السنة العرب سيرتفعون لمستوي مسؤولياتهم في بناء العراق الجديد

حجم الخط
0

السنة العرب سيرتفعون لمستوي مسؤولياتهم في بناء العراق الجديد

د. بشير موسي نافعالسنة العرب سيرتفعون لمستوي مسؤولياتهم في بناء العراق الجديدلم تتعرض شريحة من شرائح الشعب العراقي خلال السنوات الأربع الماضية كما تعرض السنة العرب. سواء في عواصم الدول الغازية والمحتلة للعراق أو في أوساط قوي المعارضة العراقية السابقة المتحالفة مع ادارة الاحتلال، انطلقت حملة لا أول لها ولا آخر، لتحطيم العراقيين السنة العرب معنوياً وأخلاقياً، وعزلهم وتهميشهم سياسياً.بدأت الحملة بتكريس الادعاء بأن السنة العرب ليسوا أكثر من أقلية ضئيلة، لا تتجاوز في أكثر التقديرات كرماً العشرين بالمائة من السكان. اتهم السنة العرب بالتماهي مع النظام السابق، وبأنهم حكموا العراق تحت رايته بالحديد والنار. حملوا عبء جرائم ومذابح، لا يعرف أحد حتي الآن ان كانت قد وقعت بالفعل. وقيل انهم يقطنون أكثر المناطق العراقية فقراً بينما يسيطرون علي ثروته النفطية في معزل عن شرائح الشعب العراقي الأخري. سيطر الغوغاء علي المساجد السنية، وهي أوقاف اسلامية محرمة يأثم كل من يمسها بسوء، وطرد أو اغتيل العلماء والأئمة السنة. لم يقل أحد ان عشرات الآلاف من الأكراد شاركوا في حملات الأنفال، ولا ان العشائر الشيعية قدمت العون الأهم لكتائب الحرس الجمهوري، التي أخمدت تمرد بعض المدن الجنوبية علي الحكم المركزي في 1991. لم يتذكر أحد ان النظام السابق اقتحم الرمادي بالقوة في منتصف التسعينات كما اقتحم النجف قبلها بسنوات. ولم يذكر أحد ان أكثر أعضاء حزب البعث كانوا من الشيعة العرب، ولا ان البعثيين الشيعة احتلوا أعلي مواقع الحكم. بل ان أحداً لم يشر حتي الي ان العراق لم يعرف الاحصاءات الطائفية، وان كل الحديث حول الأقلية والأكثرية ليس سوي تخمينات مغرضة. وما ان انطلقت المقاومة العراقية بعد أسابيع من بداية الاحتلال، حتي نظمت حملات عسكرية مدمرة لكسر ارادة العراقيين السنة العرب ونشر الخراب في مدنهم وبلداتهم. وسرعان ما رسمت للعراق صورة جديدة من المثلثات والمربعات لم يعرفها تاريخه أو أهله. وحتي البعض من مسؤولي دولة المنطقة الخضراء العراقيين لم يخجل من استخدام مصطلحات مثل المثلث السني ، وكأن السنة العرب ليسوا جزءاً من العراق ولا هم البناة التاريخيون لميراثه ومدنه، من الموصل الي بغداد الي البصرة. وتحت غطاء من دوي الهجمات علي الفلوجة والرمادي وسامراء وبعقوبة، أخذت اتهامات التكفير والتطرف والعداء لآل البيت و بقايا النظام السابق تكال للسنة العرب بدون تمييز ولا حساب. مقاومة العراقيين الوطنيين والاسلاميين الشرفاء باتت ارهاباً، ورفض الاحتلال بات تعصباً. الذين هاجموا الفلوجة وأوقعوا بها الدمار والموت حملوا علي صدورهم صور السيستاني وارتفعت أصواتهم بالأهازيج الشعبية علي مشارف المدينة وكأنهم يغزون مدينة الأعداء لا مدينة عراقية، عربية، اسلامية. الذين يقتلون العراقيين علي الهوية يختطفون الشبان السنة لمجرد ذهابهم الي المساجد للصلاة، والذين يرتكبون جرائم الاغتصاب للفتيات العرب السنة يتفاخرون بجرائمهم علناً.تحطيم السنة العرب، تهميشهم، كسر ارادتهم، وايقاع الهزيمة بهم، كانت أهدافاً ضرورية لتحقيق هدف أكبر: تحطيم العراق ذاته، ايقاعه فريسة لحفنة من السياسيين الطموحين الأغرار، فاقدي الكفاءة والولاء الوطني، أو تقسيمه لاقطاعيات صغيرة تحكمه هذه العائلة أو تلك، وانتزاعه نهائياً والي الأبد من محيطه ومسؤولياته العربية. الذين قادوا الحملة علي السنة العرب كانوا يدركون أن هذه الفئة من الشعب العراقي هي الأقل طائفية علي الاطلاق، بل هي الوحيدة التي لا تنظر الي نفسها كطائفة أو فئة، هي الحارسة لوحدة العراق الوطنية، وهي الضمان