المواقف العنصرية المتنامية تحفز علي الهجرة المعاكسة من بلاد الغرب.. غياب الكوابح والروادع أعاد العنصرية الي السياسة الغربية!!
محمد عبدالحكم ديابالمواقف العنصرية المتنامية تحفز علي الهجرة المعاكسة من بلاد الغرب.. غياب الكوابح والروادع أعاد العنصرية الي السياسة الغربية!! المتابع لتصريحات السياسيين الغربيين، والمدقق فيما يبثه وينشره الاعلام اليميني والصهيوني يتأكد من أن هناك حملة منظمة، يقودها رجال حكم وسياسة واعلام، هدفها الحض علي الكراهية والتمييز بين المواطنين، من ذوي الأصول الأسيوية والعربية، مسلمين ومسيحيين، عن غيرهم من باقي المواطنين، ولا يستثني من هذا غير اليهود!! تم وضع كل هؤلاء ضمن تصنيف واحد، أساسه العقيدة الدينية، والعقيدة المقصودة هي العقيدة الاسلامية، المنتشرة بين أناس وبشر، ليسوا علي مستوي واحد من الاعتقاد، فمنهم المتدين وغير المتدين، والمعتدل والمتشدد، واليميني واليساري، والمصلح والراديكالي، والسوي والمختل، ومنهم المسلم وغير المسلم.. وصحيح أن الاسلام دين غالب في بلاده، لكن الصحيح أيضا أنه متعدد المذاهب والطوائف والفرق، ووضع كل هؤلاء في سلة واحدة يكشف أن الحملة مغرضة، وموجهة ضد كتل بشرية عريضة، وامتداداتها داخل الغرب نفسه.ومنذ ما قبل الموقف الفرنسي من الحجاب، ومرورا بتصريحات مسؤوليها، وسن التشريعات ضد لباس بعينه، وصف باللباس الاسلامي، ورموز معينة، وصفت بالدينية، في بلد يتغني ويفخر بأنه ناشر دعوة الحرية والاخاء والمساواة ، من القرن الثامن عشر، وأنه قاد أكبر عملية تنوير وثورة شهدها العالم الحديث. مرورا بالرسوم الكاريكاتيرية المسيئة للرسول الكريم، في الدانمرك، ونشرها علي أوسع نطاق في باقي الصحف اليمينية، من أقصي العالم الغربي، في استراليا ونيوزيلندا، الي أقصاه الآخر، في أمريكا حتي شمال كندا، وصولا الي بريطانيا، المفترض أنها الأعرق والأقدم في ترسيخ دولة القانون والديمقراطية، والأكثر ادعاء باقامة المجتمع المتعدد الثقافات دخلت الي المعترك بتصريحات مسؤولين ووزراء عن النقاب والحجاب، وبدا أن هذا مصمم، في مرحلته الأولي، لاحكام العزلة النفسية والاجتماعية والانسانية حول الموصوفين بأنهم مسلمون، سواء من مواطني الغرب أو من أبناء العالم الاسلامي.وهناك شواهد تشير الي أن هدف العزل هو وضع المواطنين الغربيين، من ذوي الأصول الأسيوية والعربية، كمواطنين غير قادرين علي الاندماج أو التكيف مع أساليب الحياة والقيم الغربية، من أجل تبرير الحرب المعلنة ضد البلاد التي وفدوا منها، والتعامل معهم باعتبارهم طابورا خامسا، وجب حصاره ومراقبته وتقييد حركته، وحرمانه من حقوقه الانسانية والطبيعية. فتسن له القوانين الخاصة، ويتم احتجازه تحت ظروف قاسية، مع العمل علي استقطاب الرأي العام، ليقبل بذرائع الحرب الشاملة ضد معتقدات وأنماط حياة وثقافات شعوب ومجتمعات بعينها، باسم محاربة الارهاب ، ولو كان الأمر أمر ارهاب، بمعناه الحقيقي، لتعاون الجميع، بما فيهم دول العالم الاسلامي والمنطقة العربية.. لتعاونوا أولا في تحديد تعريف دقيق لمعني الارهاب، ومن ثم محاربته، ومعالجة مسبباته وحصارها، بالتشريعات والقوانين والاجراءات الجماعية الصارمة والعادلة، أما أن يخضع العالم لقوة تدعي احتكار الحق والخير، وتحتل موقع الخصم والحكم، لتصفي وتقصي من يخالفها، بكل الطرق والوسائل، بما فيها التطهير العرقي. هنا يكون الأمر أمر تفرقة عنصرية، تتخذ من الدين والثقافة ونمط الحياة أساسا للتمييز بين البشر، وهذا