نوبل و فوبيا الحرب الباردة!
خيري منصورنوبل و فوبيا الحرب الباردة!بعد ساعات قليلة من فوزه بجائزة نوبل قال أورهان باموك في حوار سريع أجرته معه مجلة النيوزويك ان بداياته كانت مقترنة بسؤال وطني بقدر ما هو شخصي وهو من يهتم بتركيا الآن، وقد استعار من وليام فولكنر عبارة ذات مغزي تاريخي أكثر مما هو جغرافي هي ما أسماه الطابع البريدي لمسقط الرأس، فتركيا المتبقية بعد أفول الامبراطورية العثمانية هي مجرد اقليم، لكن هذا الحنين الي امبراطورية غاربة لم يحمها من نقد أحد الأبناء الذي يوصف الآن بالعقوق لأنه فتح صفحة ممنوعة في أرشيف تاريخي مسكوت عنه هي صفحة المذابح الأرمنية.ان صاحب روايات الثلج و اسمي أحمر و اسطنبول كان يدرك قبل فوزه بالجائزة أن هناك اهتماما غربيا بأعماله وبالسؤال الأخلاقي الذي حوله إلي هاجس أدبي، لكنه بالتأكيد لم يكن علي موعد مع نوبل، لأنه أنهي حواره مع النيوزويك بطريقة لا تختلف عن تلك التي علق بها فولكنر عندما أبلغ بفوزه بالجائزة والمسألة أبعد من ثنائية الاستحقاق وعدمه بالنسبة لمئات وربما الآلاف من كتاب العالم المعاصر، لأن الجوائز غالبا ما يكون عدد مستحقيها أضعاف عدد الذين يظفرون بها، فالأمر لا يخلو من ترميز رغم اصرار الجهة المانحة علي تحديد الحيثيات التي جعلت كاتبا بعينه قد استحق الجائزة!ان ما أثاره فوز أورهان باموك بجائزة نوبل للآداب يصعب حصره في بعد واحد، رغم أن العاصفة التي هبت ضده في بلاده عمت وطغت علي كل شيء آخر، فقد اعتبره البعض خائنا لمؤسس تركيا الحديثة أتاتورك، واعتبره آخرون ابنا عاقا لتركيا لأنه أدانها بقوة، وقد يكون اضاف سببا آخر للحيلولة دون قبولها في النادي الأوروبي الذي سال لعابها منذ سنوات عليه.ومن الصعب علي أي راصد ثقافي أن يجزم الآن والصلصال ما يزال ساخنا بأن فوز باموك بالجائزة، ذو بعد سياسي فقراءة أعماله تتطلب وقتا، كما ان مقاربة هذه الأعمال بمؤلفات تركية أخري تتطلب وقتا أكبر.لكن ما يمكن قوله الآن، وعلي مقربة من الحدث، هو أن فوزه بنوبل اثار ما يمكن تسميته فوبيا نوبل في الحرب الباردة.فنحن نذكر العواصف التي أثيرت عندما فاز باسترناك ومن بعده سولجنستين وبرودسكي بهذه الجائزة، في تلك الأيام كانت الحرب الباردة في ذروتها وكان الغارب الرأسمالي يبحث بقوة عن أصوات مضادة من داخل أحشاء الاتحاد السوفييتي والمنظومة الاشتراكية، وربما كانت تلك السجالات حول اختراق نوبل سياسيا وايديولوجيا هي ما اثار شكوكا لدي البعض بنزاهة الجائزة وتجردها الموضوعي عن أية التباسات أخري.والسؤال الذي يقفز الي الذهن ونحن بصدد نوبل وأصدائها لماذا يتحول هذا الظفر الي عيد وطني، بينما تغضب شعوب أخري وتمارس النقيض من ذلك؟فالمسألة تبدو أشد تعقيدا من الاختزال الاعلامي وتدليك النرجسيات القومية، فالشعوب التي تفرح كثيرا بفوز أحد ابنائها بالجائزة تنسب هذا النجاح اليها، وتحول الفائز بها الي مجرد اسم حركي لشعب أو أمة!وللتعمق في تفكيك هذه الظاهرة لا بد من معاينة سايكولوجية دقيقة لتكوينات ثقافية في مجمعات لم يتبلور فيها دور الفرد تماما بل هو ما يزال قطرة ماء في سياق مائي سواء كان نهرا أم غديرا أم ساقية!