لانتمائه العربي والاسلامي. ولكن هذا لا ينفي ان بعض السنة العرب قد وقع فعلاً في فخ ردود الفعل، وتصرف ويتصرف بالمنطق الفئوي أو الطائفي. الذين سارعوا للرد علي الاحتلال ومسلسل الاغتيالات التي تعهدها حلفاؤه بالسيارات المتفجرة في المناطق الشيعية، الذين ينشرون علي الانترنت خطابات الادانة والعزل العقدي، الذين يذهبون لانتخابات تحت سيطرة الاحتلال بهذه القائمة السنية أو تلك، وقعوا هم أيضاً في هوة التقسيم الطائفي الفادح. ولكن الخطر الأكبر يأتي من أولئك الذين أعطوا لأنفسهم حق الاعلان عن امارة اسلامية ما في عدد من المحافظات العراقية يغلب علي سكانها العراقيين العرب السنة، وكأنهم يؤكدون شرعية دستور كتب في ظل الاحتلال ويقرون بشرعية برلمان يقرر مستقبل العراق الوطني وهو لا يستطيع حماية حياة أعضائه وحياة العراقيين الذين يدعي تمثيلهم، ولا الخروج من المنطقة الخضراء.اليوم تصل تلك الحملة ضد العرب السنة الي نهاياتها، ليس لأن قادة تلك الحملة قد استقاموا وأدركوا خطلهم وحمقهم وخطاياهم، بل لأن الاحتلال الذي تظللوا بظلاله يمضي الي نهايته. وهم يرون أحلام السلطة والملك تنهار أمام أعينهم، أصبح همهم الحفاظ علي الامتيازات التي حصلوا عليها في سنوات الموت والدمار، والافلات بحياتهم. علي ان خطاباً جديداً ضد السنة العرب يولد الآن بينما تضج أوساط الفكر والسياسة والحكم في لندن وواشنطن بدعوات الانسحاب من العراق، والجدل حول من يتحمل مسؤولية الفشل والهزيمة. الذين يرفضون الانسحاب السريع لقوات الاحتلال ويحاولون البحث عن طريقة ما لانقاذ مشروعهم العراقي وموقعهم في سجلات التاريخ يدعون بأن الانسحاب سيؤدي الي سيطرة التنظيمات الارهابية علي المناطق السنية، وتحول الأخيرة الي مصدر تهديد لاستقرار الشرق الأوسط والعالم ككل. وفي أكثر تحذيراتهم لطفاً، يدعون بأن الانسحاب سيطلق القوي العربية السنية في حملة انتقام وثأر، تتحول سريعاً الي حرب أهلية شاملة. ويلعب عدد من مسؤولي الدولة العراقية الطارئة دوراً رئيسياً في حملة التخويف مما سيؤول اليه العرب السنة، تحركهم دوافع الرعب المتصاعد من لحظة مواجهة الشعب العراقي بدون مظلة المحتلين العسكرية. كما بدأ مشروع الاحتلال بمخططات التحالف مع الشيعة وتحطيم السنة، يجري الآن انشاء جدار رعب سني لتبرير اطالة أمد الاحتلال.استندت الحملة علي السنة العرب في مطلع الاحتلال علي الأكاذيب والمخططات الدعائية، وتستند الحملة الحالية علي مزيج من المتخيل والكذب والجهل بالعراق وأهله. في دائرة المقاومة العراقية الواسعة، ثمة عناصر وقوي ارهابية وطائفية بلا شك. ولكن الوعي الجمعي للسنة العرب، انتماءهم الوطني، ميراثهم التاريخي، دورهم في بناء العراق الحديث، ودروس السنوات القليلة الماضية، تجعلهم أكثر حكمة وقدرة علي تحمل مسؤولياتهم في بناء العراق الجديد. منذ بدأ الاحتلال، أدرك الوعي العربي السني الجمعي ضخامة التحدي الذي يواجه العراق وضخامة المسؤوليات التي ألقاها القدر علي عاتقه لحماية استقلال العراق ووحدته، وحماية استقلال المنطقة ووحدتها. ولذا، وبالرغم من هفوات البعض وانحرافاتهم، فقد حرص السنة العرب علي تجنب الاقتتال الداخلي، لاسيما في دائرة المقاومة ومحيطها. ولكن نهاية الاحتلال وخروج قواته يعني مرحلة جديدة، ومسؤوليات من نوع جديد. ولن يسمح السنة العرب لان تكون مناطقهم أو يكون العراق ككل مرتعاً للقوي الارهابية أو الطائفية؛ تماماً كما أنهم لن يسمحوا بتقسيم العراق أو سيطرة قلة ما علي هذا الجزء أو ذاك من ترابه. وكما لم يعدم السنة العرب وقوف شرفاء من علماء وشيوخ عشائر وسياسيين شيعة معهم في سنوات الاحتلال المؤلمة، فهم بالتأكيد سيجدون أن من يقف معهم من الشيعة الشرفاء عند رحيل المحتل سيزداد عدداً ويتسع نطاقاً.