يعبر عن انتكاسة تعيد العالم الي عصر الابادات الجماعية، السابق علي اكتشاف العالم الجديد ، وبدأ بالقضاء علي الوجود العربي الاسلامي في شبه جزيرة أيبيريا، التي عرفت في ذلك الوقت بالأندلس. وهو النمط الذي حمله المستوطنون البيض والاوروبيون الي العالم الجديد ، واستخدموه مع أهل البلاد الأصليين من الهنود الحمر، وتم تعميمه في استراليا ونيوزيلندا وكندا، والجزر النائية في المحيطات، وكان هذا النشاط الدموي مقترنا بتجارة العبيد، المجلوبين من افريقيا، وخفت حدة هذه العربدة مع ظهور كوابح وروادع صنعها الوعي والتنوير، وانتشار الأفكار التحررية، وظهور حركات المقاومة الوطنية والقومية. وما كان لهذه الكوابح والروادع من تأثير لو بقيت نظرية، أو تركت مجرد أفكار وفلسفات ونظريات في الكتب والمجلدات، وجاء تحولها الي حركات اجتماعية وجمعيات وأحزاب سياسية لينقل النظام الغربي، القائم علي التمييز وعدم المساواة من موقع الهجوم الي موقع الدفاع، وطوال هذه الفترة، نجد أن النظام الغربي غطي سوءاته بالديمقراطية، ومع ضعف الكوابح والروادع، وانحسار حركات المقاومة، وتفكيك الاتحاد السوفييتي، واختفاء منظومة البلدان الاشتراكية، أيا ما كان الرأي فيها، بذلك قلت امكانية الردع، وعاد النظام القديم بقناع جديد هو العولمة .. يسيطر بها علي العالم، ويصفي بأدواتها حساباته المؤجلة، وكانت أدواتها هي:1) الهيكلة الاقتصادية لثروات وموارد البلاد المارقة سابقا، ودمجها في السوق المعولم.2) الاعلام لنشر ثقافة العولمة، والقيام بعمليات غسيل المخ مطلوبة لنشر القيم المعولمة .3) الاعتماد علي ما يعرف بمنظمات المجتمع المدني، لاضعاف الدولة الوطنية وتفكيكها، وتحويلها الي جسر عبور الي حياة المواطن الذي لم يتعولم بعد. وخدع هذا القناع قوي عديدة، لولا المفارقة التاريخية التي حدثت في السنة التي تسلم فيها جورج دبليو بوش الحكم، ووصول المحافظين الجدد الي البيت الأبيض. بعدها بشهور حدثت غزوة نيويورك .. كما يسميها أسامة بن لادن، واستهدفت برجي مركز التجارة العالمي، في قلب عاصمة المال العالمية. انهارت العولمة ، وسقطت بالضربة القاضية. وجاءت مرحلة ما بعد العولمة لتمثل الاختطاف الثاني للمسيحية، علي أيدي المحافظين الجدد والمسيحيين الصهاينة، ولعبت الادارة الأمريكية، ومقر رئاسة الوزراء البريطانية في 10 داوننغ ستريت، دورا كبيرا في هذا المجال، وهنا تجدر الاشارة الي أن الاختطاف الأول قامت به روما القديمة، وأنشأت كنيستها الغربية لدعم الامبراطورية الرومانية، وكانت في أمس الحاجة الي غطاء ديني وأيديولوجي لاخضاع سكان البلاد التابعين لها، وكان لهذا أثره فيما بعد لتنحاز هذه الكنيسة، لكل ما هو استعماري وتوسعي وعنصري، وهذا علي العكس من نهج السيد المسيح، عليه السلام، القائم علي السلام والمحبة والتسامح، وهو الشيء الباقي لدي الكنيسة الشرقية، وانتهي الأمر بالكنيسة الغربية بأن تبرئ اليهود من دم المسيح، مما قوي المسيحية الصهيونية، التي تحكم العالم حاليا. وبعد أن كانت أيديولوجية العولمة اجرائية، تعتمد علي الأدوات التي أشرنا اليها، جاءت أيديولوجية ما بعد العولمة رسالية ، ترتكز علي المسيحية، في طور اختطافها الثاني، وعلي أساسها يعاد فتح العالم من جديد، بالقوة العسكرية، وجعل القانون الأمريكي أبا القوانين، والعقيدة الصهيونية أم العقائد، واذا تأمرك الشخص فله حسنة، أما اذا ما تصهين يحصد كل الحسنات!!.وفي ظل هيمنة مثل هذا النظام يمكن لكائن من كان التشكيك في وجود الله، لكن لا يمكنه طرح، ولو مجرد سؤال مشروع عن العنصرية الصهيونية أو المحرقة النازية الهولوكست ، دون تشكيك فيها، فما هو الحال لو تجرأ وشكك فيها. وبذلك عاد التمييز بشكل فج وسافر، وأضحي الاختطاف الثاني للمسيحية أكبر تكئة لنمو المشاعر والتصرفات والمواقف العنصرية، وصار له رواد، يمثلهم جورج دبليو بوش وتوني بلير. والأيديولوجية الاجرائية، اذا صح التعبير، لمرحلة العولمة كانت أخف وطأة من الأيديولوجية الرسالية ، فالأولي تراعي المصالح، والثانية لا تراعي شيئا، وكما أن هناك تفسيرا مثاليا أو ماديا للتاريخ، اختار النظام الغربي الراهن ما يمكن أن نسميه التفسير العنصري للتاريخ.. ومن مهامه اسقاط حقب وحضارات، وادانة ثقافات، وابادة شعوب، كـ مهام مقدسة ، يقوم بها بوش في أمريكا، وبلير في بريطانيا، وميركل في ألمانيا، وهوارد في استراليا. مفوضين من الرب باطلاق الحمم علي العالم الاسلامي والوطن العربي. وعلي أساس هذه الخلفية نستطيع أن نفهم حق النقض الفيتو من جانب الغرب لمنع العرب والمسلمين من امتلاك للتقانة النووية، سلما أو حربا، ونستوعب الدور الاوروبي، الذي يغلف المطالب الصهيونية من العرب والمسلمين بغلالة حريرية ملساء لتكون أكثر قبولا، ونعي أن المنطقة العربية مستهدفة بالتفكيك والتفتيت، ونعرف حدود الموقف العنصري الغربي، الذي ربط الاسلام بالفاشية، كما ورد علي لسان جورج دبليو بوش، مع علمنا أن الفاشية والنازية والصهيونية، كلها نتاج غربي خالص، لم يشهد الشرق شبيها له، وفوق كل هذا وذاك تابعنا غدر التعامل مع الجماعات المتهمة بالارهاب، فقد تعلمته علي الأيدي الأمريكية، يوم أن جعلوا منها رأس حربة لمواجهة الشيوعية، وفور أن تولت الكنيسة الكاثوليكية، بقيادة البابا الراحل يوحنا بولس الثاني، توجيه الحرب الدينية الثقافية ضد الدول الاشتراكية، انطلاقا من بولندا، وظف الغرب الجهاد الاسلامي لشن حرب دينية عسكرية ضد الاتحاد السوفييتي.هذا المناخ يجعل من البيئة الغربية بيئة طاردة، ومن المتوقع أن يكون الثمن الذي يدفعه المهاجرون العرب والمسلمون في الغرب، بعد الاقرار بالهزيمة في العراق، باهظا، فمن المرجح أن يتحول النظام الغربي الي وحش جريح، يضرب وينهش في كل اتجاه، وبيئة الغرب، بوضعه الحالي، الطارد للعرب والمسلمين، سيشهد مزيدا من الحرائق العنصرية، وهذا فرض واقعا جديدا جعل الهجرة المعاكسة حلا يلجأ اليه مهاجرون عرب ومسلمون، وفي بريطانيا، تقول آخر دراسة صدرت أول أمس، وأذاع نتائجها تليفزيون هيئة الاذاعة البريطانية (بي بي سي1)، بأن هناك ما يفوق الألف شخص (1041 تحديدا) يتركون بريطانيا يوميا، أكثر من نصفهم يحملون الجنسية البريطانية، وهو عدد غير مسبوق، هذا مع العلم أن الاحصاء اقتصر علي المغادرين عن طريق المطارات، وليس بالطرق الأخري البرية والبحرية!!ومع ذلك لا نستطيع أن نتجاهل أن الصورة القاتمة التي تعكسها المؤسسة الغربية الحاكمة، ليست هي الصورة الوحيدة، بل هناك صورة أخري تزاحمها، رسمت بأيدي أقطاب اليسار، والأكاديميين والصحفيين والفنانين والأدباء والكتاب، ورعاة النظام القانوني، من محامين وقضاة، وقادة الحركة النقابية، وقطاعات لا بأس بها من الرأي العام، مَثّلها جميعا عمدة لندن، كين ليفنغستون، وأقام احتفالا ضخما، بمناسبة عيد الفطر، دعا اليه المسلمين البريطانيين.. أقامه في أكبر ميادين لندن، وهو ميدان الطرف الأغر، في محاولة منه لاطفاء نار العنصرية بماء المواطنة، الذي يساوي بــين الجميع!!. كاتب من مصر يقيم في لندن9