الخلاف بين اتحاد المحاكم والحكومة الصومالية
د. يوسف نور عوضالخلاف بين اتحاد المحاكم والحكومة الصوماليةمن الطبيعي عندما تكون هناك وساطة بين طرفين متنازعين أن تتركز الوساطة حول الأرضية المشتركة بين الطرفين لان ذلك هو السبيل الوحيد من أجل فض النزاع. ولكن ما يجري في النزاع القائم بين اتحاد المحاكم الاسلامية والحكومة الصومالية يخالف هذه القاعدة. فقد انتفت تماما عند الوسطاء الأرضية المشتركة كما أن سائر الوسطاء أصبحوا يتدخلون في هذه الأزمة الشائكة من خلال مصالحهم وأهدافهم الخاصة. فمن ناحية تحاول دول الايغاد التي تترأس كينيا دورتها الحالية التوصل الي حل يعيد للحكومة الضعيفة هيبتها ومكانتها الضائعة.ومن ناحية تريد الولايات المتحدة هزيمة سريعة لاتحاد المحاكم الاسلامية أو علي الأقل تحجيم نفوذ هذا الاتحاد حتي لا تصبح الصومال في نظر الولايات المتحدة مرتعا آخر للارهاب من وجهة نظرها، وتقف اثيوبيا من جانب آخر في مواجهة مع اتحاد المحاكم وأدخلت بالفعل آلافا من قواتها الي الأراضي الصومالية وعزت ذلك الي رغبة هذه القوات في القيام بمهام تدريبية.وكذلك فعلت اريتريا التي أدخلت آلافا أخري دعما لاتحاد المحاكم وهي علي أي حال لا يمكن أن تتهم بأنها تحمل نفس الايديولوجية، ويعني ذلك أن الهدف هو مواجهة النفوذ الاثيوبي علي أرض الصومال، ما يعني مرحلة جديدة من النزاع المسلح بين اثيوبيا واريتريا يكون مسرحها الأراضي الصومالية، ولا يمكن بالطبع أن يفسر دخول الجامعة العربية أو السودان من مثل هذه المنطلقات، ذلك أن تدخل السودان بالوساطة يأتي من كونه يترأس القمة الأفريقية في هذه المرحلة أما الجامعة العربية فهي تتدخل فقط من حيث هي مسؤولة عن تأمين الاستقرار في الدول العربية ـ اذا كان في وسعها ذلك ـ وهي تقوم بهذه المهمة في الصومال علي الرغم من أن هذه الدولة ظلت لفترة طويلة من دون حكومة مركزيةلقد كان من المقرر أن يعقد مؤتمر السلام في الخرطوم يوم الاثنين الماضي ولكن الافتتاح تأجل بسبب تأخر وصول وفد الحكومة الصومالية، وقد عزا بعض المراقبين في الخرطوم التأخر لخلافات بين أعضاء الوفد الحكومي حول مدي التنازلات التي يمكن أن تقدمها الحكومة لاتحاد المحاكم. وقد وصل الوفد بالفعل مساء الاثنين وراجت آمال بان يفتتح المؤتمر يوم الثلاثاء ولكن ذلك لم يتحقق خاصة بعد أن وضع اتحاد المحاكم شروطا صعبة لجلوسه مع وفد الحكومة وهي شروط تعجيزية وسترفضها الحكومة لأنه ليس في مقدورها أن تحققها، وكان من بين هذه الشروط أن توافق اثيوبيا علي سحب قواتها من أراضي الصومال وهو شرط لا يمكن لاتحاد المحاكم أن يفرضــــه علي اثيوبيا.كما أن مسألة سحب القوات لا تتم في لحظات أو ساعات وانما تستغرق فترة طويلة قبل أن تتحقق، وذلك أمر غير عملي في ظل وجود وفدين في العاصمة السودانية ينتظران أن يلتقيا. وكان من بين شروط اتحاد المحاكم أيضا عدم مشاركة كينيا في رئاسة جلسات المؤتمر، ويعرف اتحاد المحاكم أن مشاركة كينيا لا تستند الي كونها ذات موقف من هذه القضية بل بكونها رئيس الدورة الحالية لمجموعة منظمة الايغاد.وحتي لو كان لكينيا موقف فيجب ألا يؤثر ذلك علي سير المباحثات أو يحول دون التوصل الي نتائج لان الغرض هو التوصل الي أرضية مشتركة. ولو أصر أي طرف علي موقفه فان ذلك يعني انه لا أمل في التوصل الي اتفاق. فقد واصل الدبلوماسيون من وزارة الخارجية السودانية والجامعة العربية جهودهم من أجل تقريب شقة الخلاف وسط سيل من المواقف المتصلبة من جانب الطرفين وهو تصلب تراه بعض الأطراف يأتي من جانب اتحاد المحاكم، وقد دعا الناطق باسم وزارة الخارجية الأمريكية شين ماكورماك اتحاد المحاكم الي اعادة النظر في موقفه ووصف الاتحاد بأنه متشدد ولا يتناسب موقفه مع ما هو مطلوب في هذه المرحلة، وبالطبع فان اتحاد المحاكم لا يعير ما تقوله الولايات المتحدة كبير اهتمام لأنه يعتبر واشنطن منحازة الي موقف الحكومة وليس ذلك من أجل المحافظة علي وحدة الصومال كما تدعي بل لأنها تصنف اتحاد المحاكم ضمن مجموعة الارهاب التي تحاربها.