ولو كان الحائز التركي علي نوبل شخصا آخر غير هذا الكاتب الاشكالي لاختلف الأمر، ولكان رد الفعل في تركيا زفافا وليـــس مأتمــــــا وطنيا وما يغيب عن البعـض هو أن الجوائز لا تمنح لشعوب أو قبائل أو أحزاب أو ألوان وأعراق، وجائزة الأسود ليست لكل السود، كما أن جائزة العربي ليست لكل العرب، وجائزة التركي ليست لكل الأتراك.ينهي اورهان باموك روايته ثلج بمقطع هو أشبه بالعود علي بدء، يقول: جلست ونظرت إلي الأضواء البرتقالية لآخر بيوت الأحياء المتطرفة البادية وسط الثلج والغرف المهلهلة التي يتابع فيها التليفزيون والدخان الرفيع المتماوج المنطلق من مداخن واطئة علي أسقف مغطاة بالثلج وبدأت أبكي.. .ان المفارقة في هذه الخانة الروائية هي أن أحد التقارير الذي بثته احدي الفضائيات عن باموك بعد فوزه بالجائزة، تضمن مشهدا مماثلا للذي اختتم به روايته ثلج، غير أن بكاءه كان سريا هذه المرة.لقد بدأ روايته بالجلوس وأنهاها به ايضا، وليس معني هذا أن روايته ذات بناء أو نمو أو عمران دائري، لكنه عبر تداعيات قد تكون السيرة الذاتية متضمنة فيها يسرد وقائع ومواقف مشحونة بالغضب، لهذا قال في مقابلة نشرتها خدمة غلوبال فيو بوينت ان الغضب من شروط الابداع وأن التوتر يستفز لدي الكاتب احتياطياته الفكرية والشعورية، والمثقف التركي الذي يعترف بما يسميه متاهة الأخطاء المشتركة ينتمي الي عالم يستبد به الفقر قياسا الي الغرب، وإلي هوية تبلغ حد العصاب إذا ما استفزت، لهذا سيكون سوء التفاهم في أقصاه بين تركي مثل أورهان باموك، وأحد المحامين الذين تبدو آراؤهم مضادة له، ولفوزه بالجائزة .كلاهما يدعي الهوية التركية ويحاول تبرئتها مما علق بها بعد زوال الامبراطورية، والاحتكام أخيرا لن يكون لجائزة أو مادة في دستور، إنه للتاريخ وللمنطق، ولمجمل الحقائق التي لم تعد رجما بالغيب بل تحولت الي احصاءات وأرقام!لقد رأي بعض المراقبين لما حدث في تركيا غداة فوز اورهان بالجائزة انه وثيق الصلة بالطلب التركي المعلق لدخول السوق الأوروبية.وأغفل هؤلاء أن شروط أوربة تركيا تتجاوز الثقافة والفن الروائي الي الجغرافيا والايديولوجيا وسائر الخصائص التي تري أوروبا أنها لا تؤهل تركيا للدخول الي ناديها.نذكر مثلا أن دخول تركيا الي حلف الاطلنطي جاء عام 1951 بموجب مادة استثنائية من دستور الحلف، ولأسباب تتعلق بالحرب الباردة والحاجة الي قواعد وتأمينات ضد الاتحاد السوفييتي، وما يحدث بعد أكثر من نصف قرن لا يمكن له أن يقرأ بالمنظار ذاته فالعالم تغير وأصبحت أوروبا تخشي من التورط بجيران في الشرق الأوسط يقضون مضاجعها، كما أن البعد الاسلامي لتركيا سيحدث خللا في كيمياء التجانس الايديولوجي، وإذا كانت الولايات المتحدة متحمسة لادخال تركيا في هذا النادي ولو من ثقب إبرة فإن ما وراء الأكمة أهم من كل التصريحات المعلنة لأن عشق أمريكا لتركيا ليس بسبب كثرة المآذن في اسطنبول أو طول ضفائر النساء أو جودة الكستناء التركية، وذلك شجن آخر ليس هذا سياقه!اشترط باموك في احدي المقابلات التي أجريت معه بعد الفوز بالجائزة علي تركيا أن تتغير جذريا خلال العقدين القادمين كي تصبح جديرة بالقبول في النادي الأوروبي، ومعني ذلك هو أن لا تعود تركيا تركيا، فالتغير الجذري ليس معناه تغيير جلد الثعبان الموسمي، بل التغيير البنيوي الذي يطال أدق مكونات النسيج، ولعل هذا الفهم لدي باموك، هو ما سيوضح لنا قوله في مناسبة أخري – بعد الفوز – عن مصطلح العولمة، والصيغة التي يتبناها عنها، فهو من حيث المبدأ يرحب بها، لكنه يطالب بهامش لمن يقدمون اطروحات مضادة لها، وهذا بحد ذاته موقف غائم من قضية استغرق السجال حولها العقد الماضي كله، خصوصا بعد أن فهمها البعض علي أنها صيغة مخففة ولأسباب إغوائية للأمركة، ان العولمة كما يراها باموك مهمة عسيرة، ويجب أن ينصرف الجهد والحوار إلي تفهم أسباب عسرها، وهنا نأتي الي واحدة من المفارقات الكبري في صراع المفاهيم وحرب المصطلحات إذ كيف تصبح الأوربة أصعب وأشد عسرا من العولمة؟ اللهم إلا إذا كان المقصود بالعولمة صهر الهويات، وتبادل الاعتذارات عن التاريخ وانجاز المهمة المتعذرة وهي صياغة انسان كوني وبلا حدود!ان مصدات العولمة بدأت تأتي من المبشرين بها خصوصا بعد أحداث الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) وذلك من خلال إعاقة سبلها وتصليب شرايينها لأن اقانيمها الثلاثة محاصرة، ومحجور عليها وهي تنقل الجسد والمال والمعلومة!وهذه مفارقة ثانية.أما أوروبا التي بدأت بإعادة النظر في قدرتها الامتصاصية والاستيعابية للمهاجرين، ووفرت مناخات وحاضنات لافراز تيارات يمينية وعرقية فقد بدأت توارب بوابات كانت مشرعة علي مصاريعها تمهيدا للاغلاق وهذا ما يفسر الخطاب الاقصائي الذي يعود الي ما قبل الثورة الفرنسية، والذي يهيئ العالم للبحث عن اطلال أسواره القديمة، بحيث تتغذي الهويات بالهارمون العرقي الذي يمهد لحروبها ولصراع الثقافات بدلا من تلاقحها أو حوارها! وتلك مفارقة ثالثة!قدم باموك لاحدي رواياته بعبارة لستردهال يقول فيها ان السياسة في عمل أدبي أمر فظ مثل مسدس ينطلق وسط حفلة موسيقية ولكنها أمر لا يمكن لنا أن نتجاهله والآن سنأتي الي أشياء بشعة جدا.. .وهذا ليس تقديما مجانيا، أو مجرد قلادة في عنق رواية، فالكاتب يدرك أن رواياته بها متسع للسياسة، لكن ليس الي الحد الذي يفسد فيه المسدس الموسيقي، فالموسيقي أحيانا رصاص من طراز آخر، إذا كانت مكرسة لنشيد امبراطوري، أو مارش عسكري لاسبارطة جديدة، وقد لا تكون السياسة مرئية بوضوح في عمل روائي رهانه إبداعي، انها مبثوثة كالرائحة والكلمات الملغومة بها ذات فحيح، ولكي نحدد مساحة السياسة في نص روائي علينا أن نعيد تعــــريف السياسة، خارج هذا المـــدار الذي اختزلت فيه إلي حرفة تراوح بين البراغماتية العاريـــة والدســائس، وحسب التعريف المقتـــرح وغير الكلاسيكي للسياسة فإنه ما من عمل ابداعي يخلو منها، ما دام هناك واقع يتموج تحت الأصــابع، لا أثناء الكتــابة فقط بل عبر كل تفاصيل الحياة اليومية، فما من كاتب منزوع الطبقة، أو بــلا رؤية أو حلم لنمط من الحياة، لكن المسدس السياسي الذي تحدث عنه باموك مستعيرا العبارة من سواه، لم ينطلق بكل مخزونه من الرصاص إلا بعد فوز الكاتب بنوبل. ما جري من حوار كان تبادلا لرشقات من الرصاص وبلغ الافتراق بين من يري التاريخ علي هواه ومن خلال نشيد وطني أو مارش عسكري وبين من يراه كما هو وعلي حقيقة ذروته.ان أسئلة نوبل القديمة تعود الآن الي الحياة وباللغة التركية أولا، وكأن الاعتراف التطهيري بما لحق بالأرمن كما يرويه باموك هو ايقاظ لفوبيا هاجعة، فالحروب الباردة أنواع وقد تكون أهلية بمقياس ثقافي.والمثال الأكثر طزاجــــة لتجســـــيد حق المبدع في العزف المنفـــــرد خارج الأوركسترا يقدمه باموك الآن، ولا نــــــدري كم يستقــــطع سهمه حول الدائرة!!!0