طوال معظم العهد العثماني، حكمت الدولة وولاياتها المختلفة من قبل نخبة عثمانية اسطمبولية. ولم يفتح الباب لأبناء الولايات للمشاركة في جهاز الدولة وعديد جيشها الا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وهو ما دفع عدداً من أبناء العراق السنة، العرب والتركمان والأكراد، الي الانتساب للمدارس العثمانية المدينة والعسكرية سعياً للانخراط في ادارات الدولة وجيشها. وبالرغم من ان القرن التاسع عشر شهد حراكاً فكرياً كبيراً في الأوساط الشيعية، الا ان التقليد الشيعي القاضي بالابتعاد عن أجهزة الدولة ظل سائداً. في 1921، بدأ بناء الدولة العراقية الحديثة، وتقدم العراقيون لحكم أنفسهم للمرة الأولي منذ قرون طويلة. ولأن التصور البريطاني للدولة كان تصوراً حديثاً، فقد وجدوا في الضباط والاداريين العثمانيين السابقين رافداً طبيعياً لجهاز الدولة. كان هؤلاء الضباط والاداريون في أغلبيتهم العظمي من السنة، عرباً وأكراداً وتركماناً. وبالنظر الي تجارب الحكم المحيطة بهم، في ايران وتركيا والسعودية، فقد كان بامكان تلك الطبقة المبكرة من رجال الدولة العراقية ان تقيم دولة حصرية، دولة يسيطر عليها العرب أو السنة. ولكنهم لم يفعلوا هذا؛ ما قاموا به هو انشاء مدارس حديثة في المناطق السنية والشيعية علي السواء، تأسيس المعاهد والمدارس العليا الحديثة وفتح أبوابها للعراقيين جميعاً، ارسال البعثات التعليمية من الشبان السنة والشيعة الي الخارج، سن قانون للتجنيد الاجباري لكل العراقيين علي افتراض ان المؤسسة العسكرية (كالمدرسة) هي وعاء الضمير الوطني الجمعي. وما ان خرج العراق من قلق سنوات الحرب الثانية، حتي أصبح أغلب رؤساء الوزارات العراقية من الشيعة. وعندما سيطر عبد الكريم قاسم علي الحكم، عارضته الأحزاب القومية والدوائر الاسلامية باسم الحفاظ علي العروبة والمواريث الاسلامية لا اسم السنة والشيعة. في عهد العارفين، أصبح من الطبيعي ان يتساوي عدد الوزراء السنة والشيعة في أغلب الحكومات. وقد كان قادة حزب البعث العراقي الثلاثة جميعهم من أبناء أسر شيعية، كما كانت أغلبية هيئته القيادية حتي منتصف الستينات كذلك. وبالرغم من ان جسم الحزب ضم شيعة وسنة علي السواء، لم يقل أحد عندها ان البعث حزب الأقلية الشيعية. ولم تصبح أكثرية هيئة الحزب القيادية من السنة الا بعد ان سيطرت لجنة الحزب العسكرية علي القيادة، وهي اللجنة التي كانت مشكلة في معظمها من ضباط أصدقاء من منطقة تكريت السنية. ولم تكن لسيطرة اللجنة العسكرية علاقة بتدافع طائفي داخل الحزب، بل بخلافات حزبية وسياسية تقليدية، ذلك ان وزن البعثيين الشيعة داخل الحزب ظل كبيراً بلا شك، وهو ما انعكس طوال سنوات حكم البعث في أجهزة الحكم والدولة وأجهزتها العسكرية والأمنية.السياسيون السنة هم بالتأكيد من وضع أسس الدولة العراقية، ولكن رؤيتهم للدولة كانت رؤية وطنية، حديثة، واندماجية. وربما يوجه الكثير من الاتهامات للدولة العراقية الحديثة، كما لكل دول المنطقة المشابهه، من التضخم الأمني، التوظيف الواسع لأساليب القمع والاكراه، تراجع الحريات، الي محاولة تطبيق رؤية تحديثية غربية بقوة السلطة، الا ان هذه الدولة لم تكن طائفية بأي حال من الأحوال. وقد تعرض العراق خلال سنوات الاحتلال لزلزال سياسي وثقافي واجتماعي غير مسبوق، زلزال ما كان ليصيب بلدا وشعبا آخرين بدون ان يقتلعهما من جذورهما. في حقبة هذا الزلزال، تعرض السنة العرب لامتحان طاحن، امتحان الهوية والكرامة والوجود. ولكن العراقيين السنة العرب يوشكون الخروج من هذا الامتحان، وقد أصبحوا أكثر صلابة وشعوراً بالمسؤولية. وعلي هذه الصلابة والشعور بالمسؤولية، علي نكرانهم للذات ووعيهم بالمتطلبات الوطنية، سيعاد بناء العراق من جديد. 9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية