رصد حميمي لحياة غنية بالمعرفة والمحبة ومواجهة التحديات عبر ثمانين عاما..!
محمود السمرة في سيرته الذاتية ايقاع المدي :رصد حميمي لحياة غنية بالمعرفة والمحبة ومواجهة التحديات عبر ثمانين عاما..!عمان ـ القدس العربي ـ من يحيي القيسي: السيرة الذاتية للناقد والأكاديمي المعروف أ.د. محمود السمرة صدرت أخيرا بعنوان ايقاع المدي عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في عمان وبيروت، لتكشف عن خفايا من شخصية هذا المثقف والباحث الأردني الغنية بأصوله الفلسطينية، وعمقه العربي، وانفتاحه علي العالم، اذ تتيح المجال للقاريء للتعرف عن قرب علي ما شكل هذه الشخصية وصقل معارفها وبوأها مناصب أكاديمية وثقافية رفيعة، وحبا واحتراما في قلوب تلاميذه ومن عرفه عن قرب، وقد أعجبت السمرة مقولة ماركيز ليصدر بها كتابه الحياة ليست ما يعيشه أحدنا، وانما هي ما يتذكره، وكيف يتذكره ليرويه ، ولهذا تبدو صفحات كتابه منسجمة مع هذه العبارات، فهو يقوم علي استعادة ذكرياته منذ طفولته في قرية الطنطورة في فلسطين، مرورا بدراسته في حيفا ثم القاهرة ولندن وحتي عمله في الكويت والأردن، ولكنه لا ينتقل في كل مرة في سرده بشكل خطي، ولا يتقيد في شكل فني محدد، ولا في كتابة كل موضوع بانفصال، اذ سرعان ما يقوده تذكره الي الانتقال زمنيا أو مكانيا بشكل سلس حسب ما تقتضيه طبيعة الموضوع أو اجتهاده الخاص، والكتاب بمجمله يشكل وثيقة اجتماعية وثقافية وتاريخية ليس عن السمرة فحسب بل عن الأماكن التي زارها أو عمل فيها مثل وزارة الثقافة الأردنية ومجلة العربي الكويتية..، ومن الواضح أن الرجل يملك الكثير ليقوله أو يتذكره، ولكنه كان انتقائيا في بعض الأحيان ليضيء جانبا دون غيره، وليقول أشياء ويغيب أشياء أخري، فثمانين عاما لرجل في مثل تجربته لا بد تمتلئ بالكثير من الأحداث الهادئة أو العاصفة، والمواقف الصعبة والسهلة، وان كان أشار الي كثير منها في كتابه.أول ما انطبع في ذهني وأنا أكمل قراءة هذه المذكرات تلك العاطفة التي ما زالت متوهجة في قلب الرجل لزوجته رغم مرور أكثر من خمسين عاما علي هذا الزواج، وهو يورد رسائله اليها، وشوقه العارم، أيام كان يدرس في لندن وهي تعمل في الكويت أو تعيش في رام الله، وكأنه ما يزال يحمل الوهج نفسه الذي كتب فيه، ولعل في ذلك درسا حقيقيا عن مدي ما يمكن أن يصنعه الحب والوفاء في زمن صارت فيه هذه الكلمات تظهر غير ما هي عليه، وصارت نادرة يعض عليها البعض بالنواجذ، أما في خلاصة تجاربه الحياتية من الحكم والوصايا فتلك أيضا كلمات مكثفة اختزلت كل ما يريد قوله بعيدا عن الوعظ والارشاد، اذ جاءت عفوية ومن قلب صادق.يقول السمرة ملخصا هذه التجربة الطويلة علمتني الحياة سر السعادة التي قد يبحث الانسان عنها طيلة حياته فلا يجدها، وقد يصيبه الوهم مرة بأن أهم أسبابها الثراء ومرة بأنه المنصب الرسمي أو المركز الاجتماعي، فلا يجدها في أي منها، ولكني بعد هذه الرحلة الطويلة الحافلة علي يقين بأن القلوب السعيدة هي القلوب العامرة بالمحبة ص200. .أول الدروس في الطنطورة يبدأ السمرة سيرته من ولادته في الطنطورة نحو منتصف العشرينات من القرن الماضي، والطنطورة احتلها الاسرائيليون وطمسوها بعد مذبحة لأبنائها، ويتذكر السمرة شاطئها الساحر علي البحر الأبيض المتوسط وسمكها الشهير، وفيها درس الابتدائية، وتعلم السباحة، وكيف انه كاد أن يغرق مرتين، وهذا ما سبب له فوبيا من الأماكن المغلقة فيما بعد، ويروي تفاصيل الأعراس والنقوط والشباب الذين كانوا ينتظرون الاعلان عن بكارة العروس بشاشة ملطخة بالدم ولما كبرت أخذت أعجب أشد العجب من هذه الممارسة، ولا شك أن هذا الذي كان يجري يدل علي سذاجة متناهية ص 22، ويروي أيضا تفاصيل مدرسة القرية التي كانت تضم أربعة صفوف، ومعلمه فرج خريج دار المعلمين في القدس، وأنه كان لا بد أن يذهب الي حيفا لاكمال دراسته بعد الصف الرابع، وقد وافق والده داود الذي يعمل في صيد السمك الي أن يدرس في حيفا بصعوبة نتيجة الوضع المالي للأسرة وأخيرا وافق والدي علي أن أذهب للدراسة في حيفا شريطة أن يكون ترتيبي الأول في كل فصل، وفي كل سنة، وهذا يعني أنني ان كنت الثاني فانني لا أصلح لأن أتعلم لأنني فاشل، هكذا كان يري الأمور رحمه الله، وقد بقي سيف ديموقليطس هذا مشرعا ومسلطا علي رقبتي طوال سني دراستي، ولكني لم أعطه الفرصة لتدميري، وان كان دوما يمثل لي تهديدا مرعبا طاردني طوال سني دراستي حتي الدكتوراه، ولم يستطع أن ينال مني، وبهذا أثبت لوالدي أنني أصلح للدراسة، أصبحت عندي عقدة نفسية، لكنها عقدة مفيدة.. ص 24.في الفصل الذي يليه يخصص السمرة الحديث لسنوات دراسته في حيفا ثم انتقاله في بعثة الي الكلية العربية في القدس، ويشير في سياق ذلك الي الأحداث التاريخية الحافلة في فلسطين وأثرها علي الحياة اليومية، ولا سيما ثورة الشهيد عزالدين القسام 1935، والاضراب الذي عم فلسطين عام 1936، وهو هنا يسوق العام في ظل الخاص، ومن الواضح للقاريء أن السنوات الست التي قضاها السمرة طالبا في حيفا كانت صعبة عليه لا للمواد التي يدرسها من أجل أن ينال المرتبة الأولي فحسب بل للظروف الحياتية بعيدا عن أهله، أما الكلية العربية التي التحق فيها عام 1941 فهو يقول عنها انها معهد فريد من نوعه وفي مستوي التدريس فيه وأنا مطمئن الي أن ما حصلته من المعارف فيها كان الأساس المكين لكل معرفة تالية، وهذا يصدق علينا جميعا طلبة الكلية.. ص 34.وكان الأساتذة من خريجي الجامعات البريطانية وبينهم انكليز، وكان التدريس علي غرار المدارس الانكليزية العريقة كما يروي، وقد درس فيها اللغات اللاتينية والانكليزية واليونانية اضافة بالطبع للمواد الأخري من فلسفة وأدب وتاريخ وغيرها، وهو يصف القدس وصف عاشق لها، كما يروي كيف تعرف علي الشاعر عرار هناك .. وكان من زملائي من شرق الأردن ناصر الدين الأسد وذوقان الهنداوي ونوري شفيق، ومن ناصر ولأول مرة أتعرف علي مصطفي وهبي التل (عرار) شاعر الأردن، وأسمع منه شعرا أعجبني ,ويوما قال لي ناصر ان عرارا هنا في القدس فلنذهب لزيارته في الفندق وذهبنا وكان لقاء قصيرا..وقد ابتدأ من هنا اهتمامي بعرار فحققت ديوانه وكتبت عنه، ووجهت أحد طلبتي الي تحقيق ديوانه وكتابة رسالته للماجستير.. ص 40، وفي رحلته الي قريته عبر حيفا بالباص شاهد لأول مرة الفتاة التي هفا لها قلبه، وأصبحت فيما بعد زوجته وهي سهام اليحيي ابنة قريته ووالدها كان محاميا مشهورا، وكانت هي خريجة دار المعلمات في رام الله، وتحتل علاقته بهذه المرأة جزءا كبيرا من كتابه، اذ انها كما يظهر لنا قد شكلت السند العاطفي القوي للرجل منذ بداية انطلاقته ودراسته لا سيما في لندن الي اليوم، وعلي عكس ما بدت علاقة زميل آخر له هو الناقد المرحوم د. احسان عباس مثلا مع زوجته في سيرته غربة الراعي والتهميش الذي طالها فان السمرة هنا يعلي من شأن المرأة زوجة وحبيبة ورفيقة درب شاركته في السرّاء والضراء، وليس المقام هنا بالطبع مقارنة السيرتين وسبب الاختلاف في الطرحين لكن هذه المسألة استوقفتني في سياق عرض التجربة.سنوات حافلة في القاهرة والكويت ولندن مرحلة القاهرة جاءت عبر ايفاد السمرة للدراسة في جامعتها عام 1947، وكان قد سبقه اليها صديقاه محمود الغول واحسان عباس، وقد التحق بقسم اللغة العربية فيها، وسرعان ما حدثت نكبة عام 1948 واحتلت الطنطورة وجرت فيها مذبحة مريعة قتل فيها الكثير من معارفه وأقربائه، وأصبحت عائلته لاجئة في طولكرم، وعاني مثل الكثير من الطلبة الفلسطينيين حينها من آثار النكبة في الغربة، ويتذكر بعض أساتذته في الجامعة مثل شوقي ضيف، وأمين الخولي وأحمد أمين، ويروي السمرة رفقته لاحسان عباس وكيف كان الرجل كريما يؤثر الطلبة المحتاجين علي نفسه رغم فقره ووجود عائلته معه. وفي الفصل الرابع من السيرة يخصص السمرة الحديث عن مخاض الخمسينات حيث تجربته في العمل في الكويت، ومن ثم الدراسة في لندن، ويقول في ذكرياته عن تلك الفترة أي في عام 1950 واصفا الكويت …البيوت متواضعة، والشارع الوحيد المسفلت فيها كان شارع الشيخ فهد الممتد من بوابة الجهرة حتي الصفاة،وهي وسط البلد….ص 63، وكان الماء ينقل بالسفن من البصرة الي الكويت ويدور الباعة به علي الدور يبيعون وينادون: شط..شط أي ماء من شط العرب…ولكن لم يلبث أن تغير كل شيء بعد سنوات قصيرة ص 64. وينتقل الرجل في وصفه للكويت التي قضي فيها الأعوام من (1950 ـ 1956 ثم 1958 ـ 1964) الي تطورها فيما بعد والي غزو صدام لها وتشريده لأهلها، والي الفلسطينيين الذين كانوا يعيشون فيها لمدة أربعين عاما قبل أن يفرقهم الغزو وتبعاته، أما القادمون الجدد منهم الي عمان فيقول السمرة عنهم والشيء المؤلم أن هؤلاء القادمين الجدد نمت في نفوس بعضهم كراهية للفلسطينيين الأردنيين المقيمين أصلا في الأردن، فتصوروا أن هؤلاء الفلسطينيين فرحون لما حل بهم وما أبعد هذا عن الواقع…،كما أن بعض سكان عمان من الفلسطينيين أصلا أصيبوا بنفس الداء من الغيرة والحسد أو القلق من أن يشاركهم فلسطينيو الكويت في قوتهم ورزقهم، وكم من المؤلم أن تكون نتائج حرب الخليج الأولي سببا للتنافر بين الأخوة بدل التلاحم والاتفاق في وجه العدو المشترك الذي يهددهم جميعا.. ص 67.عمل السمرة معلما في الكويت أول الأمر، وعاد الي الضفة وتزوج ممن أحب عام 1952واصطحبها معه الي الكويت حيث عملت في التدريس أيضا، وجاءته فرصة اكمال دراسته في لندن عبر بعثة من المركز الثقافي البريطاني، وسافر مع زوجته عام 1956 تاركا طفليه رائد ومي عند أهله في طولكرم، وقد سافر الي لندن بحرا من بيروت الي ايطاليا مرورا بالاسكندرية ثم عبر القطار الي باريس مرورا بالنمسا وسويسرا حتي وصلا لندن، و هو يروي ذكرياته بالتفصيل عن هذه الرحلة وجماليات المدن التي مر بها، وفي لندن (التي كانت رؤية أحد العرب فيها تعد حدثا ص 79) سجل في جامعة soas الشهيرة في موضوع أثر الحضارة الغربية والدراسات التبشيرية في الفكر الاسلامي في بلاد الشام من 1860 ـ 1920 وهو موضوع صعب ومهم كما يقول، وقد اضطرت زوجته للعودة الي فلسطين بسبب نشوب حرب السويس وخشية أن تفقد طفليها، ومن هنا ابتدأت نار العاطفة المشبوبة تؤثر في السمرة ويورد الكثير من الرسائل التي كان قد أرسلها اليها، ولكننا لا نري كقراء رسائلها اليه أي أننا نقرأ الأمر من جهة واحدة، والرسائل في الحقيقة ليست مخصصة لبث الأشواق فحسب بل في التعريف ببعض أحواله في لندن وتطور دراسته، وهي اذن تفيد هنا في كسر صوت السارد لتحل محله الرسائل، وفي ذلك نوع من التغيير المحبب والمشوق لمتابعة القراءة.يقول في رسالة بعثها يوم 28 آذار (مارس) 1957 الحبيبة العزيزة سهام : قبلات مغلفة بنار الحب المشتعل الذي يجري في الدم ويملأ القلب، ويسيطر علي الفكر، هذه كلها أطبعها عجلة حانية مداعبة علي عينيك ووجنتيك، وكل قسمات وجهك الحبيب لتمسح آثارالدمع الذي سببته لك رسالتاي….لقد كنت أشعر أيتها الحبيبة خلال هذه المدة المشؤومة المنصرمة أن الحياة الجميلة العزيزة التي كنت أحيا بها ولها قد انسابت من بين أصابعي انسياب الماء فلا أكاد أصدق وأضغط علي هذا الرأس المرهق لأفكر فلا أجد الا رأسا تعبا كأن فيه خلايا من النحل قد تركت فيه لسعاتها لا عسلها.. ص 100.وينتبه السمرة من جهة أخري الي غني تجربته اللندنية في تزويده بالمعارف والثقافة فهنالك دور السينما والمسارح والمكتبات والمتاحف والحدائق، وهناك الدراسة الأكاديمية الرزينة التي نذر نفسه للتفوق فيها، كما استطاع أن يكسب رضا مشرفه سارجانت المعروف بصرامته، وفاز أيضا بجائزة جامعية رفيعة هي روفن ، ولكن أطروحته القيمة ما تزال لم تنشر الي اليوم كما يقول.جاءت فرصة جديدة في الكويت للسمرة في نهاية الخمسينات لتأسيس مجلة العربي وللعمل نائبا لرئيس التحرير د. أحمد زكي وقد استمرت هذه التجربة القيمة حتي عام 1964 حينما رغب في العمل أستاذا في الجامعة الأردنية حديثة التكوين حينئذ، رغم أن سنوات العربي كانت حافلة بالكتابة في زاوية كتاب الشهر وفي التعرف علي الثقافة العربية ونشرها، ومما يذكره في هذا السياق أن رؤساء الدول الذين كانوا يزورون الكويت يحرصون علي زيارة المجلة واخذ مجلدات