ستة فنانين عرضوا انتاجهم في المجمع الثقافي في ابو ظبي تجمّع للخزف العراقي: بين النص والتقنية وحرارة التجريب
محمد يوسف ديوبستة فنانين عرضوا انتاجهم في المجمع الثقافي في ابو ظبي تجمّع للخزف العراقي: بين النص والتقنية وحرارة التجريبلا شك بأن للخزف خصوصيته الفنية، هل بسبب ما تحمله هذه المادة من تقنيات ومفاجآت خاصة بها.. ؟ أو من خلال الصعوبات التي ترافق مراحل العمل.. ؟ أم أن الدقة والحرفية اللازمة لمزاولة هذا الفن المرتبط بشكل تقني وتاريخي في نفس الوقت بالفنون التطبيقية وانتمائه لتلك الفنون أكثر من ميله للفن التشكيلي..؟ لا شك أن هذه المادة بدأت مع بدايات الحضارة الانسانية كمادة نفعية من خلال الآثار والأواني الخزفية والفخارية الأثرية التي تدل علي ارتباط هذه التقنية بأغراض المعيشة كبداية وبعد تطورها واكتشاف اللون من خلال الشي والأكاسيد المعدنية والمواد المستخلصة من النبات التي اكتشفت كملونات فيما بعد، كانت هذه المادة مجالاً مهماً لبحث الفنانين منذ القدم ولفعالية هذه المواد وديمومتها.وهنا مجال كبير للتحدث عن الخزف وتقنياته وتطوره عبر التاريخ، ويطول الكلام عن ذلك ولكن لا بد من مقدمة لندخل في الحديث عن التقنيات والأعمال الفنية.الخزف العراقي يحمل الكثير من الغني والخصوصية لما يحمله من سمات ومقومات يدعمها التاريخ والجغرافيا فبلاد الرافدين تمتلك العراقة في التعامل مع هذه المادة منذ بداية حضارتها، وهذا ما يدعم مسيرة فن الخزف العراقي الحديث، لارتكازه علي تلك السمات الحاضرة في هويته. ستة فنانين عراقيين قدموا معرضا ًمتفرداً في صالة النخيل في المجمع الثقافي ـ أبو ظبي، وما جعل هذا المعرض يحمل هذه الخصوصية، كونه قدّم عدة تجارب مختلفة وان وحّدتها المادة ولكن اختلفت بالنواحي الفنية وبعض جوانب التقنية. ماهر السامرائي قدم رؤيته معتمداً علي نصوص يتسيّد الخط العربي مقوماتها وان أقحم بالمساحة نصاً كبيراً مقارنة بحجم العمل، ولكن من جهة ثانية أعطاه نوعا من الخصوصية لمن تعامل مع الكتابة بتقنيات الخزف من حيث اختيار شكل الخط وتناسبه مع الشكل العام وخاصة اختيار أنواع من الخط تنتمي بتصنيفها للكوفي الذي اشتهر باستخدامه في أجمل المخطوطات العربية، واستفاد بذلك من نصوص قرآنية فكأنه نقل احدي صفحات المخطوطة بالشكل والروح الي قطعته الخزفية، ولم يخرج عن نطاق الحداثة بالتكوين الذي اعتمد جملاً مجردة في تكوينه العام. وربما هناك بعض العفوية في التعامل مع الطين واللون في معالجة الشكل كخلفية للنص وهنا قدم السامرائي رؤيته الخاصة بتقنية الخزف ليدمج بين مختلفين: التراث والمعاصرة، ولم يغفل أهمية انتمائه المكاني بتقديم عمل خاص بالملوية في سامراء ليؤكد ارتباط المادة بالعمل والأرض فيؤدي بذلك مهمة ربط الشكل الفني بالهاجس التاريخي والوطني في وقت واحد. أعمال وسام الحداد تتسم بالمزاوجة بين التكوين علي سطح واحد ونوع من الانفلات الحر بحدود العمل وان أقحم بعض الخطوط، ولا يبقي عمله بالضرورة عملاً حروفياً خالصاً ولا تجريدياً صرفاً، بل اعتمد الدمج بين الصفتين ليقدم رؤية جديدة بثقة ويبهر الناظر بطريقته، أما المعالجة اللونية فاعتمد بها عموماً علي الانسجام تاركاً الهارموني للتشكيل الذي اعتمد عليه منفلتاً خارجاً عن حدود الفراغ والاطار التقليدي، وانّ تقنية الخزف تساعد في الخروج بالشكل علي حواف الفراغ التي قرأها وسام بوعي فني متطور.انه وان أدخل الخط بشكل ما في تكوين عمله ولكنه اختزله معتمداً علي شكل الحرف المجرد ليخطو بالعمل الي عرض ملفت للنظر ويعطي الحرف من خلال المادة بعداً شكلياً أهم من النصية، ولكن يجرّده بطريقته الخاصة ليخرج الي عباب الفراغ طارقاً باب الكتلة بشكل بصري مكثف، ويضيف الي الجدارية ايقاعا ً آخر له تفرده الجمالي. عباس سعدي الحداد يصر علي الخروج بالشكل المضلع من الشكل المنحني بحيث يخترق الحواف بأداته كمرحلة أولي عند معالجته الطين أولاً، ثم بعد شي الطين والولوج الي مرحلة اللون يختار اللون بانسجام مع التكوين، ويمارس اكتشافات التقنية اما من خلال الجداريات أو العمل الفراغي، ويدمج الأشكال باختلاف هويتها من خلال عزف خاص قوامه الطين وعنوانه الخزف. وبانتقال سلس عبر الأعمال الخزفية نجد أنفسنا ندخل عالماً متوحداً بالخصوصية عبر سلسلة من التشكل والتلون مع أعمال الدكتور رياض معتوق بين الجدارية المنفلتة من هوية الآنية الي التشكيل الفراغي من الجوانب الأربع للاناء الذي يخرج عن المألوف بشكله الي مزاوجة ما بين الخزفية المتجهة الي العمل التشكيلي بلغة الطين. لم يغفل من خلال المعالجة وان تخللتها بعض من الحروفية أن يدخل عالم المجرد بنوع من البساطة الشكلية وان كانت تحمل غني خاصا فهرب من اشكالية التقليدية الي نوع من التجديد الشكلي مع نوع من المضامين التي تحمل عمقاً فكرياً أكثر من الشكل المجرد. أما أعمال محمود حسن فهي وان انتمت للمجموعة الخزفية المعروضة بنوع من الانسجام ولكن مع ذلك أخذت منحي خاصا سواء بالجزئيات المكملة للعمل وان كانت منفصلة بشكل مدروس، ولكن هذه الجزئيات تتمم بعضها الي عمل متكامل، أما عن الأعمال الجدارية وان أبقي في احداها علي لون الطين كخلفية مع ادخال بعض اللون بشكل يغني العمل بشكل أو بآخر مما يجعل اعماله تخرج من أعباء اللون المكثف الي تبسيط له جمالياته. ويعزف سرمد الموسوي بأنامله علي الخزف بتقاسيم تحمل سمات رافدية الي درجة رفيعة بالحوار الفني ولم لا وهو الذي عودنا مع كل مناسبة عرض الجديد، مع أنه يجرد الي درجة عالية من الرمزية ومن خلال الانتقال ضمن الأشكال من عمـــل الي آخر نجد أن هناك نوعا من البحث الذي تجاوز مادة الخزف سواء بالمــــادة التي تشكل البناء الكامل للعمل أو من خلال المرحلة اللاحقة من اخراج العمل الفني وتقنيات اللون التي أخرجها من نطاق الملونات التقليــدية والأكاسيد الي بحث خاص في رحاب المادة وانطلاقه الي مواد مختلفة تميل الي مصادر نباتية أحياناً ومواد أخري مبتكرة أحياناً أخري، ولكن اذا أردنا قراءة العمل من خلال التكوين الخاص الذي يعتمده ســرمد نري أنه ومع كل عمل يدخلنا في خضم تجربة جديدة تحمل من الخصوصية ما يميزها عن التجربة التي سبقتها فهو لا يبقي في محدودية الخزف كمادة وضمــن طقوسها بل يُدخل المادة في أعماق تجربته هو مطوّعاً مفاجآت الفرن لصالح العمل بالمطلــق، لذلك نجد أن أعمالــه تميل الي نوع مــن البحث أكثر من انتمائها الي طريقة محــددة في المعالجة، وهذا ما يجعل عرضه يتسم بنوع من الاختلاف، هذا اذا دخلنا الي تقنية العمل كشكل قبل التلوين، أيضاً نجد هناك نوعا بين المزاوجة مع مادة الخزف بالمعدن من خلال الكتلة والفراغ، مما لا يجعل مجالاً للشكل بأنه ينحو الي مشروع خزفي خاص تتضح معالمه مع قراءة كل عمل. واذا تحدثنا بعمومية وبقراءة شاملة للمعرض نجد أنفسنا أمام سيناريو خزفي يحمل مقومات التجانس العام لأنه يحمل توحيد المادة وان اختلفت المعالجات والتقنية، وقد كانت الحروفية هي معالم التوحيد بحضورها القوي بشكل واضح في أغلب الأعمال هذا من جهة الرؤيا الشكلية، أما من خلال المادة فكون الأساس واحدا باختلاف المعالجة فنحن ننطلق بالعمل من خلال مادة أساسية هي الطين بصرف النظر عن المواد المضافة والمعالجات المغايرة بالمعدن مثلاً ولكن هناك كما أسلفنا انسجاما في العرض يجعل المشاهد ينتقل من عمل لآخر بنوع من السلاسة البصرية وبنفس الوقت يشاهد تنوعاً يحفّزه للانتقال بين الأعمال بمتعة خاصة ليجد نفسه الي جانب الهوية الجامعة للأعمال المعروضة أمام خصوصية يتفرد بها كل عمل علي حدة.. هذا من جانب، ومن جانب آخر نشاهد خصوصية كل فنان من خلال ظهور الأعمال علي شكل مجموعات بشكل واضح ولكن متجانس وان اختلف. هذا المعرض يحمل خصوصيته من خلال غناه الفني بالشكل والتقنية بوضوح اضافة لكونه التجمع الأول لمجموعة من الخزافين علي هذا المستوي الرفيع في معرض واحد بهذا العدد الكبير من الأعمال والتنوع بالبحث الفني والنتائج الفنية ولخصوصية المادة وقلة معارضها مقارنة بالأعمال الفنية النحتية والجداريات. انها مادة الخزف الغنية بتقنياتها علي بساطة المادة والمشبعة بالمفاجآت الجميلة. تشكيلي من سورية يقيم في الامارات0