وكان الطرفان قد توصلا من قبل الي اتفاق علي أن يكونا قوات مشتركة بينهما ولكن تقارير نشرت في الأمم المتحدة تقول ان تصعيد المواقف ازداد صعوبة بعد أن لاحظ المراقبون أن هناك تدخلا خارجيا من قبل اريتريا واثيوبيا اللتين تريدان أن تجعلا من ارض الصومال ميدانا لمواجهة جديدة بينهما وذلك ما جعل الولايات المتحدة تبدي قلقها من أن تصبح الصومال مجالا لهذه المواجهة الجديدة التي قد تزيد من متاعب الولايات المتحدة في وقت صعب، علي الرغم من أن جميع الدلائل تشير الي أن الولايات المتحدة تدعم الموقف الاثيوبي وتشكك في قول اتحاد المحاكم انه يريد أن يحقق الأمن والسلام في الصومال لاعتقادها بأن لديه ارتباطا بتنظيم القاعدة. وقد انتهزت الحكومة الاريترية ـ التي كانت ترتبط في الماضي بعلاقات حسنة مع واشنطن ـ الفرصة لتشن نقدا موجها الي كل من واشنطن واثيوبيا بسبب موقفهما المناوئ لاتحاد المحاكم الاسلامية، فقد وصفت وزارة الخارجية الاريترية رئيس وزراء اثيوبيا ملس زيناوي بأنه عميل للولايات المتحدة وأنه يلعب بالنار في اريتريا. ولكنها نار ستحرق في نظرهم الجانب الأريتري وحده. وفي الوقت ذاتـــه أنكــرت اسمرا أنها تقف موقف المساند لاتحاد المحاكم الاسلامية وانها تقـــدم العون له.ونظرا لهذه اللهجة المتشددة فقد حذرت الولايات المتحدة من جعل الصومال أرضا لصراع بين قوي خارجية في اشارة الي كل من اثيوبيا واريتريا، وفي الوقت الذي تجاهلت فيه واشنطن التغلغل الاثيوبي اتهمت اريتريا بأنها هي التي تمد اتحاد المحاكم بالسلاح والعتاد لمواصلة حربه علي الرغم من أن حكومة اريتريا لا تعتبر حكومة اسلامية.واذا نظرنا الي الوضع برمته بصرف النظر عما يجري في الخرطوم وجدنا أن جميع الأطراف التي تتدخل لحل النزاع في الصومال لها أغراضها الخاصة التي تريد تحقيقها في تلك البلاد وهي تفتقر الي التوازن الذي يمكنها من ايجاد صيغة تفاهم بين الحكومة واتحاد المحاكم وبصرف النظر عن مواقف الجهات فمن المؤكد أن اتحاد المحاكم الذي تحركه ايديولوجية شرعية واستطاع أن يهزم أمراء الحرب لن يكون مستعدا لتسليم سلطته وانجازاته لحكومة ليست هناك دلائل علي أنها يمكن أن تحقق وحدة الصومال.كما أن الصفقة المقترحة بان يقوم الاتحاد بالتنازل عن سلاحه والتوصل الي تفاهم مع الحكومة تبدو من الناحية النظرية ليست منطقية لأن ذلك يسلب اتحاد المحاكم كل ما أنجزه كما أن الخبرة مع الحركات الاسلامية تؤكد أنها لا تتنازل بسهولة عن الانجازات التي تحققها حتي لو برزت تحديات خطيرة. ويبدو ذلك واضحا من خلال الوضع في السودان، فعلي الرغم من التحديات الخطيرة التي تواجهها الحكومة بسبب الوضع في دارفور فانها لا تريد أن تغير استراتيجيتها بقبول مبدأ التنحي عن السلطة والحكم، وليس الوضع في الصومال مختلفا وبالتالي فان النظر الي حل قريب لمسألة الاختلاف بين الاتحاد والحكومة يبدو أمرا بعيد الاحتمال بصرف النظر عما يتوصل اليه مؤتمر الخرطوم ويعني ذلك أن الصومال مرشح لمزيد من التعقيد خاصة مع غياب مؤسسات الدولة بصورة شبه كاملة وصعوبة بناء مؤسسات في هذا الوضع المختل.9