من أعدادها كهدايا قيمة، ومن الواضح أن الرجل يكن لتلك السنوات الكثير من الذكريات الطيبة، اذ كان علي وشك أن يمنح الجنسية الكويتية تكريما لجهوده، لكنه آثر العودة للأردن، ومما يورده في سياق النشر وعلاقته بالأدباء حكايته مع السياب الذي أرسل له مرة قصيدة مرفقة برسالة منه يذكر أنه يريد نشرها ويطلب ارسال مكافأتها له ليشتري بها دواء … وقرأتها ولم أفهمها، فعرضتها علي الدكتور أحمد زكي وبعد أن قرأها سألني : هل فهمتها ؟ قلت : لا، قال: اذن لمن سننشرها ؟ ولم تنشر وأرسلنا له المكافأة وكانت المفاجأة أن الكتاب المسجل المرسل اليه وبداخله الشيك ردّ الينا دون أن يفتح، وقد كتب عليه: المذكور قد توفي ص 122.الأردن بين الوزارة والجامعة الفصل السابع والذي يليه، أي النصف الثاني من السيرة خصصه السمرة لعمله في الأردن الذي ما يزال متواصلا منذ أربعين عاما، ويصف الجامعة الأردنية الوليدة وشوارع عمان في عام 1964، وكيف كان سكنه مقابل الأرض المقام عليها اليوم المركز الثقافي الملكي كان يبدو بعيدا عن عمان..! ويصف أيضا الأسعار الزهيدة للبضائع والسيارات والعقارات حينئذ، ويري أيضا أن الجامعة الأردنية قد انتقلت بشكل نوعي مع قدوم د. عبدالسلام المجالي رئيسا لها، ويروي كيف كان الملك المرحوم الحسين يزورها دوما ويعتبرها المركز الأهم بعد القوات المسلحة، و كيف تراجع التعليم اليوم وأصبحت هذه الجامعة تضم أربعين ألفا من الطلبة بعد أن خطط لها أن لا يزيد العدد عن 12 ألفا في أي حالة من الأحوال لضمان نوعية الطلبة بعيدا عن الجانب التجاري الطاغي اليوم، وقد تولي السمرة منصب نائب رئيس الجامعة من 1973 ـ 1989ثم رئيسا لها، ولا يتحدث كثيرا عن هذه السنوات، بل يمر الي الشخصيات العالمية التي كانت تزور الجامعة، وأعتقد أن فترة عمله في الجامعة قد ظلمت في هذه السيرة من ناحية ما فيها من غني وأحداث وأبعاد أكاديمية وحياتية، وربما يأتي أوان الكشف عنها في جزء ثان من سيرته كما نأمل حتي يتعرف الجيل الجديد علي هذه التجربة ويستفيدوا منها العبر والدروس، ولا أدري ما الذي منع الرجل من التركيز أو التفصيل ولو قليلا علي حياته الأكاديمية في الأردنية و جامعة البتراء الخاصة فيما بعد، وذهابه الي تطوافه السياحي أو السياسي أو الخاص في بعض دول العالم مشرقا ومغربا وشذرات من ذكرياته هناك وما رأي من الطرائف أو الغرائب، ومن هذه الدول العراق وزيارته للطائفة اليزيدية قرب الموصل،واليمن وقصر بلقيس، وبلد المليون شهيد ومقابلته لهواري بومدين، وتونس والمغرب، وباريس وألمانيا الشرقية والغربية، قبل تحطيم الجدار، والنمسا ومدريد وأميركا، كما يخصص فصلا من سيرته لرحلات دول الشرق الأقصي وما رآه فيها، وهذه الرحلات تبدو متفرقة عبر مسيرته الممتدة، وفيها من التوثيق الكثير والمفيد للقاريء عن النواحي الاجتماعية والثقافية والسياسية، أما الفصل العاشر فكان مخصصا لتجربته في وزارة الثقافة اذ عين في حكومة الشريف زيد بن شاكر وزيرا للثقافة في نهاية عام 1991، ويخلص في هذه التجربة الي القول وتبقي وزارة الثقافة عند المسؤولين نافلة يمكن الاستغناء عنها دون أن يخسر الوطن شيئا وما أبعد هذا عن الدور الحضاري للثقافة الذي به يقاس تقدم الأمم ص 190.حصاد الرحلة والحكمة المقطّرة في الجزء الأخير من الكتاب هناك خلاصة شديدة الايجاز والتكثيف لما وصل اليه الرجل في خبراته الحياتية، وهو يصف أيضا مشروعه الكتابي بقوله ان اهتماماتي في الكتابة تتوزع بين النقد الأدبي وعلاقة أمتنا بالغرب والقضية الفلسطينية والرواية، ومما كتبته النقد الأدبي والابداع في الشعر و القاضي الجرجاني: الأديب والناقد ومما ترجمته في النقد الأدبي القصة السيكولوجية لمؤلفه ليون ايدل، وكتاب روائع التراجيديا في أدب الغرب ، و هنري جيمس وارنست همنغواي ، وشغلتني القضية الفلسطينية فنشرت فيها المقالات الكثيرة في مجلة العربي ولي فيها كتاب فلسطين: الفكر والكلمة وكتاب فلسطين: أرضا وشعبا وقضية ، وأنا أؤمن أن المثقف لا يجوز أن يقف صامتا من القضايا المصيرية التي تهدد الوطن والأمة ص 198. وهناك أشياء كثيرة تؤلم الرجل اليوم مثل الفهم البدائي للتراث والمعاصرة، والهوة التكنولوجية والحضارية بين العرب والعالم، والتطرف الضار والتزمت المغلق، وعدم وجود الاستراتيجية في العمل العربي المشترك وغيرها، أما ما انتهي اليه من الأفكار فمنها: علمتني الحياة أنها تفتح ذراعيها للانسان النشيط الجاد، وأن من جد وجد ولو بعد حين، وأن الانسان حامل القيم محبوب ويقدره حتي من خلوا من القيم لأنه يجسد لهم ما يحترمون…، وأن من يظهرون لك الحب ليسوا بالضرورة أقربهم اليك، وأن من يخالفونك الرأي ليسوا بالضرورة أبعدهم عنك، …وأن خير فضيلة هي التواضع، تواضع العارف وامتلاء القلب بالمحبة فلا يترك المرء للحسد والضغينة والحقد مكانا في نفسه لأن هذه تمرض النفس وتشقي الانسان.. ص 200.بقي الجزء الأخير من الكتاب الذي ضم مقتطفات من مجموعة من الشهادات التي قيلت في حق الرجل في تكريم مؤسسة شومان له 2001، ورابطة الكتاب الأردنيين 2003، ومن الذين كتبوا شيئا في السمرة انسانا وأكاديميا وباحثا وناقدا: احسان عباس، خالد الكركي، فوز السهيل، صلاح جرار، زياد الزعبي، فهمي جدعان، ابراهيم السعافين، سمير قطامي، فريال العلي، اضافة الي قصيدة لحيدر محمود وبعض هؤلاء من أصدقائه أو من طلبته. كما ضم الكتاب كشفا بما صدر للرجل من كتب، وهي تزيد عن الخمسة وعشرين كتابا ما بين التأليف والتحقيق والترجمة.هنا أختتم ببعض ما قاله د. احسان عباس في زميله وصديقه د.السمرة : … عرفته انسانا دقيقا، محافظا علي مواعيده، منظما في كل شيء، ويقدر النظام في الآخرين، كما عرفته ميالا للأناقة، وشيء من الترف، وهما صفتان تستدعيهما المناصب التي احتلها بجدارة، ومرات يخيل الي أن أبا الرائد نشأ علي مباديء غاندي،وأرجو أن لا يفهم من ذلك أنه يلجأ الي العنف السلبي، نعم هو بعيد عن الحدة والمشاغبة، ولكن بحر الطنطورة الهاديء نفسه قد يثور أحيانا ويغضب. انه امرؤ يركب سفينة العقلانية في أكثر حالاته .0