف ينبغي مواجهة خطر اسرائيل الكامن؟ وكيف يمكن انتزاع تعهُّد من الدول دائمة العضوية في مجلس الامن بتقديم ضمانات امنية شاملة والقيام بخطوات فعّالة لجعل منطقة الشرق الاوسط خالية من اسلحة الدمار الشامل؟ بما في ذلك اخضاعُ منشآت اسرائيل النووية للتفتيش والرقابة الدوليّيْن؟ وكيف يمكن استثمار المستجدات الدولية (تجربة بيونغ يانغ النووية والضغط الامريكي والاوروبي علي ايران) لمطالبة اصحاب القرار باتاحة الفرص المتساوية لدول المنطقة للحصول علي هذا الحق للاهداف السلمية؟ وكيف يمكن تغيير سياسة الانحياز الامريكية لاسرائيل في الوقت الذي تتخذ فيه واشنطن منحي متشدداً ازاء ايران التي تصر علي ما تراه حقاً سيادياً في امتلاك الطاقة النووية للاغراض السلمية؟ وهل يمكن للقوة النووية الايرانية ان تحقق فعلاً توازن الرعب مع اسرائيل في ظل غياب قوة ردع عربية؟ وهل يمكن لهذه القوة ان تكون بديلاً عن حلم عربي نووي لا يزال اسير الخيال والتمني؟! ام انه ينبغي العمل علي التسريع بانشاء هذا المشروع؟ مشروع للاستخدام السلمي تتضافر لبنائه الجهود والخبرات ورؤوس الاموال ويحظي بدعم الجامعة العربية والهيئة العربية للطاقة النووية…؟ فهل تكون نقطة الانطلاق باعادة الروح للبرنامج النووي المصري بعد قرار السلطات التوجه لهذا الخيار كمصدر بديل للطاقة؟ اليس الاجدي بنا وضع تصور عربي مشترك لتحقيق هذا الهدف! فلعلّها تكون محاولة جديدة للخروج من تحت الرّكام لامتلاك زمام المبادرة! في وقت تتنامي فيه قوة اسرائيل النووية ويكبر معها هامش مناورتها السياسية ومقدرتها العسكرية علي التفرد وحرية التصرف؟! ہ كاتبة عربية8