د. علي محمد فخرو
مثلما يصاب الداخل النفسي بالتشوش أو المرض العضال عند الأفراد فكذلك تصاب الأمم. ومثلما ينتهي أولئك الأفراد الي عدم القدرة علي التجاوب والتفاعل الصحي المتوازن المعقول مع محيطهم الشخصي والاجتماعي فكذلك تفعل الأمم، اذ أنها تنتهي بالوقوف عاجزة أو مترددة أمام المشاكل الكبري التي تواجهها.
امتنا العربية في الوقت الحاضر تكتوي بلهيب مثل ذلك الجحيم النفسي الداخلي حيث علل وعقد اللاوعي الجمعي عند شعوبها تسيطر علي كل تصرفاتها ومواقفها. انها علل وعقد تكونت عبر التاريخ الطويل منذ أن دخلت هذه الأمة في فترات الهزائم أمام أعدائها وفي مراحل ضعف كيانها السياسي والاقتصادي بسبب انقساماتها لتنتهي باحتلالها من قبل كل أنواع الغرباء وباصطدامها بحضارات وثقافات أفضل مما لديها. فكانت النتيجة أن كل هزيمة وكل انكسار وكل شعور بالهوان وقلة الحيلة تتراكم في مستوي اللاوعي عند الأمة لتكون شيئاً فشيئاً مستنقعاً آسناً من العواطف البدائية والمشاعر غير الناضجة تضعف الأمة وتشلُ ارادتها. وفي هذا لا تختلف الأمة عن الأفراد الذين تتجمع فواجعهم ومآسي حياتهم منذ الأيام الأولي لطفولتهم لتستقر تدريجياً في اللاوعي وتقود مع الوقت الي أشكال مختلفة من الأمراض النفسية التي تحتاج للعلاج النفسي. واذن فالأمة التي تصاب بالأمراض النفسية، وهي عبارة عن خلل مترابط في الجوانب العاطفية والسلوكية والروحية، تحتاج هي الأخري للعلاج النفسي.
بالنسبة للمفكر والطبيب النفسي السويسري المشهور كارل جنك يحتاج المريض النفسي للمرور في أربع مراحل علاجية اذا أريد له الشفاء التام من عقده النفسية. المراحل الاربعة هي: اعتراف الفرد بكل مايخفيه في داخله، ثم استماعه لشرح المحلل النفسي لمعاني تلك الاعترافات، ثم قبوله لنظام تربوي تعليمي لمواجهة كل ما كان يخفيه، وأخيراً تحوله وتغيره الجذري العميق. بالنسبة للفرد يقوم عادة المحلل أو الطبيب النفسي بكل ما تتطلبه المراحل الأربعة. لكن ماذا عن علاج الأمة التي تعاني من أزمة نفسية كما هو الحال مع الأمة العربية؟ كيف السبيل لاخراجها من الفوضي النفسية الداخلية التي تتمثل في عدم ثقتها بنفسها، في هلعها من مجموعة من المخاوف المتخيلة الوهمية، في شعورها بالنقص أمام الآخر، وفي تذبذبها المستمر بين فترات غضب وانفجار طفولي غير مفيد وفترات هبوط نفسي وكآبة لاتجدي ولا تنفع؟ ثم ما هي الجهة أو الجهات التي ستقوم بذلك العلاج؟ وهل كل مرحلة من مراحل العلاج ستحتاج الي جهة مختلفة لتقوم بمتطلبات ذلك العلاج؟ أي مرحلة تخص المفكرين وأي مرحلة تخُص مؤسسات المجتمع المدني وعلي الأخص السياسية منها؟
ليست هذه الأسئلة اسئلة عبثية، فهي من صميم أسئلة المشروع النهضوي العربي المطروح عبر أكثر من قرن. وقضية اللاوعي الجمعي لشعوب هذه الأمة لا يقلُ أهمية عن ممارسات الوعي البليد غير العقلاني لهذه الأمة في حقول السياسة والاقتصاد والأمن والثقافة والعصرنة وغيرها. ومثلما عند الفرد فان هيمنة مخزون اللاوعي عند الأمة، من مشاعر ومخاوف وأساطير وأحلام غير صحية وغير عقلانية، علي كل تفكيرها وتصرفاتها يقود الي الشلل أمام معضلات الحياة، وهو ما نراه جلياً اليوم في كل مناحي حياتنا العربية.
لا شك أن الأرض العربية تموج حالياً بالتحليل والنقد لتصرفات الأمة التي تمارسها بوعي يتصف بالفوضي والعفوية السطحية وعدم التركيز علي الأولويات والسقوط في الأجندات التي يضعها لها أعداؤها. لكن كم من هذا التصرف الواعي الخاطئ هو نتيجة للاوعي المريض في هذه الأمة؟ هنا تكمن أهمية موضوع العلاج، بمراحلة، بمن سيقوم به، بأساليبه وأدواته، بالنتائج المتوخاة منه، بنوع الأمة المعافاة الخالية من قيح وعفن وأسن الوضع الداخلي النفسي الذي عاشته الأمة عبر قرون وتعيشه اليوم بشكل مأساوي مرعب. كثير من الأفراد والشعوب خرجوا من مستنقع اللاوعي المريض، وبالتالي فليس بالمستحيل علي هذه الأمة أن تفعل ما فعله الآخرون.